الاحتجاجات في الأردن... كرّ وفرّ بين الحكومة والشارع

02 يناير 2019
الصورة
خلال احتجاجات الشارع الأردني (العربي الجديد)
يرى خبراء ومراقبون للشأن المحلي تواصل الاحتجاجات في الأردن خلال عام 2019 نتيجة تمسّك الحكومة بسياساتها الاقتصادية القائمة، بحسب قولهم، على الجباية، من خلال فرض مزيد من الضرائب وزيادة الأسعار وعدم تحقيق معدلات نموّ اقتصادية تسهم في تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وشرح الخبراء أن الحراك الأردني ما زال مستمراً منذ شهر أيار/ مايو الماضي للضغط على الحكومة، للكف عن رفع الأسعار والضرائب والعمل على تحسين الخدمات ومعالجة المشكلات التي يعاني منها الأردن، وبخاصة الفقر والبطالة وارتفاع الدين العام الذي أوشك على تخطي حجم الناتج المحلي للبلاد.

وأضاف الخبراء، أن الشارع الأردني غير مقتنع حتى الآن بنجاعة الإجراءات الحكومية لمحاربة الفساد رغم استعادة عوني مطيع، الذي كان فارّاً من وجه العدالة من تركيا باعتباره المتهم الأول بواحدة من كبرى قضايا الفساد في البلاد، أي قضية تهريب وتصنيع الدخان والتهرب الضريبي.

وقال حسام عايش الخبير الاقتصادي لـ"العربي الجديد"، إن "الاحتجاجات ستبقى حاضرة في أذهان المواطنين، وخاصة النشطاء منهم، في حال لم تقم الحكومة بتحسين الوضع الاقتصادي، والاستجابة لمطالب النقابات بتحسين معيشة أعضائها، إلى جانب أهمية معالجة مشكلات الفقر والبطالة".

وكان الأردن قد شهد عام 2018 موجة احتجاجات غير مسبوقة نهاية أيار/ مايو الماضي، واستمرت عدة أسابيع رفضاً لقرارات الحكومة السابقة برئاسة هاني الملقي، ولا سيما قانون ضريبة الدخل ورفع أسعار المحروقات.

وشهدت العاصمة عمان وكافة مناطق الأردن احتجاجات، أخذت زخماً كبيراً نتيجة لمشاركة النقابات المهنية التي يتجاوز عدد منتسبيها 300 ألف شخص، وانتهت الاحتجاجات حينها بإقالة الحكومة وتكليف عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة، وتعهد بسحب قانون الضريبة من مجلس النواب.



وتدخل الملك عبد الله الثاني لنزع فتيل احتجاجات مايو، بتوجيه الحكومة لإلغاء قرار زيادة أسعار المحروقات والاستجابة لمطالب الشارع بإقالة الحكومة.

لكن الشارع الأردني دخل في فترة هدنة مؤقتة مع حكومة الرزاز، التي حاولت طمأنته إلى إمكانية تخفيف الأعباء المالية على المواطنين، واتباع نهج جديد لإنقاذ الوضع الاقتصادي. لكن الهدنة لم تدم طويلاً عندما أقرت الحكومة قانوناً لضريبة الدخل، وصفه مختصون بأنه أسوأ من قانون الملقي.

وأدى تمسّك الحكومة بقانونها وتمريره من خلال البرلمان، واستكمال كافة مراحله الدستورية إلى عودة الاحتجاجات مجدداً إلى الشارع، منذ أكثر من شهر. إذ حدد نشطاء مساء الخميس من كل أسبوع موعداً لتنظيم وقفات احتجاج في منطقة الدوار الربع، على مقربة من مقر رئاسة الوزراء وسط العاصمة عمان. وحدثت قبل أسبوعين احتكاكات بين متظاهرين وقوات الأمن أصيب على أثرها عدة أشخاص.

رئيس نقابة الأطباء علي العبوس، قال إن إصرار الحكومة على نهجها الاقتصادي وزيادة الأسعار وفرض الضرائب لا شك ستجعل الأزمة في الشارع الأردني مستمرة، وخاصة بعد إقرار قانون ضريبة الدخل، وكذلك الموازنة العامة التي جاءت بتقديرات ترفع الإيرادات الضريبية بشكل كبير.

