البريكست.. مسرح الديموقراطية والعبث

21 يناير 2019
الصورة
+ الخط -
لو أن بلداً آخر غير بريطانيا مرّ بتجربة البريكست كان تصرّف على نحو مختلف منذ اليوم الثاني للاستفتاء، في يونيو/ حزيران 2016. فاز خيار الخروج من الاتحاد الأوروبي على نحو غير متوقع، ما خلّف صدمةً كبيرةً في بريطانيا والعالم على السواء، بسبب النتيجة غير المنتظرة من جهة، ومن جهة أخرى تبيّن أن لندن لم تكن مهيأة للتعامل مع هذه النتيجة، فلا حكومة المحافظين حينذاك، برئاسة ديفيد كاميرون، كانت تمتلك رداً على الوضع الجديد، ولذلك حلّت نفسها، وتركت الدّفّة لحكومةٍ أخرى، وبدورهم قادة البريكست لم تكن لديهم خطةً لترجمة الانتصار الذي حققوه، وظهروا أمام الشارع وكأنهم كانوا يمزحون، ولكن المزحة صارت حقيقةً، ولم يتمكّنوا من تقديم مشروع أو تصور للخروج من الاتحاد الأوروبي، وأبرز هؤلاء كان بوريس جونسون، عمدة لندن السابق، ووزير الخارجية في الحكومة التي تشكلت برئاسة تيريزا ماي من أجل تنظيم مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي. كانت مواقف جونسون وتصريحاته أقرب إلى التهريج منها إلى المواقف السياسية المدروسة، واستقال، في نهاية المطاف، من الحكومة، ولم يعد يظهر على المشهد.
خسرت بريطانيا الكثير من جرّاء هذا الارتجال السياسي، وتبيّن يوما بعد آخر أن خيار الاستفتاء كان بمثابة قفزةٍ في الهواء الطلق، وانعكس هذا في الاقتصاد والسياسة، وعلى صعيد علاقات التعايش بين بريطانيا وأوروبا التي يعيش فيها قرابة ثلاثة ملايين أوروبي، بينما يعيش نحو مليوني بريطاني في أوروبا. ويكفي أن نعرف أن 10% من الأصول المالية غادرت لندن، منذ ذلك الوقت، وتقدّر بحوالي ترليون دولار. ومنذ ذلك اليوم، تركت بريطانيا مؤسّساتٍ أوروبيةً كثيرة، وتراجعت حركة الأسواق، ومنها سوق العقار الذي يشهد كسادا كبيرا، وخسر الجنيه الاسترليني من قيمته.
ومع كل ما لحق بهذا البلد، وما سوف يلحق به، من كوارث، إذا خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، من دون اتفاقٍ ينظم علاقتها المستقبلية مع أوروبا، ليست هناك ردود أفعال على مستوى الحدث. صحيحٌ أن الصورة النمطية الشائعة عن البريطاني أنه يتّصف ببرودة الدم والأعصاب، ولكن ليس إلى حد أنه يتفرّج على الحريق يلتهم البيت غرفةً غرفةً، ولا يتحرّك من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه. لا بد أن هناك حكمة إذن وراء هذا البرود، ومن يبحث عن مفتاح للسر الرهيب يجده في كلمةٍ واحدةٍ، هي الديموقراطية البريطانية التي لا تقبل أي نوع من أنواع التلاعب أو التزوير، حتى لو تعلّق الأمر بالمصلحة العليا.
لو أن البريكست حصل في بلد آخر، ربما جرت محاكمةٌ للقادة الذين سعوا إليه، ونظّروا له، وحرّضوا الجماهير وكتبوا المقالات، وكان على الأقل ستخرج تظاهراتٌ شعبيةٌ تطالب الدولة بأن توقف التدهور الاقتصادي المتواصل، ولكن هذا لم يحصل من طرف أحد، وظل الجميع ملتزماً الديموقراطية، أي احترام خيار الاستفتاء والتصويت الشعبي. وعلى الرغم من أن كثيرين ندموا على التصويت لبريكست بعد أسابيع، وصارت الكفّة تميل إلى البقاء في الاتحاد الأوروبي، في حال حصول استفتاء جديد، ولكن لا أحد تمكّن من طرح هذه الفكرة، ولو تجرّأ أحدٌ على طرحها لكان حصل اتهامه بأنه يريد الانقلاب على الديموقراطية بوسيلة ديموقراطية.
مجلس العموم البريطاني يقع في منطقة ويستمنستر التي تعجّ بالمسارح في بلد شكسبير، ومن يراقب جلساته يكاد يختلط عليه الفارق بين المسرح والواقع، ولكنه يخرج بنتيجة أنه يشاهد مسرح الواقع الذي يفتح قاعاته للعبث شيئاً فشيئاً كلما طال أمد الأزمة التي ستقود بريطانيا إلى عزلةٍ رهيبة. بريطانيا في طريقها إلى فقدان أوروبا، وستحتاج وقتا طويلا كي تستعيد ذاتها.