حَراك الشارع يقضّ مضاجع حكومات عربية...غضب من الإفقار والتجويع

02 يناير 2019
الصورة
احتجاج السترات الصفراء في وسط بيروت التجاري (فرانس برس)
+ الخط -
 

2018 كان عاماً آخر من الأعوام التي غصّت خلالها شوارع مدن عربية عديدة، بالمواطنين الرافضين لسياسات الضرائب والتقشف التي أرهقت الحكومات بديون هائلة والأسر بشظف العيش وأدخلت أفواجاً من الشباب في دوائر البطالة والعوَز.

تونس والأردن ولبنان والسودان كانت من بين الدول التي شهدت حركات اعتراضية في الشارع على الخطط والبرامج الحكومية، لا سيما تلك التي تفرض عليهم أجندات خارجية لقاء قروض تفاقم الأعباء ولا تعالج الأزمات في عمقها وحقيقتها.

الاحتجاجات التي انطلقت في تونس في ديسمبر/ كانون الأول 2010، لا تزال تردداتها تنبعث من وقت لآخر حتى بعد 8 سنوات من الثورة، لأن أسباب الاحتجاج والغضب لا تزال قائمة في غياب التنمية والتوظيف.

ورغم أن مؤسسات الرصد الاجتماعي تتحدث في تقاريرها الشهرية عن الاحتجاجات الاجتماعية، إلا أن إحياء ذكرى الثورة يتفعّل سنوياً من تأجيج موجة الغضب داخل المحافظات التونسية التي لم تحصد سوى غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية لمواطنين طحنهم الغلاء.

ومنذ أسابيع تعيش محافظات تونس، بما في ذلك العاصمة، على وقع الاحتجاجات المعيشية المطالبة بوقف نزيف الأسعار ودرء تداعيات السياسة الإصلاحية التي تعتمدها الحكومة بدفع من صندوق النقد الدولي عبر الزيادة في الضرائب وتحرير القطاعات المحمية وزيادة أسعار المحروقات والكهرباء.

وكشف مؤشر الاحتجاجات الاجتماعية الشهري الذي يرصده منتدى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية أن عدد الاحتجاجات المرصودة خلال نوفمبر/ تشرين الثاني بلغ 746 تحركاً، 94% منها تحركات جماعية.

ويمثل سوء أوضاع البنى التحتية ومطالب تحسين الخدمات الأساسية لمعيشة المواطنين، على غرار توفير وسائل النقل ومياه الشرب والخدمات الصحية والخدمات البريدية، وكذلك التشغيل وضمان استمرارية مواطن الشغل في المصانع المهددة بالإفلاس، أبرز المطالب التي رفعها المحتجون في معظم المناطق.

الخبير الاقتصادي والمالي، أشرف العيادي، يقول إن الاحتجاجات لن تتوقف، لأن أسبابها لا تزال قائمة، خاصة في شريط الفقر الغربي، مؤكداً أن اقتصاد تونس عاجز بنسب النمو الحالية عن حل أزمة التشغيل، موضحاً أن الاقتصاد المحلي على امتداد 11 شهراً من عام 2018 (حتى نوفمبر/ تشرين الثاني)، لم يتمكن إلا من خلق 30 ألف فرصة عمل في بلد سدس مواطنيه بلا شغل، وثلث الحاصلين على المؤهلات الجامعية من المعطلين.
الأردن
وفي الأردن، يُرجّح خبراء ومراقبون أن تتواصل الاحتجاجات عام 2019، نتيجة تمسّك الحكومة بسياساتها الاقتصادية القائمة على نهج الجباية وفرض مزيد من الضرائب وزيادة الأسعار وعدم تحقيق معدلات نمو اقتصادية تسهم في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وقال الخبراء إن الحراك الأردني ما زال مستمرا منذ مايو/ أيار الماضي للضغط على الحكومة للكف عن رفع الأسعار والضرائب، والعمل على تحسين الخدمات، ومعالجة المشكلات، بخاصة الفقر والبطالة وارتفاع الدين العام، الذي أوشك أن يتخطى الناتج المحلي.

