الاتفاقية الأمنية الأفغانية: أميركا باقية بقواتها وقواعدها وسجونها

الاتفاقية الأمنية الأفغانية: أميركا باقية بقواتها وقواعدها وسجونها

29 سبتمبر 2014
الصورة
يشترط الجانب الأفغاني إنجاح المصالحة الوطنيّة الأفغانيّة (الأناضول)
+ الخط -
تُعد الاتفاقية الأمنيّة بين أفغانستان والولايات المتحدة، من أهمّ الملفات والتحدّيات التي تواجهها الحكومة الأفغانية العتيدة والرئيس الجديد أشرف غني أحمدزاي، في ظلّ مطالبته من الرئيس الأفغاني المنتهية ولايته حامد كرزاي بأخذ الحيطة والحذر في التعامل مع الولايات المتحدة، معتبرا إياها "العائق الأساسي في سبيل إحلال الأمن في أفغانستان".

في المقابل، تُصرّ واشنطن على توقيع الاتفاقية، غداً الثلاثاء، التي يبقى بموجبها جزء من القوات الأميركية في أفغانستان، بعد الانسحاب الدولي نهاية عام 2014.

وعلى الرغم من رفض كرزاي التوقيع على الاتفاقية الأمنيّة مع واشنطن، ووضعه شروطاً لها للحفاظ على المصالح الأفغانية، على حدّ تعبيره، لا يبدو أن أحمدزاي سيحذو حذو سلفه، ويناقش واشنطن بالشروط التي وضعتها أفغانستان للتوقيع على الاتفاقيّة الأمنيّة، لا سيّما وأنّ أفغانستان تواجه حالياً أوضاعاً اقتصاديّة وأمنيّة سيئة للغاية، نتيجة أزمة الرئاسيات التي دامت أشهراً عدّة، قبل أن تنجم عنها حكومة وحدة وطنية (حكومة ائتلافية هشّة)، يرأسها أشرف غني أحمدزاي، ويشغل فيها عبد الله عبد الله المنصب التنفيذي، الموازي لمهمّة رئيس الوزراء.

وفي حين ينتظر الرئيس الأفغاني الجديد أداء اليمين الدستوريّة، من دون أن يبدي أيّ موقف منذ إعلان فوزه بشأن الاتفاقيّة الأمنيّة، يبدو الجانب الأميركي متفائلاً "لإنهاء المهمة" والتوقيع على الاتفاقية، غداً الثلاثاء. ونقلت وسائل إعلام أفغانية، عن مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية لم تسمّه، قوله إنّ الجانب الأفغاني مستعد للتوقيع على الاتفاقية الأمنيّة، وأن الحكومة الأفغانية الجديدة لن ترغب بمناقشة محتويات الاتفاقية مع واشنطن، أو الشروط التي وضعتها حكومة كرزاي.

خلفية الاتفاقية

في مايو/أيار 2012، وقّع الرئيسان الأفغاني حامد كرزاي والأميركي باراك أوباما، اتفاقية شراكة استراتيجية بين الدولتين، خلال زيارة الأخير إلى كابول، بهدف تعزيز التعاون الاستراتيجي بين الدولتين، لكن ما جرى تأجيله في تلك الاتفاقية، هو إقامة قواعد أميركية في أفغانستان وإبقاء جزء من قواتها بعد الانسحاب الدولي نهاية عام 2014.

وتعهّد الطرفان، بموجب الاتفاقية، بالتعاون الثنائي لمواجهة الإرهاب، وإحلال السلام والمصالحة في أفغانستان، مع التزام الجانب الأميركي بسيادة أفغانستان، وعدم استخدام أراضيها ضدّ أي دولة مجاورة. كما اتفقا على مواصلة المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاقية أمنية شاملة، يبقى بموجبها جزءاً من القوات الأميركية في أفغانستان، بعد الانسحاب الدولي نهاية العام الحالي، على أن تقام قواعد عسكرية أميركية لا أطلسية، حليفة لأفغانستان.

ويلتزم الجانب الأفغاني بموجب الاتفاقية الأمنية، بأن يتيح للقوات الأميركية حرّية الوصول إلى تسهيلات أفغانية واستخدامها بعد عام 2014، بهدف محاربة "طالبان" و"القاعدة"، على أن تواصل القوات الأميركية تدريب الجيش والشرطة الأفغانية بعد الانسحاب الدولي.

ومنذ ذلك الحين، أي بعد توقيع الرئيسين الأفغاني والأميركي على اتفاقيّة الشراكة الاستراتيجية في مايو 2012، استمرت المفاوضات بين الطرفين حول الاتفاقية الأمنية الشاملة، ثمّ تعثّرت بسبب إصرار الحكومة الأفغانية على مطالبها، وعدم التنازل عن شروطها الأساسية، ومن أبرزها، تقديم الجانب الأميركي ضمانات لوقف العمليات العسكريّة والمداهمات الليليّة التي تفضي إلى قتل المدنيين الأبرياء.

