الإصرار التركي يهدد خطط مصر وإسرائيل وقبرص لاستثمار لاستثمار غاز شرق المتوسط

17 يونيو 2019
الصورة
اشتعال حرب الغاز في شرق البحر المتوسط (فرانس برس)

شهدت الساعات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط مستجدَين مهمين يتعلقان بملف الحرب الاقتصادية على حقول الغاز في منطقة شرق المتوسط، أولهما تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده ستستأنف التنقيب عن الغاز في المنطقة التي تعتبرها قبرص جزءاً من منطقتها الاقتصادية وداخل حدودها البحرية، وتلويحه باستخدام القوة في مواجهة قبرص وحلفائها بقوله: "التنقيب سيستمر بحماية الجيش".

أما المستجد الثاني فهو إعلان توصل مصر وإسرائيل إلى اتفاق على تسوية النزاع بين هيئتي البترول المصرية وكهرباء إسرائيل الممتد على خلفية وقف تصدير الغاز المصري لإسرائيل بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، بحيث تدفع مصر 500 مليون دولار على 8 سنوات بدلاً من 1.7 مليار دولار قيمة حكم التحكيم الذي صدر لصالح إسرائيل سابقاً.

ومن شأن إعلان أردوغان استمرار التنقيب بواسطة شركة "توركيش بتروليم" الحكومية التي تملك امتياز تلك المنطقة من وجهة النظر التركية منذ 10 سنوات، رفع درجة التوتر بينها وبين الدول التي كونت، مطلع العام الجاري، ما يسمى بـ"منتدى غاز شرق المتوسط" وهي مصر وإسرائيل وقبرص واليونان، عن محاولة لفرض أمر واقع غير متوافق عليه يمثل قفزة على الصراع السياسي الحدودي المستمر بين تركيا واليونان من ناحية وتركيا وقبرص من ناحية أخرى، على ترسيم الحدود منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

ولن تغضب تركيا بهذه التحركات تلك الدول فقط، بل أيضاً تثير سخط أطراف دولية اقتصادية كبرى، بسبب منح امتياز التنقيب في المناطق التابعة لقبرص واليونان وإسرائيل ومصر لشركات إيطالية وفرنسية وبريطانية وأميركية، تراهن على تحقيق إنجازات مالية استثنائية من الاكتشافات الكبرى المتوقعة في هذه المنطقة الغنية بالغاز الطبيعي تحديدا.
وقالت مصادر دبلوماسية مصرية، لـ "العربي الجديد"، إن تركيا لا تستهدف فقط مباشرة التنقيب عن الغاز، بل أيضاً تخشى إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية بين أعضاء المنتدى والشركات الأميركية والأوروبية الكبرى، بما يؤثر بالسلب على الاقتصاد التركي، وبالتالي فإن المعركة المستمرة ستضر جميع الأطراف وليس المنتدى أو تركيا فقط.

وأضافت المصادر أن إصرار تركيا على رفع مستوى المواجهة قد يتسبب في عرقلة خطط دول منتدى شرق المتوسط الطموحة لتوسيع شبكة الأنابيب المقامة بين مصر وإسرائيل والمملوكة حاليا لشركة جديدة أسست خصيصا لامتلاك شبكة الأنابيب، بين شركتي "نوبل إنرجي الأميركية، وديليك الإسرائيلية" وشركة "غاز الشرق" المملوكة حالياً للدولة ممثلة في جهاز المخابرات العامة وهيئة البترول، بحيث يتم توسيع الشبكة لتشمل قبرص، بهدف الاستفادة من مصنعي إسالة الغاز في مصر واللذين ستستفيد منهما إسرائيل أيضا، وهذه الخطط الطموحة يراهن عليها نظام عبد الفتاح السيسي في مصر لتعويض الخسائر المالية المتوالية التي يتكبدها الاقتصاد المصري من جراء تعاظم فوائد القروض وبيع الديون.

