الاحتلال يقطع المياه عن الفلسطينيين في رمضان

11 يونيو 2017
الصورة
تصاعد معاناة الفلسطينيين بسبب نقص مياه الشرب (فرانس برس)
يواجه الفلسطينيون، في الأسابيع الأخيرة، أزمة نقص شديد في كميات المياه المتاحة، أدت إلى انقطاع المياه عن المنازل في المدن والقرى، لفترات متفاوتة، مما أربك الحياة العامة خصوصا في شهر رمضان الفضيل.

وعادة، تشهد التجمعات الفلسطينية أزمات مياه في فصل الصيف، إلا أن الأزمة بدأت مبكرة نسبيا هذا العام، كما أنها تبدو أشد من المرات السابقة، وهو ما دفع بالجهاز المزود للمياه في الضفة الغربية إلى إطلاق وسم على مواقع التواصل الاجتماعي (#أزمةـالمياه ـتشتد) ودعت المواطنين إلى ترشيد الاستهلاك، في حين أطلق ناشطون في مجال حماية المستهلك هاشتاغ (#بدي-أشرب-مي).

وتعود الأزمة، إلى سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على 85٪ من مصادر المياه المتدفقة من خلال الأحواض الجوفية، وهو ما يضطر الفلسطينيين إلى شراء المياه من شركة المياه الإسرائيلية "مكاروت"، التي تتبع بدورها سياسة إعطاء الأولوية للمستوطنات الإسرائيلية.
وحسب جهاز الإحصاء الفلسطيني، تبلغ كميات المياه المتاحة في الضفة الغربية وقطاع غزة، 340 مليون متر مكعب، 70٪ من هذه الكمية مصدرها المياه الجوفية، و20٪ يتم شراؤها من شركة المياه الإسرائيلية "مكاروت"، والنسبة المتبقية يتم الحصول عليها من الينابيع السطحية.

علما بأن 95٪ من المياه الجوفية في قطاع غزة لا تنطبق عليها شروط منظمة الصحة العالمية لمياه الشرب بسبب ارتفاع نسب التلوث بالأملاح، في ظل الحصار، واستمرار الضخ فوق الطاقة الإنتاجية للآبار.

وقالت جمعية حماية المستهلك الفلسطينية، أخيراً، إنها "تلقت مئات الشكاوى حول انقطاع المياه عن المنازل في الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، بسبب عدم انتظام التزويد والانقطاع لفترات قد تصل إلى عدة أسابيع في بعض الأحياء السكنية، وعدة أيام في أحياء أخرى".

وأوضحت الجمعية في بيان صحافي، أن المستهلك الفلسطيني "وقع بين مطرقة جهات إدارة قطاع المياه الفلسطينية وسندان نهب الاحتلال للحقوق المائية الفلسطينية"، وقالت إن "دعوة الجمهور إلى ترشيد استهلاك المياه لا تبدو مجدية في ضوء النقص الحاد في الكميات التي تصل إلى المنازل".

ورأت الجمعية أن جوهر المشكلة يتمثل بـ "غياب خطط فلسطينية مسبقة لمواجهة أزمات المياه في الصيف".

وصدرت في الأيام الأخيرة دعوات في عدد من القرى، وعلى مواقع التواصل، للتظاهر احتجاجاً على أزمة نقص المياه، التي بدأت إرهاصاتها منذ الشتاء، إذ لم تتجاوز كميات الأمطار الهاطلة في المعدل 75 ٪ من المعدلات السنوية المعتادة في فلسطين.

وأقدمت سلطات الاحتلال، في الأيام الأخيرة على قطع المياه بشكل كلي عن 40 ألف نسمة يعيشون في قرى تقع إلى الجنوب الشرقي من محافظة نابلس شمال الضفة الغربية، بزعم أن فلسطينيين قاموا بـ "التعدي" على خط مياه يغذي إحدى المستوطنات القريبة.

ويقول الأهالي "إنهم يضطرون لشراء المياه في صهاريج تأتيهم من مناطق بعيدة، وبتكلفة تصل إلى 10 أضعاف مقارنة مع تكلفة المياه التي تصل من خلال الشبكة".

