الجزائر تفتح ملف صناعة السيارات الوهمية

الجزائر تفتح ملف صناعة السيارات الوهمية

06 ابريل 2017
الصورة
مساعٍ حكومية لتشجيع تجميع السيارات محلياً (فاروق بيطاشي/فرانس برس)
+ الخط -


قررت الحكومة الجزائرية فتح ملف صناعة السيارات الوهمية أثر تفجر فضيحة مصنع هيونداي قبل أيام.

وحسب مصادر حكومية " تواجه الحكومة الجزائرية أزمة جديدة فيما يتعلق بخطط كبح الواردات بعد الكشف عن فضيحة فساد مصنع تجميع سيارات لشركة هيونداي الكورية الجنوبية، بمنطقة تيارت (غرب)، الذي استورد سيارات مجمعة بشكل كامل ما عدا العجلات بدلاً من استيراد قطع وتجميعها محلياً". 

وكانت الحكومة أعلنت تبنيها لصناعة تجميع السيارات مع خطط تحجيم الواردات عبر رخص الاستيراد، لكن الفضيحة وضعت المسؤولين مجدّداً أمام مخاوف تفاقم الأزمة الاقتصادية في ظل التخبط الحكومي وتصاعد الفساد.

وحسب خبراء اقتصاد لـ"العربي الجديد" ستضطر الحكومة لفتح ملف تجميع السيارات وفاتورة الواردات بعد انكشاف فضيحة المصنع الكوري.

وكانت الحكومة الجزائرية قررت إيفاد لجنة تحقيق إلى المصنع، وأعلن وزير الصناعة والمناجم عبد السلام بوشوارب قبل أيام، أن رئيس الوزراء عبد المالك سلال، كلف لجنة تفتيش مشتركة ستتوجه إلى ولاية تيارت لتفتيش ومراقبة عمل مصنع تركيب السيارات من علامة "هيونداي" الذي يمتلكه رجل الأعمال محيي الدين طحكوت، إلا أن لجنة التفتيش سرعان ما كشفت عن نتائج التحقيق، بعدما منحت "تهنئة" لمصنع التجميع، ما فاجأ الرأي العام في البلاد.


وكان المصنع قد أنشئ قبل أشهر بالتعاون بين رجل الأعمال الجزائري وشركة صينية، على أمل أن ينتج 25 ألف سيارة في السنة ترتفع إلى 100 ألف سيارة بعد السنوات الثلاث الأولى، لكنه تحول إلى العمل على توريد سيارات مركبة بشكل كامل، بدون عجلات، ليتم تركيبها في المصنع، وتسجيلها كسيارة جزائرية.

ووضعت الجزائر نهاية السنة الماضية خطة جديدة للنهوض بالصناعات الميكانيكية، تعتمد أساسا على تقليص الواردات من خلال إخضاع عملية استيراد السيارات لنظام رخص الاستيراد، مع إلزام المستوردين وممثلي العلامات العالمية بضرورة إقامة مشاريع استثمارية متعلقة بصناعة السيارات في البلاد، الأمر الذي أدى إلى الموافقة على فتح العديد من مصانع تجميع السيارات لعلامات عالمية على غرار "رينو" الفرنسية و"فيات- ايفيكو" الإيطالية و"فولكسفاغن" الألمانية، حيث يلتزم المستثمر بجلب هياكل السيارات ومعداتها وتركيبها في الجزائر مع الاستعانة بشركات المناولة الجزائرية.

وحسب دفتر الشروط الذي وضعته وزارة الصناعة الجزائرية فإن "النموذج الجزائري" في مجال تصنيع السيارات ينطلق من فكرة "Semi Knocked Down" أو ما يعرف اختصارا بـ "SKD" أي استيراد السيارات نصف مجمعة وتتم عملية إكمال التجميع في الجزائر، وهو النموذج الذي يصعب على البلاد تطبيقه في الوقت الراهن، حسب الخبراء.

وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي جمال نور الدين لـ "العربي الجديد" إن "الجزائر تسرعت في اتخاذ قرار تقديم تسهيلات لمصانع تجميع السيارات بهدف كبح الواردات، وذلك لعدم توفر البلاد على نسيج صناعي وشركات مناولة تساعدها على كسب هذا الرهان، فالحكومة وضعت 17% من أجهزة السيارة مُصنعة في الجزائر كنسبة اندماج في السيارات، على أن ترتفع النسبة إلى 40 % في السنوات القادمة، وهو أمر مستحيل.



وحسب نور الدين فإن نسبة الاندماج الحالية تصل إلى 1 % بالكاد، إن لم نقل إنها غائبة، الأمر الذي تترجمه الصور التي سربت في مواقع التواصل الاجتماعي حول فضيحة استيراد سيارات مجمعة بشكل كامل تقريباً.

