الاعتقالات السعودية: خطوة أولى لتفكيك شبكات "حقوق المرأة"؟

19 مايو 2018
الصورة
حرب جديدة تشنها السلطات ضد الشبكات الحقوقية (فرانس برس)

شنّت السلطات السعودية حملة اعتقالات، يوم الخميس الماضي، استهدفت عددًا من الناشطين الحقوقيين الليبراليين والناشطات النسويات، بتهمة "تنظيم نشاط منسق للعمل على هدم الثوابت الدينية والوطنية"، حسب بيان المتحدث الرسمي برئاسة أمن الدولة، وهي الجهاز الأمني الجديد التابع لولي العهد محمد بن سلمان.

وجاء في البيان، الذي نقلته وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس)، أن المتهمين قاموا "بتجنيد أشخاص يعملون بمواقع حكومية حساسة، وتقديم الدعم المالي للعناصر المعادية في الخارج، بهدف النيل من أمن واستقرار السعودية وسِلْمها الاجتماعي، والمساس باللحمة الوطنية التي أكدت المادة الثانية عشرة من النظام الأساسي للحكم وجوب تعزيزها وحمايتها من الفتنة والانقسام".

ونشرت الصحف السعودية أسماء المعتقلين الذين قالت إن عددهم بلغ 7 أشخاص حتى الآن، وهم: الدكتور إبراهيم المديميغ، المستشار السابق في مجلس الوزراء، وأحد محامي جمعية "حسم" المعارضة التي حُكم على أعضائها بالسجن فترات طويلة؛ بالإضافة إلى محمد فهد الربيعة، وهو ناشط ينتمي لـ"التيار اليساري العروبي"؛ وعزيزة اليوسف، الأكاديمية في جامعة الملك سعود؛ والناشطة النسوية التي طالبت بالسماح للمرأة بقيادة السيارة وإسقاط ولاية الرجل عليها؛ ولجين الهذلول، إحدى أشهر الناشطات النسويات السعوديات اللاتي سبق للسلطات أن اعتقلتهن؛ وإيمان النفجان، وهي كاتبة ومدونة سعودية اشتهرت بتواصلها مع المنظمات الحقوقية من أجل حقوق المرأة؛ وعبدالعزيز المشعل، الإعلامي والناشط السعودي؛ وشخص سابع قالت السلطات إن اسمه لم يكشف بعد لانتظار استكمال التحقيقات.

ومن جهة أخرى، قال مصدر حقوقي لـ"العربي الجديد" إن "هناك عددًا من المعتقلات لم يتبين اسمهن بعد، والحملة شرسة هذه المرة، إذ استهدفت السلطات، بشكل خاص، الناشطين الليبراليين والناشطات النسويات". وهو أمر تؤيده تصريحات المتحدث الرسمي لجهاز أمن الدولة، والذي قال إن "العمل مستمر على تحديد كل من له صلة بأنشطة تلك العناصر واتخاذ الإجراءات اللازمة".


وجاءت الحملة التي تركزت ضد الناشطات النسويات والمدافعات عن حقوق المرأة، وينفذها جهاز أمن الدولة، وجهاز آخر يسمى بالأمن السيبراني، ويشرف عليه مستشار ولي العهد ومخطط السياسات الإعلامية للسعودية، سعود القحطاني، قبل أسابيع من تطبيق قرار قيادة المرأة للسيارات، والمقرر تنفيذه في أواخر شهر يونيو/حزيران القادم.

لكن حملة الاعتقالات لا تبدو مرتبطة بقرار قيادة المرأة، الذي بات من الجلي أنه سيدخل حيّز التنفيذ، خصوصاً مع افتتاح مدارس تعليم القيادة والبدء باستخراج الرخص، بل يستهدف تفكيك الشبكات الحقوقية التي تحاول حماية المعتقلين والمعتقلات السياسيات، وترسيخ ثقافة حقوقية في البلاد.