وارتباطاً بهذه المسألة، تأتي التسوية المصرية الإسرائيلية لقضية توقف تصدير الغاز وتخريب خط الإمداد في سيناء، لتسقط عقبة أخرى على طريق تسريع تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر، والذي كان من المتوقع أن يبدأ في يونيو/حزيران الجاري، ثم تحدثت التقارير الفنية الإسرائيلية عن تأجيل التصدير إلى نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

وبحسب المصادر المصرية، فإن هذه التسوية التي تتضمن دفع حوالي 30% من قيمة مبلغ التحكيم المقضي به تعتبر "صفقة ضرورية للحكومة المصرية، بالنظر إلى الخسائر الفادحة التي كان من الممكن تكبّدها حال عدم الدخول في مسار التصالح والتسوية، خاصة أن شركة كهرباء إسرائيل من أكبر المتعاونين مع شركات البترول الأميركية الكبرى التي تستهدف مصر التعاقد معها في السنوات القادمة".

وذكرت المصادر أن العرض المصري للتسوية كان في البداية دفع 300 مليون دولار ورفضته إسرائيل، ثم عرضت دفع 470 مليون دولار على 15 سنة بضمان مصرف دولي. 

وبالتفاوض، تم الوصول إلى دفع 500 مليون على 8 سنوات، مع التأكيد على ما كانت "العربي الجديد" قد نشرته في ديسمبر/كانون الأول الماضي عن تنازل شركة "نوبل الأميركية" عن دعاوى التحكيم التي رفعتها الشركة في الفترة من 2011 إلى 2013 ضد مصر في مراكز تحكيم إقليمية ودولية، بسبب الخسائر التي تكبدتها على خلفية وقف تصدير الغاز المصري لإسرائيل، والتي كانت تبلغ قيمتها أكثر من 8 مليارات دولار، وهي القيمة التي كانت مصر تتفاوض سابقاً لخفضها إلى نحو ملياري دولار فقط.

وكانت مصادر حكومية قد كشفت لـ "العربي الجديد" نهاية العام الماضي، عن إتمام القاهرة التصالح مع رجل الأعمال التركي الألباني علي إفسين، صديق رجل الأعمال المصري حسين سالم وشريكه في تأسيس شركة غاز شرق البحر المتوسط المالكة لشبكة الأنابيب الواصلة بين عسقلان والعريش، والتي كانت تستخدم في تصدير الغاز المصري لإسرائيل حتى عام 2011، وذلك في إطار التمهيد لتطبيق اتفاق تصدير الغاز الإسرائيلي لمصر أيضاً.

وكان إفسين يملك نحو ثلث أسهم الشركة قبل أن يبيع نصف أسهمه تقريباً للشركة الجديدة التي تأسست خصيصا لامتلاك شبكة الأنابيب، بين شركتي "نوبل إينرجي الأميركية، وديليك الإسرائيلية" وشركة "غاز الشرق البترولية " المصرية المملوكة حالياً للدولة ممثلة في جهاز المخابرات العامة والهيئة المصرية العامة للبترول.

ومن المقرر أن يتم تصدير الغاز الإسرائيلي من حقل ليفياثان إلى مصر عبر شركة "دولفينوس" المملوكة لمستثمرين مصريين، والمتفقة بدورها مع شركة "غاز الشرق "، لتوجه الغاز المستورد إلى مصنع الإسالة الموجود بميناء دمياط والمملوك لتحالف بين شركتي "يونيون فينوسا الإسبانية وإيني الإيطالية" فضلاً عن توجيه كميات أخرى لأماكن أخرى داخل الجمهورية.

وكانت حكومة الاحتلال الإسرائيلي، قد أعلنت اكتشاف حقل ليفياثان بعد ترسيم حدود مصر البحرية مع قبرص، رغم ابتعاده مسافة 235 كيلومتراً من آخر نقطة ساحلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي حيفا، وابتعاده 190 كيلومتراً فقط عن ساحل دمياط المصرية، بحسب دراسات أجراها الباحثان المصريان خالد عودة ونائل الشافعي، اعتبرت أن النقاط الحدودية للدول الثلاث "تتراكب بما لا يعطي حق ملكية عدد من الحقول منها ليفياثان لأي طرف".

وكانت هذه الدراسات محلاً لدعوى قضائية أقامها الدبلوماسي المصري الراحل إبراهيم يسري أمام محكمة القضاء الإداري لكنها لم تسفر عن تغيير الموقف.

دلالات