الانتخابات المبكرة في إسبانيا: هروب من الأزمات وترحيل للمواجهة

19 فبراير 2019
الصورة
وجد سانشيز نفسه وسط عاصفة من الاتهامات (فرانس برس)
+ الخط -
بعد يومين من تصويت أغلبية برلمانية، 191 مشرعاً من أصل 350، ضدّ موازنة حكومة الاشتراكي الإسباني، بيدرو سانشيز، أعلن الأخير، يوم الجمعة الماضي، عن ذهاب إسبانيا إلى انتخابات مبكرة في 28 إبريل/نيسان المقبل. ردة فعل سانشيز، المتوقعة، قبيل التصويت الأخير ضده في البرلمان، جاءت تزامناً مع تأزّم المشهد السياسي الإسباني خلال الأسابيع الماضية، وانطلاق محاكمة انفصاليي كتالونيا وأعضاء برلمان برشلونة، وتقاذف الاتهامات، التي وصلت إلى حدّ تخوين سانشيز من اليمين الإسباني، والتقاء الانفصاليين مع اليمين المتشدّد لإسقاطه.

وسانشيز، رجل الاقتصاد الاشتراكي، الذي وصل إلى الحكم في يونيو/حزيران من العام الماضي بعدما خسر رئيس الحكومة السابق، المحافظ ماريانو راخوي، التصويت بالثقة عليه بعد فضيحة فساد في صفوف حكومة يمين الوسط، وجد نفسه خلال الأسبوعين الماضيين وسط عاصفة من الاتهامات التي طاولته شخصياً، بسبب ما يقول عنه اليمين الإسباني "ليونة" مع انفصاليي كتالونيا. في المقابل اتهمه الأخيرون بالتشدّد، لرفضه مطلبهم بالاستفتاء الشعبي على استقلال الإقليم، فأداروا ظهورهم له في التصويت على موازنة 2019، ما عده الرجل استفتاءً على الثقة بحكومته.
مبررات ذهاب سانشيز إلى انتخابات مبكرة، وهي الرابعة خلال 8 سنوات، تأتي ضمن سعيه "للاستماع إلى رأي الشعب، وفي ظرف عليّ أن أختار فيه بين ألا أفعل شيئاً وأستمر بدون موازنة، أو أعود إلى الشعب. فعلى إسبانيا السير إلى الأمام بتسامح واحترام وضبط نفس وبحسّ سليم"، على حد تعبيره.

ووسط توترات سياسية متزايدة، منذ تحرّك الشارع الكتالوني للاستقلال عن إسبانيا في أكتوبر/تشرين الأول 2017، وحتى موعد الانتخابات المبكرة، تجد إسبانيا نفسها في وضع سياسي غير مسبوق منذ انتهاء حقبة الفاشية في عهد فرانشيسكو فرانكو في عام 1975.

ولا يتوقف المشهد عند ذلك، ففي المتغيّر الإسباني يبرز اليوم اليمين القومي المتشدد كعامل لا يمكن تجاهله، حيث أتت انتخابات برلمان إقليم الأندلس في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بحزب "بوكس"، لتضعه على الخارطة الحزبية، منافساً ليمين الوسط ولليسار ويسار الوسط، فيما يتوقّع تقدمه هذه المرة، في الانتخابات المبكرة. وتقدّم "بوكس" في إقليم الأندلس، الذي يضم أكثر من 8 مليون إسباني، عدّه المراقبون "بروفة انتخابية"، فتجربة النجاح فتحت الشهية لدى خليط من مؤيدي الفاشية والتعصّب القومي لاختراق معاقل الأحزاب اليمينية التقليدية، في عموم إسبانيا.

 

معادلة انتخابية صعبة... وصارمة سياسياً للانفصاليين

بيّنت استطلاعات الرأي الأخيرة، بحسب صحيفة "إل باييس" الاسبانية، ليومي الأربعاء والجمعة الماضيين (13 و15 فبراير)، تقارباً في النسب المائوية للمعسكرين التقليديين، يمين الوسط واليسار ويسار الوسط، ما يزيد الصورة تعقيداً. ورغم التقارب في النسب، يبدو اليمين أكثر حظاً للعودة إلى الحكم. وحتى لو صدقت الاستطلاعات التي تفيد بحصول "الاشتراكي" على نحو 24 في المائة من الأصوات، فإنه من الواضح التراجع لدى حزب "بوديموس" اليساري إلى 15 في المائة، مقارنة بنحو 21 في المائة في 2016. ويبدو أن حزب "الشعب" المحافظ، سيحصل على ما لا يقل عن 21 في المائة، يليهما حزب "المواطنين" اليميني، (ثيوذادانوس)، والذي تمنحه الاستطلاعات 18 في المائة.

وتتمثّل المفاجأة في الاستطلاعات بتقدّم حزب اليمين المتطرف "بوكس"، إلى نحو 10 في المائة، فيما تعطيه استطلاعات أخرى 11 في المائة وأكثر إذا جذب أصواتا من حزب "الشعب" المحافظ، وهو ما سيشكّل ضغطاً على المحافظين ويمين الوسط للاعتماد عليه في حكومة مستقبلية. وموقف "بوكس" من انفصاليي كتالونيا ليس ساراً أبداً، فهو ليس فقط حزبا يعادي المهاجرين، كغيره من شعبويي القارة الأوروبية، وإنما يعادي الإسلام أيضاً، لا بل يعتبر التراب الإسباني وحدة غير قابلة للتقسيم مطلقاً.

