الأوضاع الاقتصادية المتدهورة تدفع لتعاظم الاحتجاجات بالسودان

20 ديسمبر 2018
الصورة
تصاعد وتيرة الاحتجاجات في السودان (Getty)
بدأت التحركات المعيشية تتسع في الشارع السوداني، بعدما شهدت الأسواق ارتفاعاً صاروخياً في أسعار السلع، وصلت إلى رغيف الخبز، وسط ندرة توافر الدقيق ما أدى إلى انتشار طوابير المواطنين أمام المخابز، إضافة إلى تراجع توافر المحروقات، وشح في السيولة النقدية. 

ووصلت الديون الخارجية للبلاد إلى نحو 65 مليار دولار، وقال رئيس الوزراء وزير المالية في السودان معتز موسى، أمس الأربعاء، إن أزمة السيولة وفشل عملاء البنوك والموظفين في الحصول على ودائعهم ومرتباتهم، من المشاكل الحقيقية، وإنها غير معهودة في اقتصاد الدول.

إلا أن الأمر لا يتوقف عند الرواتب. فمنذ بداية العام الحالي، شهدت الأسواق السودانية ارتفاعاً كبيراً في أسعار معظم السلع وخاصة الضروري منها، مثل اللحوم والخبز والخضروات والسكر والألبان والدواء.

وكان السودان قد خفض عملته بقوة في أكتوبر/ تشرين الأول من 29 جنيها للدولار إلى 47.5 جنيها، بعد أن حددت هيئة من البنوك ومؤسسات الصرافة سعر الصرف. وأدت هذه الخطوة إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار وأزمة في السيولة، بينما استمرت الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق السوداء في الاتساع.

وتدنت قيمة الجنيه السوداني لأدنى مستوى له مقابل الدولار، إذ وصل لحدود السبعين جنيهاً قبل أن يتراجع مرة أخرى إلى حدود 60 جنيهاً.

وواصلت أسعار المستهلك (التضخم) في السودان انفلاتها، بعدما لامست الـ70% على أساس سنوي خلال نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، في ظل استمرار موجة الغلاء بفعل الصعود الكبير لسعر صرف الدولار وعدم قدرة الحكومة على إنهاء المضاربات.

وقال الجهاز المركزي للإحصاء، في بيان له منذ أيام، إن معدلات التضخم بلغت 68.93% الشهر الماضي، مقابل 68.44% على أساس سنوي في أكتوبر/ تشرين الأول، مشيرا إلى أن أكثر السلع التي أثرت على التضخم كانت اللحوم والبصل والزيوت والألبان.

وصولاً إلى الخبز، حيث لا تزال ندرة دقيق الخبز تراوح مكانها في الخرطوم، بسبب السياسة غير المعلنة التي تنتهجها المطاحن الرئيسة العاملة بالبلاد، بلجوئها إلى تقليص إنتاجها إلى حين تعديل الحكومة لسعر الصرف الخاص بتوفير القمح، أو زيادة الدعم، الأمر الذي أثّر سلباً على إمداد المخابز بالدقيق، التي تبلغ في ولاية الخرطوم وحدها نحو 3,438 فرناً. 

واقع أعاد ظاهرة اصطفاف المواطنين أمام المخابز بكافة أنحاء الخرطوم وشوارعها وأحيائها. ويبلغ حجم استهلاك دقيق الخبز اليومي في الخرطوم وفقاً للإحصائيات الرسمية ما بين 45 إلى 50 ألف شوال (زنة 50 كيلوغراماً)، ما يعادل نصف استهلاك ولايات السودان كافة والبالغ 102 ألف شوال يومياً. كما ارتفع سعر الخبز في عدد الولايات، ما أجج الاحتجاجات والاعتراض من قبل المواطنين.

كذا، يعاني السودانيون من أزمة دواء. وتشهد الخرطوم شحاً حاداً في الأدوية، خاصة تلك المنقذة للحياة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار مختلف الأصناف الدوائية بنسب تصل إلى 300 في المائة. 

وشرح الخبير الاقتصادي الدكتور عادل عبد المنعم في حديث سابق مع "العربي الجديد"، أن الدواء سلعة حساسة جداً، ومعظم الشعب السوداني فقير ودخله محدود، وإخضاع الدواء لآلية السوق سيجعله سلعة نادرة ولا تكون في متناول الجميع، ليصبح محصوراً في الأثرياء والمترفين. وشدد على أهمية أن يكون صرف العملة بالسعر الرسمي ويخفض لشركات استيراد الأدوية. 

كل هذه العوامل أدت إلى ارتفاع معدلات الفقر بين السودانيين إلى نسب قياسية.

ويقول الخبير الاقتصادي عبد الله الرمادي لـ "العربي الجديد" إن تصنيف الفقر يحتاج إلى مهنية تعكس واقع الحال بتقديرات لا تراعى المسح الحقيقي فقط، بل لا بد من ملاحظات تقديرية أيضا للأشخاص دون خط الفقر، وهم يشكلون نسبة تتعدى الـ70%، بسبب ارتفاع معدلات التضخم، في الوقت الذي ظلت فيه الدخول ثابتة تتحرك ببطء شديد، ولا تجاري مستويات التضخم الكبيرة. أما نسبة البطالة فوصلت وفق الإحصاءات الرسمية إلى 29 في المائة، مع تشكيك خبراء الاقتصاد بهذا الرقم. 

وأعلنت السلطات السودانية حالة الطوارئ اليوم الخميس بمدينة عطبرة بعدما احتج مئات الأشخاص على ارتفاع الأسعار، وأضرموا النار في مقر الحزب الحاكم بالمدينة أمس الأربعاء (19 ديسمبر/كانون الأول).

ونُظمت مسيرات صغيرة في مدن أخرى، لكن عدد المتظاهرين كان أكبر في عطبرة التي تعد تاريخيا مركزا للاحتجاجات المناهضة للحكومة. وقال مسؤولون إن الاحتجاجات اندلعت بسبب زيادة سعر الخبز إلى ثلاثة جنيهات من جنيه واحد لنقص دقيق الخبز المدعوم في الولاية.

وكانت مسودة ميزانية وافق عليها مجلس الوزراء الثلاثاء أظهرت أن السودان يتوقع نموا اقتصاديا أقوى وزيادة كبيرة في الصادرات، وانخفاضا في عجز الموازنة العام المقبل.

وقال رئيس الوزراء معتز موسى إن ميزانية 2019 "مبنية علي موارد حقيقية وصرف متزن وتقشف في الإنفاق"، مضيفا أن أولويات الميزانية "تتمثل في زيادة إنتاج النفط والقمح والسكر والحكومة الإلكترونية والتحول الرقمي".

وقال مجلس الوزراء في بيان إن الميزانية تتوقع نموا اقتصاديا عند 5.1 بالمئة في 2019، ارتفاعا من أربعة بالمئة في توقعات هذا العام، وزيادة الصادرات 30 بالمئة. غير أنه لم يتطرق إلى الكيفية التي ستتحقق بها هذه الأهداف.

وفي بيان منفصل، بدا الرئيس السوداني عمر البشير يلمح إلى إنهاء دعم الوقود، حيث قال إنه لا يمكن أن يكون هناك "إصلاح اقتصادي حقيقي" دون رفع الدعم. وأضاف البشير أن السودان "ظل متماسكاً ومحافظاً على استقرارة ويتمتع باقتصاد راكز".

وتضرر السودان بشدة حينما انفصل الجنوب في عام 2011، وهو ما أدى إلى فقدانه ثلاثة أرباع إنتاجه النفطي، المصدر المهم للنقد الأجنبي.