الاستثمار القطري يدعم سوق السندات اللبنانية المتهاوية

21 يناير 2019
الصورة
83 مليار دولار حجم الدين العام للبنان(جوزف براك/فرانس برس)
انعكس إعلان قطر عن استثمار 500 مليون دولار في السندات الدولارية للحكومة اللبنانية ارتفاعاً بقيمة هذه السندات، إصدار سنة 2025، بمعدل سنت واحد تقريبا، والسندات التي تستحق في عام 2037 بواقع 1.2 سنت في التعاملات المبكرة، بحسب بيانات "ترايد ويب".

وتعاني سوق السندات في لبنان من خضات متواصلة نتيجة الأزمات السياسية والمالية في البلاد. فقد شهدت السندات المقومة بالدولار بيعاً كثيفاً في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، في أعقاب تعليقات من وزير المالية علي حسن خليل لإحدى الصحف المحلية عن إعداده خطة لهيكلة الدين العام.

وفي أيلول/ سبتمبر، ارتفعت كلفة التأمين على الديون السيادية اللبنانية ضد أخطار التخلف عن السداد إلى أعلى مستوى منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ما رفع احتمال تخلف لبنان عن السداد بنسبة تزيد عن 40 في المائة في السنوات الخمس المقبلة، وفق وكالة "رويترز".

وهبطت الكثير من السندات الحكومية اللبنانية المقومة بالدولار إلى مستويات قياسية، فيما ارتفعت فوارق العائدات على السندات اللبنانية فوق سندات الخزانة الأميركية إلى مستويات تاريخية. ونتجت حالة الذعر هذه عن أسباب، من بينها عمليات بيع أوسع نطاقاً في سوق ديون الأسواق الناشئة عالمياً.

وعادت السندات للتعافي البطيء إثر تأكيد الحكومة أنها لا تتجه إطلاقاً لإعادة جدولة الدين العام، وأنها تلتزم دفع استحقاقات الدين في مواعيدها. وجاء ذلك، وسط أزمات سياسية متلاحقة، وخلافات بين الأحزاب عرقلت تشكيل الحكومة الجديدة بعد ثمانية أشهر من إجراء الانتخابات البرلمانية.

وأشار أنتوني سيموند، من "ستاندرد أبردين" لإدارة الأصول، لوكالة "رويترز"، في نهاية العام 2018، إلى تحول في هيكل حائزي السندات. وقال إنه "في السابق، كانت البنوك المحلية تشتري السندات الدولية دائماً حتى عندما ترتفع الفائدة عليها. لذا فقد اعتاد لبنان فعلياً على أن يتفوق في أدائه عندما تتراجع الأسواق، لأنك كنت تجد عروض الشراء تلك كمصدر دعم".

وقبل ما يزيد قليلاً عن عامين، كان بحوزة البنوك المحلية ما يقل قليلاً عن 20 مليار دولار من السندات الدولية اللبنانية. وبحلول تموز/ يوليو 2018، بلغت تلك الحيازات ما يزيد قليلاً عن 16 مليار دولار، بعدما انخفضت إلى 13 مليار دولار في نيسان/ إبريل، بينما كان إجمالي عبء الديون يرتفع.

وأشار سيموند إلى أن "انحسار دور البنوك المحلية كمشتر موثوق للسندات، حوّل انتباه السوق إلى جودة ائتمان لبنان عند تسعيرها أدوات الدين التي تصدرها".

ويعاني لبنان من دين عام يعتبر من بين الأعلى عالمياً مقارنة بالناتج المحلي، إذ وصل إلى حدود 83 مليار دولار، ونسبته 150% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق البيانات الرسمية.

في المقابل، أكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، الشهر الماضي، أن قطاع المصارف لديه القدرة على تمويل الدين الخارجي والمحلي للبلاد في 2019، فيما يبلغ صافي الأصول الأجنبية للبنك المركزي نحو 40 مليار دولار.

ويعاني لبنان من عجز مستمر في الموازنة وفي ميزان المعاملات الجارية. وتصنف وكالات التصنيف الائتماني لبنان عند درجة مرتفعة الأخطار. وحذّرت "ستاندرد آند بورز غلوبال" في آب/ أغسطس 2018، من أن الديون ستستمر في الصعود من مستويات مرتفعة بالفعل.

وأورد تقرير سابق لـ"ميريل لينش"، الأسبوع الماضي، أنه في ظل عدم وجود صدمة للودائع غير المقيمة، يمكن للبنان أن يفيد على المدى القريب من احتياطات مصرف لبنان من العملة الأجنبية، بما في ذلك سندات اليوروبوند البالغة 4.7 مليارات دولار.

ورأى أنه توجد إمكانية لوصول إجمالي الاحتياجات التمويلية الخارجية إلى 83 مليار دولار لعام 2019. على أن يشمل ذلك تعديل آجال استحقاق سندات يوروبوند بنحو 2.6 مليار دولار.