ويضيف أن "المحرك وأجهزة التحويل تشكّل 30% والهيكل يشكّل 30% من السيارة مع احتساب الكراسي والتجهيزات لنصل إلى أكثر من 96% من السيارة، فماذا ننتج نحن في السيارة"؟

وفي نفس السياق علمت "العربي الجديد" من مصدر داخل وزارة الصناعة الجزائرية أن الوزارة ستراجع بعض الشروط التي وضعتها أمام العلامات العالمية والمتمثلة أساسا في إقامة استثمار بمجال تجميع السيارات مقابل الحصول على رخص الاستيراد.

وجاء التحرك بعدما أدركت استحالة دخول جميع العلامات العالمية في هذه الاستثمارات، وبالتالي سيؤدي التخبط الحكومي إلى غياب بعض العلامات مثل "تويوتا" التي كشفت عدم تحمسها لإقامة مصنع تجميع السيارات في الجزائر، يضاف إليها "بيجو" الفرنسية التي لا يزال ملفها حبيس الحسابات السياسية بين الجزائر وباريس.


وحسب الخبراء، فإن فرض الحكومة الجزائرية لمنطقها على قطاع السيارات من خلال إخضاع استيرادها لدفتر شروط جديد وإن كان ظاهره هو كبح فاتورة استيراد المركبات التي فاقت 8 مليارات دولار سنويا قبل 2014، مع نقل التكنولوجيا إلى الجزائر من خلال مصنع التجميع، إلا أن باطن هذا القرار يحمل في طياته نية الجزائر في تغيير المشهد وإعادة تقسيم الأدوار والأسماء التي تحتكر القطاع.

وإلى ذلك يقول الخبير في مجال سوق السيارات ووكيل علامة فرنسية سابقًا خليفة بوعلام إنه "يظهر جليا أن عملية تطوير صناعة السيارات في الجزائر لا تتم في شفافية مع غياب رؤية للمدى القريب والمتوسط".


ويضيف نفس المتحدث لـ "العربي الجديد" أن "المرشحين لإقامة مشاريع استثمارية في مجال تجميع السيارات ليسوا متساوين أمام القانون، ففي وقت نجح بعض رجال الأعمال في فتح مصانعهم مثل "هيونداي" و"فيات" و"فولكسفاغن" لا تزال طلبات آخرين مثل "بيجو" الفرنسية حبيسة أدراج وزارة الصناعة رغم أنها وُضعت قبل العلامتين".

ويلفت بوعلام إلى أن "دراسة إقامة مصنع لصناعة آو تجميع السيارات كما هو الحال في الجزائر يتطلب الكثير من الوقت لأنه يرتكز على 3 محاور وهي: تنافسية الأسعار النهائية، ونسبة الاندماج في البلد المعني (ما يمكن صناعته محليا تجنبا للاستيراد)، وموقع البلد المشارك في المصنع لتسهيل عملية التصدير، وهذه المحاور لا يمكن أن تُدرس في وقتٍ وجيز "حسب المتحدث.

ويقول: "الغريب أن أسعار السيارات المجمعة في الجزائر للعلامات الثلاثة "رينو-هيونداي- فيات" تفوق أسعار السيارات المستوردة لنفس العلامات، ما يطرح التساؤل حول الجدوى من إقامة هذه المشاريع الممولة من طرف البنوك العمومية، وبالتالي يبقى المواطن خارج المعادلة بعدما ظلت الحكومة تروج أن السيارات "الجزائرية" ستكون بأقل الأسعار".


وفي هذا الشأن، يقترح الخبير الاقتصادي فرحات علي "توقيف الاستثمارات المشبوهة قبل أن تنفلت الأمور"، ويضيف نفس الخبير في حديث لـ "العربي الجديد" أنه "تجب مراجعة النموذج الذي وضعته الحكومة بقصد أو دون قصد، والعودة إلى تحرير الاستيراد مع مراجعة الرسم على القيمة المضافة المُطبق على السيارات المستوردة لكن على أساس سعر البيع الداخلي وليس سعر الاستيراد، بالإضافة إلى إلزام المستوردين والعلامات التي يمثلونها بتكوين الموارد البشرية من العمالة الجزائرية ونقل التكنولوجيا ثم نضع دفتر شروط يضمن الانتقال السلس من الاستيراد إلى التجميع المحلي للسيارات ثم الصناعة".

يذكر أن الحكومة قررت منذ أسبوع تقليص حصة السيارات المسموح باستيرادها إلى 30 ألف وحدة في المرحلة الأولى العام الجاري، حسب مسؤول حكومي لـ "العربي الجديد"، وذلك بعدما سمحت السنة الماضية باستيراد 96 ألف وحدة بقيمة لا تتعدى مليار دولار، في وقت كانت الجزائر تستورد سنويا 450 ألف وحدة خلال الفترات السابقة.

المساهمون