 

معضلة السياسة الإسبانية

ومهما كان هامش الخطأ في الاستطلاعات في مختلف المؤسسات والصحف ووسائل الإعلام الإسبانية، فإنّ نسبة ما يمكن أن يحصل عليه المعسكر اليميني، من أحزاب "الشعب" و"المواطنين" و"بوكس"، لن تقل عن 49 في المائة، بزيادة 3 نقاط عن انتخابات 2016. وفي مقابل هذه النسبة، فإن معسكر اليسار ويسار الوسط، "الاشتراكي" و"بوديموس"، سيحصل على ما يقارب 40 في المائة، بخسارة 4 نقاط عن 2016.

وبحسب محللي الواقع الانتخابي في إسبانيا، إذا لم يحصل الاشتراكيون على نحو 27 في المائة، فسيكون سانشيز مضطراً للتحالف مع أحد أحزاب الوسط، إذا ما أراد الاحتفاظ بالحكم، وإلا فربما تكون إسبانيا في طريقها نحو عودة اليمين، وهذه المرة بتأثير اليمين القومي المتشدد، وخصوصاً في مسألتي كتالونيا التي أدت إلى تفجير الأزمة في الحكومة الحالية، والهجرة التي أبدى سانشيز وجهاً إنسانياً مختلفاً حيالها، منذ صيف العام الماضي وبرزت في تعاطيه مع أزمة اللاجئين.

ولا تتوقّف المعادلة الصعبة عند هذا الحد، ولا سيما مع الفرز والاصطفاف السياسي والحزبي والقومي في أجواء البلاد. ومهما كانت نتيجة انتخابات أبريل، وحتى لو استطاع يسار ويمين الوسط الدفع بناخب الكنبة المؤيد لهما للتصويت بكثافة، فإنّ أجواء مدريد وبرشلونة تشي بوضع أكثر تأزماً وصداماً، مقارنةً بما حدث في 2017.

ففي العاشر من فبراير/شباط الحالي، شهدت مدريد ما لم تشهده من قبل، بخروج أكثر من 45 ألف متظاهر يهتفون ضدّ الاشتراكي بيدرو سانشيز، مطالبين بانتخابات فورية، بدعوة من حزبي "الشعب" و"المواطنين"، وبمشاركة حزب اليمين المتطرف، "بوكس"، متهمةً الاشتراكيين وسانشيز بالخيانة.

و"الخيانة" هنا تتعلّق بكتالونيا، وليس بقضايا الموازنة أو تشريعات ومسائل اجتماعية. فتهمة الخيانة تأتي عقب قرار الحكومة الحالية تعيين "مُحكم" للنظر والتعامل مع قضية الانفصاليين الكتالونيين المطالبين باستقلال الإقليم. فالمحافظون واليمين يرفضون مجرّد الخوض في نقاش مطلب تقرير المصير. وفي شعارات الشارع يوم العاشر من فبراير، وسط مدريد، ما أشار إلى مرحلة أخرى من التوتر الإسباني، وبشكل غير مسبوق منذ نهاية الحكم الفاشي. فشعارات شعبوية تهيمن على الصورة اليوم مثل "سانشيز كاذب" و"إسبانيا ليست للتفاوض ولا يمكن بيعها".

ولا يبدو أيضاً أنّ معضلة ساسة إقليم كتالونيا في الأشهر المقبلة ستنفرج. فالقضاء الإسباني، الذي يلاحق زعماء الانفصال ويُتهم أيضاً بأنه ينسق مع اليمين، يمكن أن يصدر أحكاماً قد تصل إلى 25 سنة بحق هؤلاء، ما سيعقّد من الصورة أكثر مما عقدته نتائج إعلان الاستقلال في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2017، واضطرار زعيم الإقليم الكتالوني، كارليس بيغديمونت، للهرب إلى المنفى البلجيكي.

وبحسب البروفيسور والباحث في الدراسات الجرمانية والرومانية بجامعة كوبنهاغن، مورتن هايبرغ، خلال حديث له لوسائل إعلام دنماركية، فإنّ تصويت ساسة كتالونيا مع اليمين لإسقاط سانشيز "يعتبر مخاطرة كبيرة، وهي بمثابة إطلاق النار على أقدامهم". ويرى هايبرغ صعوبة في فهم ما يريده الانفصاليون القوميون "فهؤلاء يستدعون قوى يمينية إلى السلطة، وهي لن تخفف الضغط عليهم. فلو وجدت إسبانيا نفسها أمام حكومة وسط ويمين، سنكون أمام خط سياسي صارم جداً، وقد يصل بضغط من اليمين المتطرف إلى حدّ تطبيق المادة 155 من الدستور، والتي بموجبها يمكن لمدريد أن تعلّق الحكم الذاتي الكتالوني".

وبإمكان المادة 155 من الدستور الإسباني، أن تقضي على الحكم الذاتي في أي إقليم إسباني، وإرجاع السيطرة والتحكم إلى المركز في مدريد، إذا ما وُجد أنه جرى خرق القانون بشكل واضح. وتنصّ المادة على أنه يمكن تجميد أو إلغاء العمل بنظام الحكم الذاتي "إذا ما جرى تقويض المصالح الإسبانية"، وهو ما يسمح للحكومة المركزية "اتخاذ كل الإجراءات الضرورية".

ومن الآن وحتى موعد انتخابات أبريل المقبل، تجد إسبانيا نفسها تحت دائرة الضوء الأوروبي، لما ستحمله تجربتها السياسية المتعثرة من أصداء وانعكاسات، ليس فقط بسبب تقدم اليمين المتطرف، أسوة ببقية أنحاء القارة العجوز، على أبواب انتخابات البرلمان الأوروبي، بل بسبب ما يمكن أن يتسبب به انفجار رغبات الانفصال القومي بنهج متشدد.

المساهمون