بدوره، علق "بلوم بنك" في تقريره السنوي، على مشكلات سوق السندات. إذ لفت في دراسة لسوق السندات في العام 2018 بأكمله، إلى أن لبنان يعيش في خيبة أمل مستمرة على الجبهة السياسية، مع الفشل في تشكيل الحكومة والعجز المالي الذي كان له أثره على فقدان الثقة في سندات اليوروبوند اللبنانية.

وشرح التقرير أن مؤشر السندات انخفض سنوياً 12.47 في المائة إلى 88.46 نقطة، مقارنة بانخفاض هامشي بنسبة 0.2 في المائة في العام 2017. في حين ارتفع العائد المرجح بمقدار 371 نقطة في عام 2018 للوصول إلى واحد من أعلى مستوياتها، وهو 10.61 في المائة.

ولفت التقرير إلى أن الانخفاض في أسعار اليوروبوند، والذي كان يعتقد أنه محدود ومؤقت، استمر طوال العام.

في الواقع، تمت زيادة المعروض من اليوروبوندز، بسبب مخطط الهندسة المالية الذي قاده البنك المركزي، الذي يقوم على إصدار الحكومة سندات جديدة بالعملة الصعبة قيمتها 5.5 مليارات دولار ومقايضتها بأذون خزانة بالليرة اللبنانية بأسعار السوق يحوزها البنك المركزي.

وتم إصدار سندات اليوروبوند الجديدة في أربع شرائح. اثنان منها تمت إعادة فتح استحقاقاتهما يمتلكهما مصرف لبنان بعد إصدار 2017 (تستحق في 2028 و2031). أما النوعان الآخران فهما جديدان يستحقان في 2033 و2034.

في التفاصيل، الشرائح الأربع سيتم توزيعها على النحو التالي: مبلغ إضافي قدره مليار دولار بتاريخ استحقاق عام 2048 بسعر فائدة يصل إلى 8 في المائة. مبلغ إضافي قدره 1.5 مليار دولار في تاريخ استحقاق 2031 بمعدل فائدة يصل إلى 8.1 في المائة. 1.5 مليار دولار تستحق في مايو/ أيار 2033 بسعر فائدة يصل إلى 8.2 في المائة. و1.5 مليار دولار تستحق في 2034 بسعر فائدة يصل إلى 8.25 في المائة.

وفي يونيو/ حزيران، حثّ صندوق النقد الدولي لبنان على إجراء "تصحيح مالي فوري وكبير" لتحسين القدرة على الاستمرار في تحمل الديون، لكن بعد مرور أكثر من ثمانية أشهر على إجراء الانتخابات، لم يتمكن القادة السياسيون بعد من الاتفاق على تشكيل حكومة جديدة يمكنها تنفيذ الإصلاحات الضرورية لتعزيز الثقة، ويظل رئيس الوزراء المكلف سعد الحريري رئيساً لحكومة تصريف أعمال.

وأعدّت مجموعة "غولدمان ساكس" المصرفية الأميركية تقريراً، مطلع الشهر الحالي، عن سيناريو إعادة هيكلة الدين العام في لبنان، استبعدت فيه أن تكون هذه العملية وشيكة، إلا أنها أصبحت قيد التداول، وأشار التقرير إلى أنها، إن حصلت، فمن المتوقع أن تصب في مصلحة المصارف المحلية.

التقرير نقله بول أبيلسكي، من "بلومبيرغ"، عن الخبير الاقتصادي بشؤون الشرق الأوسط في مصرف "غولدمان ساكس"، فاروق سوسة، الذي قال إن المجموعة المصرفية لا ترجّح إعادة هيكلة الدين قريباً، لكنها بدأت بالفعل تهتم بالمدى المحتمل لتعافي المستثمرين عندما يتأرجح أحد أكثر بلدان العالم مديونية على شفير أزمة مالية.

وبموجب السيناريو الأساسي لـ"غولدمان"، يقول سوسة إن المستثمرين الأجانب سيحصلون على 35 سنتاً على الدولار، لكنه يرى أن أي إعادة نظر في الديون ستضع المصارف اللبنانية في أولوية الاهتمام، بمعنى أن "قيمة الاسترداد الفعلية" ستختلف اختلافاً كبيراً لاحتواء الضرر، علماً أن الدائنين المحليين هم بين أكبر أصحاب الديون السيادية اللبنانية.

وقد ارتفع تأمين مخاطر الديون السيادية في لبنان 280 نقطة أساس العام الماضي إلى 800 نقطة، ما يجعله ثالث أسوأ أداء في العالم، بحسب مؤشرات "بلومبيرغ".

ويُقدّر "غولدمان ساكس" انكشاف المقرضين المحليين على الدين الداخلي وسندات اليوروبوند بنحو 55 تريليون ليرة لبنانية، تعادل 36.5 مليار دولار. (الدولار = 1507.5 ليرات سعراً وسطياً)، أي ما يناهز ضعف القاعدة الرأسمالية للنظام المصرفي مجتمعاً.

تعليق: