التظاهرات تتوسع في فرنسا: "الشرطة تخيف أكثر من كورونا"

باريس
فادي الداهوك
06 يونيو 2020
باريس، بوردو، نانت، ليموج، بواتييه، مرسيليا، ليل.. موعد جديد جمع الفرنسيين من مختلف المدن للتنديد بعنف الشرطة، غير آبهين بتحذيرات السلطات وإصدارها قرارات بمنع التجمعات نظراً للأزمة الصحية التي تمر بها البلاد نتيجة جائحة كورونا.
في الدائرة السابعة في باريس، بين برج إيفل والمدرسة الحربية، اختار المحتجون تحويل واحدة من أكبر المساحات الخضراء في العاصمة إلى سيل بشري توحده شعارات "حياة السود تهم"، "لا سلام من دون عدل"، "أوقفوا عنف الشرطة"، "كل الناس يكرهون الشرطة"، مرتدين ملابس سوداء غطّت خضرة كل المساحة.
وتأتي هذه التظاهرات الجديدة، اليوم السبت، استكمالاً لتحرك أطلقته عائلة الشاب أداما تراوري، الذي قُتل في مركز احتجاز عام 2016 في منطقة "إيل دو فرانس" التي تضم العاصمة، حيث أطلقت نداءً للاحتجاج، يوم الثلاثاء الماضي، لبّاه بحسب اللجنة المنظمة بين 80 إلى 100 ألف محتج، فيما قالت الشرطة إن المحتجين كانوا 20 ألفاً.
وبغض النظر عن لعبة الأرقام التي غالباً ما تحرص السلطات على جعلها محدودة، إلا أنه لم يعد بالإمكان إيقاف هذه الحركة، خصوصاً مع المشاهد التي تخرج من الولايات المتحدة على خلفية قضية جورج فلويد، إذ لا تزال تبعات مقتله على يد ذلك شرطي خبراً رئيساً على وسائل الإعلام الفرنسية، فضلاً عن أن وسم "حياة السود تهم" ما يزال الأول في فرنسا على شبكات التواصل الاجتماعي منذ إطلاقه.
ومن اللافت جداً أن المتظاهرين لم يترددوا في تلبية دعوات التظاهر في أغلب المدن الفرنسية، على الرغم من الرعب الذي يثيره فيروس كورونا، إذ يقول كثيرون إن "الشرطة في فرنسا تخيف أكثر من كورونا"، وإن لم يحصل هذا التحرك الآن فإن الأمور ستكون معقدة أكثر. كما أن تحرك اليوم السبت يأتي ثمرة اتحاد عائلات ضحايا عنف الشرطة في فرنسا، الذين دعوا إلى مسيرات تحت شعارات "دعونا نتنفس، العدالة لكل الضحايا". كما دعوا في بيان إلى "تصعيد حركة التضامن الدولية ضد الإفلات من العقاب".



وقالت المتحدثة باسم الحكومة سيبيث ندياي إن الاحتجاجات "يجب ألا تخرج"، فيما قال محافظ شرطة باريس ديدييه لالمينت، في بيان حازم، إنه منع العديد من التجمعات التي طلبت ترخيصاً اليوم السبت، ولا سيما في ساحة "تشامب دو مارس" أو أمام سفارة الولايات المتحدة في باريس.

ومساء أمس الجمعة، شهدت مناطق فرنسية عدة تظاهرات لتكريم جورج فلويد ورفض العنصرية. ففي مدينة ستراسبورغ، مقر البرلمان الأوروبي، تظاهر الآلاف في ساحة كليبر، مرتدين ملابس سوداء، ورفعوا شعارات "الفيروس الحقيقي هو العنصرية"، "لا عدالة، لا سلام"، "أوقفوا العنصرية"، "العدالة لأداما".



وفي مدينة روان شمال غربي فرنسا، خرج نحو 1500 شخص في تظاهرة تخللتها اشتباكات مع الشرطة، التي قالت إن عناصر منها أصيبوا بزجاجات حارقة رماها المتظاهرون، ما اضطرها "إلى استخدام الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين واعتقال ثمانية أشخاص"، في حين خرجت تظاهرة مماثلة في مدينة كاين.
أما في مدينة كليرمون-فيران جنوب شرقي فرنسا، فقد تجمع مئات الأشخاص، وفقاً لصحيفة "لوموند"، بعد دعوة حملت شعار "العدل والحقيقة من أجل وسام اليمني"، وهو شاب توفي عام 2012 بعد اعتقاله من قبل الشرطة أيضاً في المدينة.

