الإعلام الذي نريد

07 سبتمبر 2019
ليس لأي منا أن ينكر الأهمية البالغة والمكانة الكبيرة التي يحتلها الإعلام في المجتمعات المعاصرة، بعدما أصبح النشاط الاتصالي والإعلامي جزءاً رئيسياً من الحياة اليومية للأفراد والجماعات المختلفة، وشريان الحياة في المجتمعات البشرية، المتقدمة منها أو النامية، فلم يعد الإنسان يستطيع الحياة من دون الاتصال مع غيره من الناس، ومن دون مواكبة ما يدور حوله من أحداث، سواء محلية أو عالمية. 
وفي غياب النشاط الاتصالي والإعلامي بين الأفراد والجماعات الإنسانية، تُصاب العلاقات بالشلل والجمود، لأن الإنسان يمارس الاتصال في حياته اليومية، منذ أن يستيقظ من نومه في الصباح وحتى يأوي إلى فراشه في المساء، ولو لم يسع الإنسان إلى وسائل الإعلام، فإن هذه الوسائل سوف تسعى إليه، لتقدم له ما يدور حوله من أحداث، وبالتالي يصبح المرء أسيراً لهذه الوسائل، وتحاصره في كل وقت، وفي كل زمان، فلا يستطيع الفكاك منها أو الحياة بدونها، أي أن المرء أصبح يعيش ثورة إعلامية تحاصره من مختلف الجهات، وبمختلف اللغات، في الليل والنهار.
تتضاعف مكانة النشاط الاتصالي والإعلامي، وتتزايد قيمة الوسائل الإعلاميّة، لأنّها تُعَد مصدراً لتلقِّي المعلومة والخبر، فالمهتم بالشؤون السياسية يعتمد على متابعة الإعلام، وكذلك المهتمون بالرياضة، والاقتصاد، والصحّة، والموضة، والثقافة، والفنّ، والتقنية، ومجالات كثيرة تأخذ معلوماتها، وآخر أخبارها من الإعلام، وخصوصا الإعلام الجديد، علماً أن دورها المُهمّ لا يتوقَّف عند نَقل الأخبار، بل يتعدّاه لتصبح أيضاً أداة ناقلة صوت الشعوب، ومنصة لمساءلة صنّاع السياسات في دوائر صنع القرار عن أولوياتهم، وقد لعبت دوراً في حياة المجتمعات الإنسانية، وبخاصة أنّ للإعلام المرئي دورا كبيرا في العالم اليوم، إلّا أن ذلك يتطلَّب شفافية عالية من وسائل الإعلام، واهتماما بقضايا المجتمع والإنسان، وهذا يُحمِلها أمانة ومسؤولية مضاعَفة على صعيد مصداقيّتها.
كشف علماء الاجتماع والنفس أن الإعلام، بوسائله المتعددة، هو أكثر وسائل التأثير في عقول الناس وأفكارهم، وبذلك فإنه الوسيلة الأولى التي تشكل اتجاهات الناس نحو المواضيع والمواقف الحياتية اليومية التي تعيشها وتواجهها المجتمعات المحلية والعالمية، فعندما نتكلم عن التأثير النفسي لوسائل الإعلام على أفراد المجتمع، نجد أمامنا أولاً القنوات الإخبارية، هذه القنوات تعتمد على الإثارة والتشويق في طرح المادة وأحيانا المبالغة في الطرح، فقط لهدف جذب المشاهدين، فهي تقدم برامج سياسية وبرامج عن الكوارث الطبيعية وعن الحروب والقتل والإرهاب والدمار، فهذا كله يؤثر في نفسية المشاهد، خصوصا إذا كان من متابعي هذه البرامج والقنوات الإخبارية، وقد أثبتت البحوث والدراسات العلمية المختلفة أن هذه الوسائل أصبحت من أقوى أسلحة العصر، وتتفوق على كل روافد الفكر ومصادر المعرفة، وتلعب دوراً كبيراً في إحداث تغييرات جوهرية على حاضرنا ومستقبلنا، إن قبلنا ذلك أو لم نقبل.
يشهد عصرنا الحالي كميات مرعبة من الفبركات الإعلامية، والمعلومات المضللة، والأخبار الكاذبة، والبيانات المزيفة، والصور المركبة، وحملات دعائية تضخم غير المفيد وتسطح المفيد، حملات عدائية تشوه سمعة وصورة طرف معين وتنال من سمعته وأخلاقه وذمته، فيديوهات يتم تصويرها في استديوهات وأماكن متخصصة، تبث للمتلقي على أنها في ميدان معركة أو مظاهرة أو حدث ما في مكان ما، كل هذا تطالعنا به وسائل الإعلام المتعددة من مطبوعات وإذاعات وفضائيات ومنصات تواصل اجتماعي وعبر مواقع الإنترنت.
ولا مبالغة في القول إذا ذكرنا أن اختيار العناصر والوسائل الإعلامية لا يتم دائماً على أسس موضوعية أو مقاييس علمية، ولكن لاعتبارات شخصية تحتل المقام الأول في هذا الاختيار، فالإعلام الذي نريده، يجب أن يكون منبراً للرسائل العادلة التي تعود بالنفع على المجتمع، وألا يكون أداة لحروب إعلامية ناعمة تراق بها دماء، ويجري غسل العقول من خلالها، بأدوات تبسط أذرعها وأدواتها بطرق مختلفة ومتعددة، تربك العقل والمشهد، وتزيف الواقع، وتحدث نوعاً من الفوضى الاجتماعية والسياسية والأمنية، وتحرّض بشكل غير مباشر على الكراهية، والعنصرية، ونَشر الأكاذيب، والتضليل الإعلامي.
DBD8073A-52CC-4970-9B67-53F256C466A7
ضاهر صالح (فلسطين)