الاستغلال مستمر... زواج القاصرات مشكلة متواصلة في تركيا

22 مايو 2017
الصورة
استغلال وعنف (آدم ألطان/ فرانس برس)
+ الخط -

على الرغم من الانخفاض الملحوظ في أعداد القاصرات اللواتي يرغمن على الزواج في تركيا في السنوات الخمس الماضية، ما زالت الظاهرة من أهم المشاكل في المجتمع. وللاجئين السوريين نصيبهم منها أيضاً.

ليس بالإمكان إحصاء جميع زيجات القاصرات في تركيا، لأنّ جزءاً كبيراً منها لا يسجّل رسمياً. تشير أرقام مركز الإحصاء التركي، التابع لرئاسة الوزراء، إلى أنّ هذه الأرقام انخفضت بشكل واضح خلال السنوات الخمس الماضية، فشهد عام 2010 زواج 45 ألفاً و738 طفلة، ليتناقص العدد عام 2015 إلى 31 ألفاً و337 طفلة.

يشترط القانون المدني التركي على الراغبين في الزواج أن يكونوا قد أتمّوا السابعة عشرة من العمر، لكنّه يتيح في حالات خاصة تزويج من أتم (أتمت) السادسة عشرة، بعد التقدّم بطلب للقضاء من قبل ولي أمر الراغبة في الزواج.

تتضمّن الإحصاءات أيضاً أرقاماً حول عدد الأمهات القاصرات، فقد شهد عام 2015 زيادة في عدد الأمهات القاصرات بواقع 344 حالة، ليبلغ عددهن 2833 أماً بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة خلال السنوات الست من 2010 حتى نهاية 2015.

وترتفع نسبة زيجات القاصرات في الجنوب والشرق التركي، وتبلغ ذروتها في مدينة كيليس الحدودية التركية التي يتجاوز تعداد سكانها من السوريين تعداد الأتراك، وتصل إلى نسبة 15.3 في المائة من مجموع الزيجات في المدينة، يليها كلّ من أغر وقارس، بينما تنخفض بشكل واضح في شمال البلاد في الولايات المطلة على البحر الأسود في كلّ من ريزة وطرابزون.




مخاطر حقيقية

وعن أسباب انتشار الظاهرة، تؤكّد مسؤولة وحدة الصدمات في شعبة إسطنبول لاتحاد المختصين النفسيين، سراب ألتيكين، أنّ أسباباً عديدة تلعب دوراً حاسماً في الأمر، يأتي على رأسها الفقر ثم انخفاض المستوى التعليمي، وكذلك كثرة الإنجاب. فنسبة زواج القاصرات ترتفع في العائلات الكبيرة المكونة من 8 أو 9 أشقاء، فيتحوّل تزويج الفتيات إلى وسيلة لتخفيف المصاريف. كذلك، تشير ألتيكين إلى أنّ ثقافة المجتمع تلعب دوراً كبيراً في زواج القاصرات، فينتشر القول الشائع الذي يبرر زواج الصغيرات "لتعرف منزل الزوجية باكراً وتتعلم". وغالباً ما تجرى هذه الزيجات في المناطق الريفية وبين الأقارب.

ترفض ألتيكين المصطلح التركي الذي يطلق على هذه الحالات اسم "العرائس الأطفال" أو "زواج القاصرات" وترى أنّ هذا المصطلح مخادع ويمنح المشروعية لعملية "استغلال الأطفال" وهو المصطلح الذي تفضل استخدامه لوصف هذه الحالات. وتؤكد أنّ معظم حالات زاوج القاصرات تجري بعد عمليات تهديد وضغوط كبيرة تتعرّض لها الفتاة التي لا تجد لها مكاناً تلجأ إليه، كما أنّ لهذا النوع من الزواج آثاراً خطيرة جداً على الفتاة التي تتعرّض لوقف مفاجئ لحياة الطفولة وتوقف كامل لتطورها النفسي، كذلك تفقد الفتاة مشاعر الثقة بالآخرين والقدرة على التواصل معهم وكذلك الثقة بالنفس، ما يرفع نسبة تعرضها للأمراض النفسية وكذلك الانتحار.

يؤكد مدير معهد الصحة العامة في جامعة "حجة تبة" البروفسور خليل أوزجبة أنّ العرائس القاصرات يتعرضن خلال الحمل لمشاكل أكبر بكثير من نظيراتهن اللواتي ينجبن بعد إتمامهن سن الثامنة عشرة. يفسر: "الأمهات الحوامل في سن المراهقة يتعرّضن إلى مخاطر كبيرة، سواء على المستوى النفسي أو المستوى الفيزيولوجي، فترتفع لديهن نسب الإصابة بارتفاع ضغط الدم الحملي والتسمم الحملي، وكذلك فقر الدم والنزيف ونسب الإجهاض، كما أنّ نسبة وفيات الأمهات بعد الولادة أكبر بين الحوامل المراهقات لعدم اكتمال نموهن الجسدي بعد". يضيف: "كذلك، يتعرض الطفل إلى مخاطر جسدية ونفسية نتيجة عدم قدرة الأم على تقديم الرعاية الكافية له".




حالات مؤلمة

من جهتها تقول كاملة (40 عاماً) التي تزوجت في سن الخامسة عشرة: "تقدموا لخطبتي من أهلي، وحينها لم أكن أعرف بعد معنى الزواج. لم أكن قد تعلمت القراءة والكتابة لعدم توفر مدارس في القرية التي كنا نعيش فيها في ولاية هكاري (شرق). جلبوني إلى المنزل حيث كنت أقطن مع أهل زوجي، ولم أكن أتمكن من الخروج لأنّ زوجي لم يكن يمنحني الإذن لذلك". تضيف كاملة "تأخرت في الإنجاب، وكان أول خروج لي من المنزل إلى عيادة الطبيب الذي أكد بدوره أنّ سبب التأخر هو أني طفلة ولم يكتمل نمو أعضائي التناسلية بعد. ووضعت طفلي الأول في سن الثامنة عشرة".

