الجزائر: الساعة تدور في فراغ

30 أكتوبر 2019
الصورة
لا تمثل الانتخابات بالجزائر أداة حل أزمة(بلال بن سالم/Getty)
+ الخط -
الآن أصبح تنظيم الانتخابات في الجزائر مأزقاً يتهدده موقف شعبي متصاعد يرفض انتخابات ديسمبر/ كانون الأول المقبل، ليس لذاتها ولكن بسبب ترتيباتها المُتعثرة التي تجعل منها مدخلاً إلى نفق آخر أكثر منها مخرجاً آمناً، ولتدخل الجيش في الترتيبات التي سبقتها بما فيها اختيار تاريخها، ما سيرفع من نسبة العزوف الانتخابي والمقاطعة. في المقابل، لا شك أن إلغاء الانتخابات أيضاً مأزق يفتح الباب على احتمالات مقلقة بالنسبة للكثيرين، وهو أمر يضعف موقف الجيش ويؤجل العودة إلى المؤسسات الشرعية ويعمق من العزلة الدولية للجزائر، وتزداد المخاوف أكثر من الانقسام السياسي.

ثمة طرف مركزي هو المسؤول عن وضع البلد عند هذا المأزق، وعند هذين الخيارين، بحيث لا يشكل أي منهما حلاً بذاته: السلطة بمستوياتها السياسية والعسكرية، والتي تكرر السياقات نفسها، سواء بالتورط في صناعة الأزمة كنتيجة السياسات العاطبة والتدبير القاصر ورعايتها والحشد لتبريرها، أو بفرض حلول انفرادية لا تتوفر على حد أدنى من التوافق أو الإجماع. والعودة إلى أصل الأزمة وحدها تكشف أن مسار الحل الذي فرضته السلطة القائمة مُرتبك وخاطئ منذ البداية، وقد جربت فرضه بصيغة بدائية في محطة أولى في يوليو/ تموز الماضي. بل إن هذه السلطة لم تكن على استعداد، كعادتها في أي زمن سياسي، لفعل غير ذلك، لكونها تعيش على الأزمة وتمون رصيد وجودها من حاصل الأزمة وبقدر امتدادها. وأصل الأزمة أن ثورة الجزائريين على النظام لم تكن بسبب الانتخابات، ولم تكن الأخيرة مطلباً، كما لم تكن المشكلة مشخصة في هذا الرئيس، وقد جربوا أكثر من رئيس، وفي تلك الحكومة، وقد جربوا أكثر من واحدة. ضرر الجزائريين كان مصدره النظام في طبيعته الفاسدة وتركيبته المحتكرة وعقله المُغلق واحتكاره، ولذلك فإن أي انتخابات داخل قوالب النظام نفسها لن تشكل قيمة ديمقراطية مضافة.

للفهم أكثر يمكن طرح السؤال التالي: هل الانتخابات في المطلق حل أم آلية؟ العقل السياسي يقول إنها آلية اختيار تمثيلي متى توفرت شروط نزاهتها في الظروف الطبيعية، أو أداة لتنفيذ مخرجات التوافقات الوطنية في ظروف الأزمة. في الحالة الجزائرية الراهنة لا تمثل الانتخابات لا مخرجات تمثيل ولا أداة حل أزمة. من المؤسف أن ساعة الأزمة في الجزائر تدور في الفراغ. ومثلما قال الحكيم عبد الحميد مهري إن الديمقراطية التي تحميها الدبابة ليست ديمقراطية، فإن الانتخابات التي يقاطعها الشعب ويفرضها الجيش وتحرسها الدبابة ليست انتخابات أيضاً.

المساهمون