وأثبتت تقارير حقوقيّة سقوط عدد كبير من الأفغان، من جراء عمليات القوات الدولية والأميركية. وأصرّت الحكومة الأفغانية على هذه النقطة، لأنّ اتفاقية الشراكة الاستراتيجية، تمنح الحصانة القضائية للقوات الأميركية، وبالتالي لا يمكن مقاضاة الجنود الأميركيين في أفغانستان، كما فشلت القوات الأميركية في مقاضاة جنودها، وفق تقرير منظمة العفو الدولية. ومن هنا، باتت مطالبة الأميركيين، بضمانات لعدم تعرّض المدنيين لأعمال قتل، ضروريّة.

من جهة ثانية، يشترط الجانب الأفغاني إنجاح المصالحة الوطنيّة الأفغانية، وكان كرزاي، صرّح أكثر من مرّة، أنّ مقاليد المصالحة الوطنية الأفغانية تكمن بيد الولايات المتحدة، واتهم، في تصريحاته الوداعيّة الأخيرة، الولايات المتحدة بأنّها تحول من دون إحلال السلام والأمن في أفغانستان. وكان التعاون الأميركي لإنجاح المصالحة الوطنية، من ضمن شروط الجانب الأفغاني.

ويضاف إلى الشروط السابقة، احترام سيادة أفغانستان والقضاء على السجون السرّية، إذ كشفت لجنة من وزارة الدفاع الأفغانية، بعد تحقيق أجرته في شهر مايو/أيار الماضي، وجود ستة سجون سرية للقوات الأميركية والبريطانية في إقليمي هلمند وقندهار، جنوبي البلاد، حيث توقف مواطنين أفغان لفترات طويلة بدون توجيه التهم إليهم. ومن هنا، تمسّك كرزاي بمطلب احترام سيادة البلاد والقضاء على تلك السجون كشروط لتوقيع الاتفاقية الأمنية.

ولم تحل الضغوط التي مارستها واشنطن، في اقناع كرزاي بالتوقيع، في ظل تمسّكه بموقفه، على الرغم من تهديد الولايات المتحدة وحلفائها بالانسحاب الكامل من أفغانستان نهاية العام الحالي.

في المقابل، يبدو أنّ واشنطن نجحت بإقناع أحمدزاي وعبد الله في التوقيع على الاتفاقية، قبل خوضهما الانتخابات الرئاسية. ويعتقد مراقبون أنّ واشنطن لن تواجه أي عقبة في هذا السياق، لا سيّما وأنّ الحكومة الأفغانية الجديدة عبارة عن حكومة وحدة وطنية (حكومة ائتلافية). ويرى معظم الأفغان أنّ من أهم أهدافها اتاحة الفرصة لحكومة وحدة وطنية، والحفاظ على مصالح أميركية في المنطقة، ومنها التوقيع على الاتفاقية الأمنيّة.

تتمسّك واشنطن بضرورة توقيع الاتفاقية نظراً لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة عموماً، وفي أفغانستان خصوصاً، بعد أن تكبّدت نفقات ضخمة وخسائر في الأرواح والعتاد. وتفيد إحصائية أجرتها وسائل إعلام أفغانية، بأنّ 3474 عنصراً من جنود القوات الدولية، قتلوا في أفغانستان، منذ بدء الغزو الأميركي عام 2001، بينهم 2347 أميركياً. من هنا، يبدو الانسحاب الأميركي الكامل من أفغانستان، بمثابة هدر لكل ما تحمّلته واشنطن في هذا الصدد، وهو ما لن تقبله بأي حال من الأحوال.

في موازاة ذلك، ينقسم الشعب الأفغاني حيال الاتفاقية الأمنية؛ ففي حين تؤيدها شريحة من الأفغان، يراها آخرون سبباً رئيساً لاستمرار دوامة الحرب في بلادهم. ينطلق مؤيدو الاتفاقية من أنّ الوضع الاقتصادي الهشّ في أفغانستان، لا يسمح بالانسحاب الدولي بشكل كامل، لأنّ توقّف الدعم الأميركي والدولي قد يتسبب في انهيار مؤسّسات الحكومة المنهارة اصلاً. ويخشى هؤلاء من تدخّل دول الجوار في أفغانستان، عند انسحاب القوات الدولية بشكل كامل، ما قد يرمي البلاد في أتون حرب أهلية، كما حدث في تسعينيات القرن الماضي.

من جهتهم، يحمّل معارضو الاتفاقية، الوجود الأميركي مسؤوليّة استمرار الحرب، باعتباره يشكّل حافزاً للشباب على الانضمام إلى الجماعات المسلّحة بذريعة قتال الأميركيين، كما سيجعل أفغانستان ميداناً للصراعات الإقليمية والدولية.

وفي سياق متّصل، تزعم الدول المجاورة لأفغانستان، لا سيّما إيران وروسيا، أنّ الوجود الأميركي في أفغانستان بمثابة تهديد مباشر لأمن المنطقة برمّتها، وتعتبر أنّ الاتفاقيّة الأمنية ستكون لها تداعيات عكسيّة على المنطقة عموماً، وعلى أفغانستان، خصوصاً.

وعلى الرغم من تحفظات الأفغان ودول المنطقة، لكنّ الولايات المتحدة تبدو مصرّة على توقيع الاتفاقية الأمنيّة مع أفغانستان. وانطلاقاً من موقف الحكومة الأفغانية العتيدة والوضع الاقتصادي والأمني في البلاد، يبدو أن التوقيع على الاتفاقية سيحصل بالفعل غداً.

المساهمون