وشرح العبوس لـ "العربي الجديد"، أن عام 2018 كان استثنائياً من حيث حجم ونوعية الحراك الذي شهده الأردن، إذ كانت الاحتجاجات منظمة بشكل غير مسبوق، ما ساهم في تعبير المواطنين عن آرائهم ومطالبهم بكل حضارية. وأجبرت الحكومة السابقة على الاستقالة.

وتوقع العبوس أن تزداد وتيرة الحراك خلال الفترة المقبلة، نتيجة لتجاهل مطالب الشارع بإصدار عفو عام، إذ إن الحكومة أقرت قانوناً يتضمن الكثير من الاستثناءات.

واستلهم متظاهرون حراك الشارع الفرنسي بارتداء سترات صفراء، في حين أخذت الاحتجاجات ضد حكومة الرزاز أشكالاً أخرى من العديد من القطاعات، التي رأت في قانون ضريبة الدخل تدميراً لها وللاقتصاد الوطني بشكل عام.

وأعلن رئيس مجلس إدارة بورصة عمان جواد العناني، أن خسائر سوق عمان المالي تجاوزت 1.5 مليار دولار بسبب فرض ضريبة بنسبة 10% على أرباح الأسهم.

كما شهد الأردن أيضاً احتجاجات على اتفاقية شراء الغاز من الاحتلال الإسرائيلي، ونظمت العديد من المسيرات والفعاليات لمطالبة الحكومة بإلغائها.

النقابات المهنية عادت للتصعيد كذلك ضد الحكومة، مطالبة بتحسين أوضاع منتسبيها، واعتراضاً على نظام الخدمة المدنية الذي يحدد نسباً لتقييم الموظفين سنوياً، وتسريح أعداد ممن يحصلون على تقييم متدن.


واستجابة لضغط النقابات، أوقفت الحكومة العمل ببعض بنود نظام الخدمة المدنية، وتعهدت بدراسة إمكانية تحسين الأوضاع المعيشية لأعضاء النقابات.

وقال أحمد عوض، رئيس مركز الفينيق الاقتصادي لـ" العربي الجديد" قبل أيام، إن إعلان الحكومة الأخير، خفض ضريبة المبيعات على أسعار عدد من السلع الغذائية، بما يصل إلى 150 سلعة، هو خطوة مهمة، لكنها غير كافية لإيقاف الاحتجاجات، والأمر يتطلب أيضاً خفض أسعار المحروقات هذا الأسبوع، في ضوء التراجع الكبير في أسعار النفط الخام عالمياً.

وحذّر من أن "الاحتجاجات ستستمر الأسبوع الحالي، ما لم تقم الحكومة بالتعاون مع البرلمان بتوسيع دائرة القضايا المشمولة بقانون العفو العام، بما في ذلك الغرامات المالية المترتبة على المواطنين لصالح الخزينة، وهذا ما ينتظره الشارع الأردني منذ أكثر من عام".

وأشار إلى ضرورة خفض أسعار الكهرباء نتيجة بدء عمليات الاستيراد الفعلي للغاز من مصر وانخفاض الأسعار العالمية، إلى جانب ضرورة الاستجابة لتوصيات اللجنة المالية في مجلس النواب، برفع الحد الأدنى للأجور وعدم رفع الأسعار خلال العام الجديد 2019.

وبموجب قانون ضريبة الدخل الجديد، فقد تم خفض حدّ الإعفاءات من ضريبة الدخل للأفراد إلى 14 ألف دولار والأسر إلى 28 ألف دولار خلال عام 2019، ليصبح 12.7 ألف دولار للأفراد و25.4 ألف دولار للأسر ابتداءً من عام 2020 وما تلاه.

كما تم منح 4200 دولار إعفاءات مقابل فواتير نفقات وعلاج وتعليم وإيجار وفوائد قروض الإسكان والمرابحة، بغضّ النظر عن عدد أفراد الأسرة...

وتم رفع أعداد المواطنين الخاضعين لضريبة الدخل بشكل كبير، من خلال خفض قيمة الدخل الخاضع للضريبة إلى نحو 25.4 ألف دولار، نزولاً من 33.84 ألف دولار في القانون الحالي بالنسبة للعائلات.

كما تم خفض دخل الفرد الخاضع للضريبة إلى 12.7 ألف دولار عام 2019، على أن ينخفض مرة أخرى عام 2020 ليصبح 11.28 ألف دولار نزولاً من 22.56 ألف دولار في القانون الحالي.