الاحتلال يغرق غزة بوعود "التسهيلات": خدعة للضغط على المقاومة

28 يونيو 2018
الصورة
نهج جديد لسلطات بالتعاطي مع غزة (سيد خطيب/فرانس برس)
يبدو أنّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي باتت تنتهج أسلوباً جديداً في التعاطي مع قطاع غزة ومأساته الإنسانية الكارثية التي وصلت إلى حدودها الأعلى، من خلال نشرها أخباراً عدة لافتة في الأيام الأخيرة، والتي توحي بأنها تريد منحهم تسهيلات حياتية وفرصة لحياة أفضل.

لكنّ الملاحظ أنّ معظم هذه الأخبار، على غير العادة، تخاطب جمهور الفلسطينيين في القطاع بشكل مباشر، في ملمح تحريضي على حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وكمحاولة للوصول إلى ضغط من الغزيين على الحركة التي تدير شؤون القطاع.

ومن هذه الأخبار، ما نشر عن موافقة حكومة الاحتلال على إنشاء محطة للطاقة الشمسية داخل الأراضي المحتلة شمالي حاجز بيت حانون/إيرز لصالح توفير إمدادات الكهرباء لقطاع غزة، بدعم إسرائيلي وأوروبي. وذكرت مصادر سياسية إسرائيلية أنّ هذه الخطوة "الإنسانية أحادية الجانب وليست جزءاً من اتفاقية مع حركة حماس". كذلك نُشر أكثر من خبر عن إقامة ميناء بحري في قبرص لنقل البضائع إلى القطاع المحاصر، وجرى التركيز على أنّ هذا الحل "الذي سيحل كثيراً من أزمات غزة" منوط بإعادة حركة "حماس" الجنود الإسرائيليين الذين تحتجزهم في القطاع.


ويُفهم من مجمل التسريبات الإسرائيلية الأخيرة محاولة التواصل مباشرة مع الفلسطينيين، لإظهار إسرائيل أولاً وكأنها ليست جزءاً من هذه المأساة التي يعيشها مليونا فلسطيني في القطاع المحاصر، وللتحريض على حركة "حماس" التي لوحظ تحميلها الجزء الأكبر من المسؤولية عن الأوضاع الكارثية في غزة.

في الأثناء، يقول القيادي في حركة "حماس"، عضو كتلتها البرلمانية في المجلس التشريعي، يحيى موسى، في حديث مع "العربي الجديد" إنّ ما يجرى طرحه حالياً من قبل إسرائيل مجرد حديث خادع من قبلها، كونها المتسبب الرئيسي للمشكلة الإنسانية القائمة في القطاع المحاصر منذ أكثر من اثني عشر عاماً.

ويضيف موسى أنّ الاحتلال يحاول أن يصدر للعالم أنه يهتم بمصالح الشعب الفلسطيني، إلا أن ذلك غير صحيح، وعليه أن يرفع يده عن قطاع غزة، ويسمح لها بالحياة الكريمة فالمشكلة بالأساس هي مشكلة سياسية وطريق الحل معروفة.

ويشير موسى إلى أنه يوجد "أطراف مشاركة في صناعة المأساة بغزة، وعلى رأسها الاحتلال وله أدوات منها السلطة الفلسطينية". كما أنه "يستخدم الولايات المتحدة وبعض دول الإقليم في تصاعد الأزمات الإنسانية التي يعاني منها أكثر من مليوني فلسطيني بغزة".

ويشدد موسى على أنه في السنوات الماضية كثر الحديث عن مشاريع خاصة بإغاثة القطاع ولم يتم تنفيذ أي منها، وهو ما يثبت كذب الأطراف مجتمعة، خصوصاً أن لهم أهدافا سياسية واضحة تتمثل في تصفية القضية الفلسطينية وهو ما يتطلب التصدي لها عبر استمرار مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار.

ويعتبر موسى أن ترويج الاحتلال لفكرة المشاريع الإنسانية "محاولة رخيصة" منه للحديث على أن حركة "حماس" هي التي ترفض وأنها هي السبب في عدم تنفيذها، فالاحتلال يحاول أن يزيح مشكلة غزة تارة بإلصاقها بمصر وتارة أخرى بـ"حماس" وبالسلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس.

من جهته يرى المحلل السياسي، تيسير محيسن، أنّ فرص نجاح المشاريع الإسرائيلية في القطاع ضعيفة وغير قائمة، لا سيما أن الاحتلال يريد خلق بيئة معينة خاصة به على الجانب الآخر، والثمن المطروح من قبله ليس من السهل التعاطي معه والقبول به من قبل المقاومة الفلسطينية.

ويعتبر محيسن، في حديث مع "العربي الجديد"، أن طرح هذه العروض في هذا التوقيت يأتي تزامناً مع التداول العالمي للقضية الفلسطينية الذي عنوانه اليوم "صفقة القرن". وبالنسبة إلى محيسن تتخذ صفقة القرن من البعد الإنساني مدخلاً في استهداف الملف الفلسطيني، لا سيما أن الاحتلال يساهم بشكل واضح في ذلك.

وعدم قابلية العروض للتنفيذ يعود إلى قدرة الاحتلال الإسرائيلي على إبطال المشاريع التي يجري الحديث عنها بأي لحظة، وفق محيسن، الذي يوضح أنّه عند الحديث عن تدشين خط بحري مع قبرص يستطيع الاحتلال إيقافه، وفكرة إنشاء محطة طاقة شمسية قرب حاجز بيت حانون/ إيرز كذلك يستطيع الاحتلال التحكم بها، وبالتالي فإنه لا يوجد ضمانات لمثل هذه المشاريع.

ويرجع الكاتب أسباب طرح الاحتلال لمثل هذه المشاريع وإثارتها بشكل كبير في الفترة الأخيرة إلى الرغبة في تقديم صورة مغايرة للمجتمع الدولي، الذي انتقده بشدة في أعقاب التعامل العنيف مع التظاهرات السلمية التي انطلقت مع مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار في 30 مارس/آذار المنصرم.

وبحسب محيسن، يسعى الاحتلال، من خلال ما يطرحه حالياً من عروض، إلى إيصال رسالة للعالم بأنه معني بالوضع الإنساني في غزة وأن الفلسطينيين هم الذين يتمنعون. كما أنه يسعى إلى رد الكرة إلى الملعب الفلسطيني ويحاول إرباك الساحة الداخلية للمقاومة الفلسطينية.

ولا يخفي محيسن أن الواقع الحياتي السيئ في غزة يجعل مهمة الفصائل وحركة "حماس" ليست سهلة في رفض أي مشروع لا سيما المشاريع الإغاثية، إلا أن عدم ارتباطها بأي ثمن سياسي تدفعه هذه القوى والفصائل يجعل فكرة قبولها أمراً عادياً.