في محصلة هذه الاحتجاجات، يبدو أن عائلة تراوري قد حققت، بتنظيمها الفعال لتظاهرة الثلاثاء الماضي أمام قصر العدل في باريس، خرقاً واسعاً في ملف عنف الشرطة، حيث أعيد فتح العديد من القضايا التي كانت عالقة لسنوات، فيما بدت عائلات كثير من الضحايا أكثر جرأة الآن للحديث عن عنف الشرطة الذي طاول أبناءها، وبدأت بتزويد وسائل إعلام فرنسية بملفات ومستندات متعلقة بهذه القضية.





وفي هذا السياق، انفرد موقع "ميديا بارت" بنشر مستندات تتعلق بقضية لم يسمع الفرنسيون عنها كثيراً، وقعت خلال فترة الحجر الصحي الأخير. يعود تاريخ تلك القضية إلى 8 إبريل/نيسان، حيث قُتل شاب يدعى محمد جبسي (33 عاماً)، بعد "اعتقال عنيف" من قبل ثلاثة من ضباط شرطة البلدية في مدينة بيزييه الواقعة على ضفاف البحر المتوسط، خلال فحص متعلق بإجراءات الحجر الصحي.
ويقول "ميديا بارت" إن جبسي كان "مكبل اليدين، وقامت الشرطة بتمديده على الأرض على بطنه لدقائق عدة، ثم نُقل إلى مركز الشرطة الوطنية في الجزء الخلفي من السيارة، وخلال كل تلك الفترة كان ما زال مقيد اليدين ويجلس عليه أحد ضباط الشرطة، فوصل فاقداً للوعي، ولم تستطع خدمات الطوارئ إنقاذه".
وبحسب أحد الشهود الرئيسيين في القضية، وهي امرأة تدعى سونيا صوّرت جزءاً من عملية اعتقال جبسي قبل أن يكتشفها ضباط الشرطة ويأمرونها بالتوقف عن التصوير: "سمعت صرخات، وعندما نظرت إلى نافذتي، رأيت هذا الرجل مكبل اليدين والعديد من ضباط الشرطة يضغطون على بطنه، بينما لم يكن يقاومهم". وتضيف، في تصريحات لـ"ميديا بارت": "صدمت من عنف اعتقال محمد جبسي، قررت أخذ هاتفي وتسجيل ما يحصل، لكن أحد ضباط الشرطة أمر بوقف التصوير. قلت لنفسي إننا أحرار وإن من حقي أن أفعل ذلك بل ومن واجبي".

ومنذ بداية القضية، لم تكن شهادات ضباط شرطة البلدية الثلاثة المعنيين متسقة مع شهادات سكان الحي. وتتذكر سونيا كلمات جبسي الأخيرة "ساعدوني، ساعدوني، يريدون قتلي (..)، كان في أيدي الشرطة التي يفترض أن تحميه. وفي الواقع، كنا نشهد موته".

دلالات

تعليق:

ذات صلة

الصورة
زوار متحف رودين في باريس عام 2019 (روبرت نيكلزبرغ/Getty)

أخبار

عاود متحف رودان في باريس فتح أبوابه، أمس الثلاثاء، والأمل يحدوه في أن يساعد بيع الأعمال البرونزية المحدودة النسخ لنحات القرن التاسع عشر، أوغست رودان، في تعويض بعض خسائره المالية الناجمة عن انخفاض عدد الزائرين بسبب جائحة فيروس كورونا.
الصورة
ضم الضفة الغربية-علي جادالله/الأناضول

أخبار

حذّرت مصر وفرنسا وألمانيا والأردن، الاحتلالَ الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، من ضم أجزاء من الأراضي الفلسطينية، قائلة إن ذلك قد تكون له عواقب على العلاقات الثنائية.
الصورة
ليبيا-موكاحيت أيديمير/الأناضول

سياسة

دعت باريس وروما وبرلين في بيان مشترك، مساء أمس الخميس، إلى إنهاء "كل التدخلات" الأجنبية في ليبيا، وحضّت الأطراف الليبيين على "إنهاء المعارك فوراً وبلا شروط".
الصورة
باريس/تظاهرات/العربي الجديد

سياسة

يوم حافل بالاحتجاجات شهدته العاصمة الفرنسية باريس، اليوم السبت، مع خروج تظاهرات عديدة في أبرز الساحات في المدينة، أعطت السلطات ترخيصاً لبعضها وحظرت 3 تظاهرات بسبب "المخاطر والاضطرابات التي يمكن أن تمثلها"، وفقاً لبيان صدر عن شرطة باريس.