التباعد التركي-الأميركي يزداد: إلغاء صفقة "باتريوت" بعد "أف 35"

24 اغسطس 2019
الصورة
منظومة "أس 400" في تركيا (دوغوكان كيسكينكيليك/الأناضول)
+ الخط -


لا تزال ارتدادات شراء تركيا صواريخ "أس 400" للدفاع الجوي من روسيا، تتواصل على صعيد العلاقات التركية الأميركية، فبعد إخراج أنقرة من برنامج إنتاج مقاتلات "أف 35" المتطورة والأحدث في العالم، ومنع حصولها على نحو مائة مقاتلة منها، قال مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية، يوم الخميس الماضي، إن عرض الولايات المتحدة بيع نظام صواريخ "باتريوت" الدفاعي الذي تنتجه شركة "ريثيون" لتركيا "أُزيل من على الطاولة"، بعد قرار أنقرة شراء منظومة صواريخ "أس 400" الروسية، وفق ما نقلت وكالة "رويترز". العرض الأميركي لبيع صواريخ "باتريوت" كان قد قُدّم أول مرة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بعد تأخر دام سنوات، إذ كانت تركيا قد طلبت مرات عدة من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما شراء صواريخ "باتريوت" لتعزيز الدفاعات الجوية، خصوصاً بعد ارتفاع "خطر" وجود الوحدات الكردية على الحدود مع تركيا، وتنظيم "داعش" في كل من شمال سورية والعراق، إذ تصنف أنقرة الجهتين على أنهما كيانان إرهابيان يستهدفان تركيا، ويتوجب على أنقرة حماية الأمن القومي.

وزاد الإصرار التركي عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي حصلت في 15 يوليو/ تموز من العام 2016، واستخدام الانقلابيين مقاتلات "أف 16" ومروحيات في العملية الانقلابية، الأمر الذي زاد من أهمية طلب تركيا لهذه الصواريخ في حماية المنشآت الحكومية الرسمية. ومع اصطدام أنقرة بالرفض الأميركي، توجّهت إلى روسيا التي التزمت باتفاقية مع أنقرة، وجرى بالفعل توريد أولى شحنات الصواريخ الروسية في يوليو الماضي.
العرض الأميركي الذي تم تقديمه إلى تركيا في زمن الرئيس الحالي دونالد ترامب، كان مخيباً للجانب التركي بسبب الشروط الموجودة في الصفقة، التي لا تقارن بالعرض الروسي، فصواريخ "أس 400" كلفتها أقل من ملياري دولار على شكل قروض، فيما العرض الأميركي كان بـ3.5 مليارات دولار، منها مليار دولار دفعة مسبقة، كما أن العرض الأميركي لا يشمل نقل التكنولوجيا على عكس الصواريخ الروسية، فضلاً عن مدة التسليم المتأخرة لصواريخ "باتريوت". كما أن العرض الأميركي كان يشترط مسبقاً التخلي عن صفقة الصواريخ الروسية، فضلاً عن أن واشنطن أرفقت صفقتها بتحذير بسحبها في حال بدأ توريد الصواريخ الروسية لأنقرة، وهو على ما يبدو ما حصل بالفعل مع توريد أولى شحنات "أس 400". في المقابل، رفضت تركيا بشدة الشرط المسبق بالانسحاب من الصفقة مع روسيا، وطالبت بإلغائه والتفاوض على بقية البنود المخيبة لآمالها، وطرحت مرات كثيرة على لسان الرئيس رجب طيب أردوغان فكرة أنها تستطيع شراء الصواريخ الروسية والأميركية معاً، لحاجتها في الدفاع الجوي، ولكن واشنطن كانت حازمة بقرارها.



سحب الولايات المتحدة صفقة صواريخ "باتريوت" يؤشر وبوضوح إلى أنها جادة في معاقبة تركيا لتقاربها الكبير مع روسيا، وأنها تنتظر أن تفضي المفاوضات مع تركيا إلى عدم تفعيل المنظومة الروسية بعد استكمال توريدها، من أجل عدم فرض عقوبات وفق قانون "كاتسا"، ومواصلة أنقرة دورها في إنتاج مقاتلات "أف 35"، ومواصلة بيعها تلك المقاتلات بعدما دفعت أنقرة 1.25 مليار دولار من ثمنها، وكانت قد تسلمت 4 مقاتلات منها بالفعل. لكن واشنطن لم تكتف بإخراج أنقرة من البرنامج وعدم بيعها المقاتلات، بل طردت الطيارين الأتراك من أميركا بعد إيقاف برنامج تدريبهم، ليأتي الإعلان عن سحب صفقة صواريخ "باتريوت" كمؤشر جديد على الإصرار الأميركي على المضي قدماً في معاقبة أنقرة.

من جهتها، تعوّل تركيا على حل المسائل العالقة عبر الحوار مع الولايات المتحدة، مستندة إلى تعهد ترامب بعدم فرض عقوبات عليها، بعد تفهّم الأسباب التي دعت أنقرة لشراء الصواريخ الروسية. وعلى الرغم من ذلك، فإن ترامب غير قادر على مقاومة المؤسسات الأميركية وعلى رأسها الكونغرس ووزارة الدفاع، في حال توجهها لفرض عقوبات على تركيا. وكانت مشاورات موسعة بين المؤسسات الأميركية انتهت إلى اتفاق على إخراج أنقرة من برنامج إنتاج المقاتلات فقط وعدم بيعها، من دون فرض عقوبات، بانتظار نتائج المفاوضات بين الطرفين. وفي هذا الإطار، يراهن الجانب التركي على لقاء يجمع أردوغان وترامب، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك الشهر المقبل، وخلاله يمكن لأنقرة أن تطرح الخيارات المتاحة، وأهمها تشكيل لجنة من حلف شمال الأطلسي، أو مع الجانب الأميركي، لدراسة التأثيرات السلبية لتفعيل صواريخ "أس 400" على مقاتلات "أف 35"، مع نفي تركيا هذا التأثير على الرغم من الإصرار الأميركي على وجود مخاطر، وإفشاء أسرار المقاتلة الأميركية الأحدث في العالم لروسيا.

كما تراهن أنقرة على أنه ومهما حصل من تباعد في وجهات النظر مع واشنطن، فإن الأخيرة غير مستعدة لخسارة حليف من وزن تركيا لصالح روسيا، ما يهدد حلف شمال الأطلسي بالضعف والانحسار، إذ تُعتبر أنقرة ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف بعد الولايات المتحدة، وتسدد التزاماتها المالية بشكل كامل ومنتظم. في موازاة ذلك، لا ترغب تركيا بالتصعيد ضد أميركا لأن أي تصعيد قد ترافقه عقوبات أميركية ستكون لها تبعات كبيرة على الاقتصاد التركي، ما يؤثر على حزب "العدالة والتنمية" الحاكم داخلياً. ومن أجل ذلك تسعى أنقرة لكسب الوقت المتبقي حتى إبريل/ نيسان المقبل، موعد تفعيل المنظومة الروسية، وفق ما أعلن أردوغان، وهي المهلة الأخيرة المتبقية لحل أزمة الصواريخ، إما بعدم تفعيلها أو بحث خيارات أخرى لها مقابل شراء تركيا صواريخ "باتريوت" ومقاتلات "أف 35"، وعودة العلاقات إلى مسارها الطبيعي بين الطرفين.


المساهمون