وأضاف الخبراء أن الشارع الأردني غير مقتنع حتى الآن بنجاعة الإجراءات الحكومية لمحاربة الفساد، رغم استعادة رجل الأعمال عوني مطيع الذي كان فاراً من وجه العدالة، من تركيا، باعتباره المتهم الأول بواحدة من أكبر قضايا الفساد (تهريب وتصنيع الدخان والتهرب الضريبي).

رئيس نقابة الأطباء، علي العبوس، قال لـ"العربي الجديد"، إن إصرار الحكومة على نهجها الاقتصادي وزيادة الأسعار وفرض الضرائب، لا شك أنه سيجعل الأزمة في الشارع مستمرة، لا سيما بعد إقرار البرلمان قانون ضريبة الدخل، وكذلك الموازنة العامة التي جاءت بتقديرات ترفع إيرادات الضرائب أكثر.

وأوضح أن عام 2018 كان استثنائياً من حيث حجم الحراك ونوعيته، الذي شهده الأردن، حيث كانت الاحتجاجات منظمة بشكل غير مسبوق، ما ساهم في تعبير المواطنين عن آرائهم ومطالبهم بكل حضارية، إلى أن أُجبرت الحكومة السابقة على الاستقالة، على أمل أن تدرك حكومة عمر الرزاز الحالية أهمية الحوار والاستماع إلى صوت المواطنين ومراعاة همومهم.
لبنان
ولم ينقضِ عام 2018 إلا مع تظاهر مئات اللبنانيين في وسط بيروت، في ديسمبر/ كانون الأول، احتجاجاً على تردّي الأوضاع المعيشية ورفضاً للواقع السياسي.

المتظاهرون الذين ارتدى بعضهم سترات صفراء، على غرار الحركة الفرنسية، رفعوا لافتات دعت إلى "إسقاط النظام" و"مكافحة الفساد" و"إقرار قانون استرداد الأموال المنهوبة"، فيما رفع أحد المتظاهرين لافتة تطالب بـ"الإسراع في تشكيل الحكومة"، التي لم يُفلح ساسة لبنان في تأليفها رغم انتهاء الانتخابات النيابية في مايو/ أيار 2018.

وأنشد المحتجون أغنية قديمة للفنان الراحل حسن علاء الدين (شوشو) تقول "شحادين يا بلدنا، قالوا عنا شحادين، جوعانين يا بلدنا وما عنّا رز ولا طحين".
السودان
أما في السودان، فقد بدأت في 19 ديسمبر/ كانون الأول 2018، احتجاجات في معظم الولايات الـ18، شجباً لما آلت إليه الأوضاع المعيشية وغلاء الأسعار، لا سيما بعد رفع سعر الخبز، ورفع المتظاهرون خلالها سقف مطالبهم إلى إسقاط النظام.

ويعاني الاقتصاد السوداني من أزمات متعاقبة ساءت معها الأحوال المعيشية للمواطن، وساهمت في انطلاق الاحتجاجات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، بحسب السلطات، فيما قالت المعارضة إن عدد القتلى أكبر منذ ذلك بكثير.

رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية، معتز موسى، ولدى مخاطبته نواب البرلمان عند إقرار الموازنة، يوم الإثنين، قال إن الأزمات التي يعاني منها السودان إلى زوال.

وأشار إلى أن السياسات التي تتضمنها موازنة العام 2019 ستعمل على خلق سعر صرف مستقر سيجذب عائدات الصادرات السودانية، معتبراً أن ما يحدث الآن من ارتفاع في أسعار الصرف ما هو إلا مضاربات ستحاربها الحكومة. وكشف عن سياسات جديدة لمنع تهريب الذهب والإحاطة بموارده، لافتاً إلى أن الحكومة ستعلن إجراءاتها عام 2019.