تشير كاملة إلى أنّ زوجها الذي كان يكبرها في العمر بأكثر من 14 عاماً، توفى بسرطان الدم بعد ثلاثة أعوام من الزواج، لتجبر على الزواج من أخيه. تعلق: "لقد كان زوجي الأول عصبياً، وكان يضربني لأقل خطأ أقوم به، بالرغم من كوني طفلة، ما اضطرني إلى الهرب منه دوماً. زوجي الثاني كان أيضاً عصبياً، ولم يكن يتحدث مع أحد، ولم يكن يشارك همومه أحداً، وعندما فُتح أمر زواجي منه، طلبت من أخي الكبير ألّا يسمح بذلك، فقال لي إنّ هذا غير ممكن، فستتزوجينه وبعد ذلك سيتغير. لكنّه لم يتغير، وفي أحد الأيام طردني من المنزل بعد ضربي، فذهبت إلى أمي، حيث مرضتُ وساءت حالتي النفسية، لكنّ أحداً لم يكن يعتني بي. كانوا يشعرون أنني عارهم".

أما أمينة (35 عاماً) من ولاية غازي عنتاب، والتي تقيم في مدينة إسطنبول، فتقول: "كنت تلميذة مجتهدة جداً في المدرسة، وكنت أود أن أتابع الدراسة في كلية الطب، الأمر الذي كان يشجعني عليه المدرّسون، حتى إنّ مدير المدرسة ذهب إلى والدي بعدما زوجني ليطلب منه السماح لي بمتابعة دراستي، لكنّ زوجي رفض، كما أنني خجلت من الفكرة، فكيف أكون متزوجة وأذهب إلى المدرسة. ما زلت أشتاق إلى طفولتي، كنت أنا وبنات عمي في نفس العمر، هن كن يلعبن في الشارع أما أنا فقد كنت ألعب في المنزل، كان يقال لي إنّي متزوجة ولا يمكن أن ألعب في الشارع".

تضيف أمينة أنّها لم تتمكن من الإنجاب قبل بلوغها سن العشرين، مؤكدة أنّها تحب زوجها الذي سمح لها أن تدرس الثانوية في المنزل، ثم درست في كلية الإلهيات (الشريعة) وتعمل الآن معلمة. تشدد على أنّها لا تكف عن نصح تلميذاتها بعدم الزواج في سن صغير، والتركيز على التعليم. وإن كانت تجربتها ليست سيئة في الزواج المبكر، لكنها تؤكد أنّ المصاعب والضغوط التي تعاني منها العرائس القاصرات ضخمة بما لا يحتملنه.




مبادرات

في مواجهة هذه المشكلة، وبالإضافة إلى مشاريع التوعية لعدد من منظمات المجتمع المدني التركية، ظهرت بعض المبادرات في بعض البلديات، منها إنشاء بلدية غازي عنتاب مركز اتصال يتولى مساعدة القاصرات المجبرات على الزواج. تمكن المركز خلال عام من عمله من إنقاذ 27 فتاة بين سن 12 عاماً و17 ممن كان يجري التجهيز لإجبارهن على الزواج، حتى إنّ إحداهن تمكنت من الانتساب إلى الجامعة بعد إنقاذها.

تؤكد رئيسة بلدية عنتاب فاطمة شاهين أنّ معظم الحالات التي تمكنت البلدية من مساعدتها تنتمي إلى عائلات فقيرة ذات مستوى تعليمي متدنٍّ، مشيدة بالدور المهم الذي قام بها المسؤولون الحكوميون في إقناع ولاة الأمور بعدم تزويج بناتهم القاصرات: "العائلات تولي اهتماماً لآراء مسؤولي الدولة، ما يسهّل علينا عملية إقناعها. والبعض منها يشعر بالخوف عند تدخل مسؤولي الدولة ما يسهل علينا العملية أيضاً". تضيف شاهين: "غالبية أمهات العرائس القاصرات تزوجن وهن طفلات، وتوارثن الأمر جيلاً عن جيل، وبعض الأمهات عندما كنا نحاول إقناعهن، كنّ يقلن لنا: نحن أيضاً تزوجنا في سن مبكرة ولم يحصل شيء لنا". تشير شاهين إلى أنّ البلدية تمكنت من تعريف نحو 35 ألف شخص في عموم الولاية بما فيها الأرياف بالمشروع عبر التواصل مع أكثر من 15 مدرسة. وتمكنت البلدية من إنقاذ إحدى الفتيات من الزواج بعدما أبلغت إحدى صديقاتها المركز.

كذلك، يزداد عدد زيجات الأطفال بين اللاجئين السوريين في تركيا. وعلى الرغم من عدم وجود إحصاءات رسمية حول أعداد العرائس القاصرات بين اللاجئين، إلّا أنّ هناك مؤشرات على وقوعها. من الحوادث الأخيرة التي هزت الإعلام التركي، في أغسطس/ آب الماضي، انتحار الطفلة وفاء زعرور (15 عاماً) من مدينة حلب (شمال سورية) في ولاية غازي عنتاب باستخدام بندقية صيد في منزل أخيها، بعدما طردها زوجها (ابن خالتها) من المنزل عقب ستة أشهر من الزواج.

دلالات

المساهمون