الثقافة الجزائرية: مزيد من الوصاية

06 يناير 2020
الصورة
(تجهيز لـ قادر عطية، 2016، تصوير: ألكس شنايدر)
+ الخط -

بعد ساعاتٍ قليلة من الإعلان عن أوّل تشكيلة حكومية في فترة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبّون، الخميس الماضي، عمدت الكاتبة والأكاديمية مليكة بن دودة إلى إغلاق حسابها الشخصي في فيسبوك، ضمن سلوكٍ بات مألوفاً لدى كثيرٍ ممّن يتولّون مناصب في الدولة؛ فإمّا إغلاق الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي كما فعل الأكاديمي عمار بلحيمر الذي عُيّن وزيراً للاتصال في الحكومة الجديدة، أو إخفاء جميع المنشورات السابقة كما فعل الخبير الاقتصادي فرحات آيت علي الذي عُيّن وزيراً للصناعة، أو الإبقاءُ عليها بما تتضمّنه من آراء مثيرةٍ للجدل، كما هو الأمر بالنسبة إلى الوزير الأوّل الجديد، عبد العزيز جرّاد، الذي يتضمّن حسابُه الشخصي على تويتر منشوراتٍ يشتم فيها مؤيّدي السلطة التي اختارته للإشراف على أوّل حكومة بعد انتخابات 12 كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

بالنسبة إلى بن دودة التي عُيّنت وزيرةً للثقافة، كان الحلُّ الأمثل هو حذف حسابها. لكنَّ ذلك لم يمنع ناشطين من تداوُل منشوراتٍ لها تُعبّر فيها عن رفضها الجذري للانتخابات الرئاسية، وتضامنها مع معتقلي الرأي، وتأييدها لمطالب الحراك الشعبي المتواصل منذ شباط/ فبراير الماضي، والمتمثّل في رحيل جميع رموز نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وهو ما تُعبّر عنه أيضاً في أحد حواراتها المنشورة.

تُعيد هذه السلوكات إلى الأذهان تجارب سياسيّين في عصر ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، كانوا معارضين شرسين للنظام، لكنّهم تحوّلوا إلى مؤيّدين (شرسين أيضاً) للنظام نفسه، بمجرّد تولّيهم حقائب وزارية. نتذكّر، هنا، خليدة تومي التي برزت ضمن الحركة النسوية خلال الثمانينيّات، ثمّ كمناضلةٍ في حزب "التجمّع من أجل الثقافة والديمقراطية" المعارض، قبل أن تتولّى منصب وزيرة للثقافة بين 2002 و2014، لتُسجَن مؤخّراً بتهمٍ متعلّقة بـ الفساد.

في التعيينات الأخيرة، بدا أنَّ القائمين على اختيار الوزراء الجُدد راعوا مسألتَين رئيسيّتَين، إلى جانب مسائل أُخرى، تتمثّل الأولى في استقطاب مجموعةٍ من الأصوات التي تتبّنى مطالب الحَراك الشعبي، وتُركّز الثانية على أكثر الوجوه حضوراً في المشهد الإعلامي. تجمعُ بن دودة بين الأمرَين، ولعلَّ تقديمها برنامجاً يتناول قضايا فلسفليةً على إحدى القنوات الجزائرية الخاصّة، كان العامل الحاسم في اختيارها، أكثر من كونها أستاذة للفلسفة السياسية في جامعة تيبازة، غربَي الجزائر العاصمة، أو مؤلّفة كتابٍ بعنوان "فلسفة السياسة عند حنة آرندت" (2015).

مُعلّقاً على هذه الجزئية، يروي الأكاديمي محمد نور الدين جباب، في صفحته على فيسبوك، حادثةً طريفةً أوردها الباحث في علم الاجتماع ناصر جابي في كتابه "الوزير الجزائري: أصول ومسارات"، على لسان المفكّر الجزائري بوعمران الشيخ (1924 - 2016)، الذي كان أحد مؤسّسي قسم الفلسفة في جامعة الجزائر؛ حيث يقول إنه حين تقدّم لمصافحة الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، ضمن طاقمٍ حكومي جديد عُيّن فيه وزيراً للثقافة، وكان ذلك سنة 1991، خاطبه الرئيس قائلاً: "أنت شايفك في التلفزيون".

يُعقّب جباب بأنَّ بن جديد لم يكُن يعرف شيئاً عن بوعمران الشيخ، مضيفاً أن ثلث أعضاء الحكومة الجديدة أيضاً "شايفينهم في التلفزيون، وأتوا بهم منه، لأنهم كانوا أصحاب برامج أو ضيوفاً عليها. لذلك، يُمكن القول إنّ من عيّنهم في مناصبهم هو التلفزيون، وليس الجامعة، ولا رئيس الجمهورية، ولا حتى رئيس الحكومة".

وبينما ارتفعت في السنوات الأخيرة، وخصوصاً منذ بدء الحراك الشعبي، أصواتٌ تطالب بأن ترفع الدولة يدها عن المجال الثقافي، عبر إلغاء وزارة الثقافة، حملت الحكومة الجديدة مزيداً من الهيئات الثقافية الرسمية؛ فإضافةً إلى وزيرة الثقافة، جرى استحداث منصب كاتب للدولة مكلّف بالإنتاج الثقافي أُسند إلى الموسيقي سليم دادة، ومنصب كاتبٍ للدولة مكلّف بالصناعة السينيماتوغرافية أُسند إلى الممثّل الشاب بشير يوسف سحايري، والذي سرعان ما تناقل ناشطون أيضاً منشوراتٍ من حسابه الشخصي، يُعبّر فيها عن موقف راديكالي من السلطة؛ من بينها منشور كتب فيه: "تبّون ليس رئيسي"، وفيديهواتٍ من المضاهرات يهتف فيها: "لا انتخابات مع العصابات".