ويقول مدير مصلحة مياه القدس، (صاحبة الامتياز في محافظات وسط الضفة الغربية، وأكبر مزود للمياه في فلسطين) عبد الخالق الكرمي، إن "الأزمة ناتجة عن ثبات الكميات التي تحصل عليها المصلحة من المصادر المتعددة، منذ 12 عاما، رغم زيادة أعداد السكان بنسبة 3 ٪ سنويا".

وأوضح الكرمي في حديثه مع "العربي الجديد" أن شركة "مكاروت" الإسرائيلية "خفضت كميات المياه هذا العام بنسبة 10٪ نتيجة تعطل أحد الخطوط الناقلة في شهر سبتمبر/أيلول من العام الماضي، ومنذ ذلك الحين تمتنع الشركة عن إصلاحه وهو ما أربك خطة إدارة الأزمة التي كانت معدة سلفا في فصل الصيف".

وأوضح الكرمي أن نقص الكميات تسبب بتخفيض الضغط داخل الشبكات، وهو ما حال دون وصول المياه إلى المناطق المرتفعة، التي أصبحت تعاني بشدة بسبب نقص المياه.

وسبق أن أعلنت مصلحة مياه القدس، أن تعليق البرنامج المعد سلفا لتوزيع المياه على مناطق امتيازها، وبدء العمل بـ "برنامج طوارئ" يعتمد على كميات المياه المتاحة. ودعا مديرها جمهور المواطنين إلى التعاون وتجنب المس بالشبكات ونقاط التحكم من تلقاء أنفسهم، وإتاحة المجال للفنيين من أجل التحكم في توزيع الكميات المحدودة المتاحة.

ويعيش 93٪ من الفلسطينيين في منازل مربوطة بشبكات المياه، ويحرم الاحتلال الإسرائيلي عشرات القرى في الضفة الغربية من شبكات المياه، وفقا لمعطيات جهاز الإحصاء.

وتبلغ حصة الفرد الفلسطيني من المياه ما بين 30 - 60 لترا في اليوم بحسب المنطقة والفصل المناخي، بما يشمل كل القطاعات المنزلية، والزراعية والصناعية، في حين تبلغ حصة الفرد الإسرائيلي طوال العام 350 لترا في اليوم، ويرتفع الرقم في أوساط المستوطنين اليهود في الضفة الغربية وصولا إلى 900 لتر يومياً.

ويقول مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية (مجتمع مدني) إن "ما تشهده المناطق الفلسطينية من أزمة مياه خلال هذا الصيف تأتي في إطار سياسة عقاب الفلسطينيين، حيث تعيش العديد من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية أياماً طويلة بدون مياه للشرب، ما يشكل كارثة صحية وبيئية على هذه المناطق".

وأكد المرصد في بيان، وصل إلى "العربي الجديد"، عدم وجود خطة لدى الجهات الرسمية الفلسطينية والشركات المزودة للمستهلكين النهائيين، لتحسين مستوى العدالة في توزيع المياه بين التجمعات السكانية المختلفة، وأن هذا العام يعتبر الأسوأ على هذا الصعيد، حيث طاولت الأزمة عشرات آلاف البيوت في ظل غياب خطة طوارئ، فيما لم تعمل الشركة الإسرائيلية (مكاروت) على صيانة الخطوط المعطلة منذ العام الماضي.

ودعا المرصد إلى "التعامل بجدية مع تحذيرات الخبراء الفلسطينيين من أن إسرائيل كل عام تفتعل أزمة مائية في العديد من المدن، مثل: بيت لحم والخليل وسلفيت ومناطق محيطة بمدينة رام الله وأحياء القدس خارج الجدار، حتى تجبر الفلسطينيين مستقبلاً على شراء مياه محلاة بدلاً من المياه العذبة على أسس تجارية ومن شركات إسرائيلية خاصة".

وأضاف: بهدف ضمان نجاح هذا الاستثمار للشركات الإسرائيلية في قطاع تحلية المياه، يتم التعامل مع الفلسطينيين على أنهم المستهلك الأساسي لهذه المياه، وتفتعل سلطات الاحتلال أزمة مائية كل صيف، كما تضمن سلطات الاحتلال استمرار تغذية مستوطناتها بالمياه العذبة كواحدة من المخرجات السيئة لمشروع قناة البحرين، الذي أجبرت السلطة الفلسطينية على توقيعه قبل نحو عامين.