البرلمان المصري يتأهب لتمرير تعديلات على الإجراءات الجنائية

08 مارس 2019
الصورة
التعديلات هي الأكبر منذ عام 1950 (فرانس برس)


حدّد مجلس النواب المصري، يوم الإثنين المقبل، لبدء مناقشاته العامة بشأن تعديل قانون الإجراءات الجنائية، بعد أن انتهت لجنة الشؤون التشريعية في البرلمان من إقرار أكبر تعديلات على القانون الصادر عام 1950، والتي وصفها مراقبون بـ"الكارثية"، كونها تستهدف تغيير قواعد المحاكمات من خلال تقليص ضمانات التحقيق مع المتهمين، وجعل الاستماع إلى الشهود سلطة جوازية لرئيس المحكمة، بدعوى تسريع وتيرة المحاكمات، والقضاء على بطء التقاضي.

وتهدف تعديلات قانون الإجراءات الجنائية، التي طاولت 270 مادة من مجموع 560 مادة، إلى تصدي محكمة النقض في الموضوع، والفصل في إجراءات رد هيئتها في المرافعات، خلال أسبوع واحد، بدلاً من إعادة الدعوى إلى دائرة جديدة، فضلاً عن منع الشخص المُدرج على قوائم الكيانات الإرهابية من ممارسة أي نشاط دعوي أو اجتماعي، وحظر نشر أسماء القضاة والمتهمين والشهود، إلا بإذن من المحكمة.

وخضعت اللجنة البرلمانية لرأي النيابة العامة بما يتصل بعدم تعديل المادة (34) من القانون، ورفضها لمطالب بعض النواب بتخفيض مدة الحبس الاحتياطي عن عامين، وكذلك تعديل المادة الخاصة بإجراءات التحفظ على المال العام، فلا تتضمن التعديلات الجديدة تحديد التحفظ على المال العام فقط، وقصر الطعن على قرارات المنع من السفر أمام محكمة الجنايات.

وشملت التعديلات مد فترة الاستئناف لتصل إلى 30 يوماً بدلاً من 15 يوماً، والنص على إعادة مستشار الإحالة بصورة دائمة، واستبدال عبارة "الإكراه البدني" بعبارة أخرى، لما تحمله من معنى يتم تفسيره بصورة خاطئة في الخارج، علاوة على إلغاء الأحكام الغيابية، والنص على أنه في حال رفض المتهم توكيل محام، تتولى المحكمة توكيل محام له، وتعتبر الحكم حضورياً.

وسمحت التعديلات للقضاة بمنع حضور المحامين أمامهم للمرة الأولى، وعقابهم تحت ذريعة "التشويش بسوء نية"، الأمر الذي يستهدف بصورة أساسية تقييد دفاع المحامين، خصوصاً محامي المتهمين بالتظاهر والانضمام لجماعات محظورة، باعتبارهم يستطردون في دفاعهم دائماً في أمور يتلامس فيها القانون مع السياسة.



كما أضافت مادة تمنع حضور المحامين الابتدائيين أمام محكمة الاستئناف، ما يؤدي لمشكلة عملية للمحامين الابتدائيين الذين تشترط النقابة مرورهم بمراحل إجرائية عدة لاعتمادهم، وربح عدد معين من القضايا قبل الانتقال لجدول الاستئناف. وهو ما سيسفر عملياً عن نقص في عدد المحامين المؤهلين للمثول أمام محكمة الاستئناف، التي ستؤدي وفقاً للتعديلات أدواراً عدة، لعل أبرزها "نظر الطعون على محاكم الجنح، ونظر القضايا الجنائية من أول مرة".

وتكرس التعديلات تحكم جهاز الشرطة في النيابة العامة والقضاء، إذ يكتفي بإلزام ممثلي جهات التحري الأمنية بعرض ما وصفه بـ"قرائن" وهي ما دون الأدلة، لاستصدار أوامر قضائية بمراقبة الأشخاص والمساكن وتفتيشها، ومراقبة الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وحسابات البريد الإلكتروني، وذلك في مخالفة للدستور المصري الذي نص على "ضرورة ضمان سرية المراسلات، وحماية خصوصية الأفراد، وحريتهم الشخصية في الاتصال".

كذلك تكرس إلى زيادة الحد الأدنى للحبس الاحتياطي أو التدبير الاحترازي، الذي تتخذه النيابة العامة أو قاضي التحقيق، من 15 يوماً إلى 3 أشهر، جواز تجديد حبس المتهم احتياطياً على ذمة التحقيق قبل إحالته للمحاكمة، وقبل عرضه على محكمة غرفة المشورة للبت في استمرار حبسه، ما يسمح بعدم ظهور المتهمين أمام المحكمة، وعدم معرفة ذويهم بمكان احتجازهم قبل انقضاء هذه المدة.

ويتجه البرلمان لإقرار تعديلات الإجراءات الجنائية خلال دور الانعقاد الجاري، حتى يمكن تطبيقها مع بداية العام القضائي الجديد، في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بناءً على تعليمات من دائرة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد أن أضافت اللجنة التشريعية بعض التعديلات الطفيفة إلى صياغة الحكومة للعشرات من المواد، على الرغم من مواجهتها شبهات بعدم الدستورية.

وتجاهل مجلس النواب الأخذ بآراء نقابة المحامين، والمجلس القومي لحقوق الإنسان، اللذين أبدى أعضاؤهما مخاوف متزايدة من العصف بضمانات المحاكمة العادلة. واكتفت الحكومة بتكليف وزارة العدل بعقد ورش عمل مع عدد من الأكاديميين والقضاة، المعروفين بتبعيتهم للنظام، أو بعدم التصريح بمعارضته، حتى يظهر الأمر وكأن القانون قد حظي بنقاش مجتمعي قبل صدوره على خلاف الحقيقة. واستبعدت وزارة العدل من ورش المناقشة جميع الأكاديميين الذين سبق أن أبدوا اعتراضهم على إدخال تعديلات واسعة على القانون، وأعلنوا نيتهم وضع مسودات لقانون جنائي جديد حتى تتخلص التشريعات المصرية من عيوب "الترقيع التشريعي" التي تعرقل نفاذ العدالة، وتعوق إدراك القضاة بشكل كامل لمقاصد المشرع واتجاهاته الجديدة، على حد تعبيرهم.