ما الذي يُخبرنا به إنشاء هاتين الهيئتين الجديدتين؟ سؤالٌ وجّهته "العربي الجديد" إلى الخبير في السياسات الثقافية الدولية، عمار كسّاب، والذي أجاب قائلاً إنّ استحداث كتابتَين للدولة إلى جانب الإبقاء على وزارة الثقافة "مؤشّرٌ سلبي على الكيفية التي تُريد بها السلطة مواصلة تسيير الشأن الثقافي، وذلك في ظلّ تحوّلات تاريخية كبيرة نتجت عن حراك انخرط فيه معظم الفاعلين الثقافيين"، مضيفاً أنّ الهيمنة المطلقة للسلطة على الفعل الثقافي، والتي ازدادت حدّةً في العشرين سنةً الأخيرة، كانت من بين الأسباب التي دفعت بالفنّانين والكتّاب والنشطاء الثقافيّين إلى أن يكونوا في الصفّ الأول للحراك الشعبي، بدليل أنَّ كثيراً من سجناء الرأي ينتمون إلى الوسط الثقافي.

ويُردف: "بإضافة هيئاتٍ ثقافية عمومية جديدة، تكون السلطة قد كشفت عن نيّتها في مواصلة السيطرة على الفعل الثقافي، وهو أمرٌ ينبغي رفضُه بشكل تام؛ فكلّما ابتعدت الدولة عن الثقافة، ازدهرت الآداب والفنون، والعكس صحيح".

ويعتبر كسّاب أنَّ "الرهان اليوم في الجزائر لإعادة بناء القطاع الثقافي كبيرٌ جدّاً؛ حيث أننا لن ننطلق من الصفر، بل من تحت الصفر"، موضّحاً: "خلال العشرين سنةً الماضية، استطاعت السلطة، عبر مئات النصوص القانونية والتشريعية، إضافة إلى المحسوبية والرشوة، أن تستغلّ الثقافة والفنون لأغراض تمجيد الدكتاتورية وفرض إبقاء النظام. اليوم، يجب البدء بإلغاء كلّ النصوص القانونية والتشريعية، خاصة تلك المتعلّقة بالسينما والكتاب والجمعيات، فتلك أولويات قبل الشروع في الحديث عن إعادة هيكلة القطاع".

ويختم المتحدّث بالقول: "يجب أن يجري الاستثمار في القطاع المستقل، لأن الدولة لا تُنتج ثقافة، وإن أنتجتها فستكون ثقافة رسمية لا تتكلّم لغة الشعب".

ويتّفق المخرج والممثّل المسرحي فوزي بن براهيم مع الرأي السابق في زاويته المتعلّقة بالقوانين؛ حيث يجيب عن السؤال نفسه، قائلاً: "لا معنى لاستحداث أّية هيئاتٍ جديدة ما لم تكُن هناك إرادة سياسية لتغيير الوضع الثقافي القائم، وهو أمرٌ يتطلّب سنّ قوانين جديدةً وتغييراً جذرياً للقوانين الحالية التي تعرقل الفعل الثقافي"، مضيفاً: "السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم: هل سيكون لدى الوزراء الجدد ضوء أخضر لإحداث تغييرات في قطاعاتهم؟".

من جهتها، تُشكّك الناشطة والمخرجة السينمائية، ظريفة مزنر، في أن يكون استحداث وزارات منتدبةٍ حلّاً لمشاكل القطاع الثقافي؛ حيث تقول في حديثها إلى "العربي الجديد": "ما ينقصنا، إضافةً إلى الإرادة السياسية، هي الرؤية الجادّة التي تُعيد النظر بشكل جذري في كيفية تسيير القطاع. فسواء في زمن الميزانيات الضعيفة أو في زمن البحبوحة المالية، تبيّن أنَّ الأمر يتعلّق بغياب رؤيةٍ في التسيير".

تضيف مزنر: "في السنوات الأخيرة، باتت الثقافة مرادفةً للفساد، وجرى خنقها بالممارسات البيروقراطية وتقزيمها وحصرها في مهرجانات فولكلورية وفعاليات مناسباتية لا يكاد المواطن يسمع عنها شيئاً، وهو ما يجعلنا، اليوم، بحاجة إلى سياسة ثقافية مدروسةٍ تستوعب التنوُّع الموجود في الجزائر، وتجعل منه مصدر قوة، من خلال دعم الفنّانين وعمّال الثقافة وضمان حريتهم وكرامتهم الاجتماعية وتحرير الإبداع لديهم، وخلق مشاريع جادّة ومربحة تجعل من الثقافة ضرورةً، والعمل على نشرها وإيصالها إلى الجميع".

وبرأي المتحدّثة، فإنَّ ذلك يتطلّب أوّلاً إصلاح أعطاب القطاع؛ ومن بينها قلّة القاعات، وندرة المسيرين الأكفاء، وانعدام آليات شفّافة في أنظمة التمويل والمِنح، وغياب سياساتٍ تنظيمية لمهن القطاع، واستحواذ قلّة من الأشخاص على أغلب المشاريع، والوصاية المفرطة للدولة على الثقافة بما يحوّلها إلى فعل بيروقراطي.

المساهمون