وبعد صدور بيان رئاسة أمن الدولة، وقيام الحسابات الإخبارية التابعة للسلطات في مواقع التواصل الاجتماعي بنشر أسماء المتهمين كاملة وصورهم، أطلق المغردون الذين تحركهم السلطات وتشرف عليهم "هاشتاغات" لسب وشتم المعتقلين ووصمهم بـ"عملاء السفارات"، واتهامهم بالشكوى على السلطات أثناء اجتماعهم مع السفارات الغربية، ونقل واستقبال الأموال من وإلى الخارج، والتعامل مع الجهات المشبوهة، فيما حذفت الناشطات النسويات حساباتهن على موقع "تويتر" في دلالة على حجم التوقيفات والاعتقالات غير المعلنة حتى الآن.

كما هاجمت الصحف الرسمية، في صفحاتها الأولى، المتهمات ووصمتهن بـ"الخائنات اللاتي لا بد لهن أن يلاقين العقاب المناسب". وقدمت السلطات خطابًا تركز في مجمله على أن الحرب تستهدف المتطرفين الإسلاميين والليبراليين على حد سواء، وأن تدمير تيار الصحوة لا بد له أن يُتبع بتدمير للتيار المضاد له وهو التيار الليبرالي.

وتعرض الإعلاميون "الليبراليون" الموالون للحكومة، والذين يعملون في القنوات الخاصة الممولة من السعودية، وعلى رأسها قناتا العربية و mbc، إلى هجوم عنيف من قبل المغردين الأمنيين، بسبب استضافتهم السابقة للناشطات وتأييدهم لهن، مما سبب حالة ارتباك لهم اضطرت كثيرين منهم إلى حذف تغريداتهم ومقالاتهم السابقة.

وفي أول ردة فعل غربية على حملة الاعتقالات، قالت سارة واتسون، مديرة فرع "هيومن رايتس ووتش" في الشرق الأوسط، إنّ "حملة الإصلاحات التي أطلقها ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، تثير قلق الإصلاحيين السعوديين الحقيقيين الذين يتجرؤون على الدفاع علانية عن حقوق الإنسان وتحرير النساء".

وأضافت: "يبدو أنّ (الجريمة) الوحيدة التي ارتكبها هؤلاء الناشطون تكمن في أنّ رغبتهم برؤية النساء يقدن السيارات، سبقت رغبة محمد بن سلمان بذلك".

لكن مراقبين يرجحون أن تكون الحملة خطوة أولى في سبيل تفكيك شبكات "حقوق المرأة"، والتي بدأت بالنمو بشكل كبير في ظل الفراغ الذي تركه غياب الإسلاميين عن الساحة، بعد حملة الاعتقالات التي استهدفت رموز تيار الصحوة في سبتمبر/أيلول الماضي، خصوصاً أن التيار النسوي قد أحرج السلطات السعودية وبن سلمان أكثر من مرة أثناء زياراته لبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا، حينما سُئل عن موعد إسقاط ولاية الرجل على المرأة، فحاول التملص من الإجابة.


ولمّحت "الحسابات الأمنية" التابعة للسلطات في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى وجود تحركات وحملات اعتقالات في بقية المدن السعودية، وعلى رأسها مدينة جدة والدمام، وبقية مناطق شمال وجنوب المملكة.

وقال المعارض السعودي عبد الله الغامدي لـ"العربي الجديد": "إن الخوف الذي كان حكرًا على الإسلاميين فيما مضى، صار شاملًا لكل التيارات، والإعلاميون الحكوميون الذين أيدوا طويلاً حملة الاعتقالات الماضية، باتوا أهدافاً لسخط وغضب الحكومة اليوم".

ومن المنتظر أن تحدث هذه الاعتقالات صدىً أكبر في الصحف الغربية، والمنظمات الحقوقية، خصوصًا أن المعتقلات ناشطات ليبراليات، يحظين بتعاطف كبير في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، على العكس من المعتقلين الإسلاميين الذين تلصق بهم السلطات السعودية تهمة الإرهاب كلما أرادت توقيفهم.

وفي حال تقديم المتهمين في هذه القضية إلى المحاكمة، فإن أحكاماً بالسجن قد تصل إلى 20 عاماً تنتظرهم، خاصة أن تهمة "التخابر مع جهات خارجية" تعد تهمة خطيرة في البلاد.