الأنفاق الهجومية لـ"حزب الله": الجواب المستحيل

الأنفاق الهجومية لـ"حزب الله": الجواب المستحيل

06 ديسمبر 2018
الصورة
أحد المواقع الإسرائيلية قرب الحدود اللبنانية (حسين بيضون)
+ الخط -
ليس سلاح الأنفاق بغريب عن أي فصيل مسلح، نظامي أو غير نظامي، في أي بقعة على وجه الأرض، ولا هو بجديد على أي حرب، أهلية كانت أو "نظامية" بين دول، فهو قديم قِدَم الحروب، وإن كانت وتيرة تطوره مرتبطة بالتقدم العلمي الذي صار يسمح بإنشاء حياة موازية كاملة تحت الأرض، مثلما يعبّر عنه الفيلم الشهير للمخرج العالمي أمير كوستوريكا: underground (تحت الأرض) والذي يتحدّث عن يوميات يوغوسلافية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وفي لبنان، حاله حال أي مكان آخر في العالم، سلاح الأنفاق كان رائجاً قبل خروج "حزب الله" إلى النور منتصف ثمانينات القرن الماضي، وإن كان مصطلح "أنفاق حزب الله" اليوم يتصدّر أخبار العالم بعد حملة "درع الشمال" التي أطلقتها إسرائيل فجر الثلاثاء لهدم ما تدّعي أنها "أنفاق هجومية" حفرها الحزب ابتداءً من الأراضي اللبنانية، لتكون قابلة لإخراج مقاتليه من داخل الأراضي المحتلة في مستوطنات الشمال الفلسطيني المحتل، بحسب الرواية الصهيونية طبعاً.

وسيكون جهداً ضائعاً أن يحاول أي صحافي استنطاق أي مسؤول في "حزب الله" عن معلومات عسكرية تتعلق بأنفاقه، ذلك أنّ التكتّم العسكري المطلق هو أحد عوامل بقاء "حزب الله" و"صموده". لكنه سيكون في المقابل من السخف الانطلاق في البحث بالسؤال عما إذا كان لدى "حزب الله" أنفاق، فهي أصبحت ألف باء حربية أساسية في حربه ضدّ الاحتلال، منذ ما قبل عدوان 2006، وتفيد كل المؤشرات بأنها انتقلت إلى مرحلة متطورة بعد تلك الحرب الأشرس في تاريخ حروب إسرائيل على لبنان. لكن السؤال عن أنفاق حزب الله هنا ينقسم إلى محورين رئيسيين: عن أي أنفاق نتحدث؟ هجومية أو دفاعية؟ أي شبكة الممرات تحت الأرض التي يُعرَف أنها موجودة بكثرة في استراتيجيات "حزب الله" داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب اللبناني والبقاع (شرق)، أو ما يقول الاحتلال الإسرائيلي إنّ مدخلها يكون من الأراضي الحدودية اللبنانية في الجنوب، ومخارجها تنتهي داخل المستوطنات الزراعية والسكنية في أعالي الجليل؟

تفيد الرواية الصهيونية، والتي تترجم منذ فترة طويلة بمقالات و"دراسات"، بأنّ "حزب الله" يعمل بشكل يومي، منذ انتهاء حرب يوليو/تموز 2006، على حفر أنفاق هجومية استفاد من مشاركته في الحرب السورية لتطويرها، بمساعدة إيرانية وبـ"وحي" من المقاومة الفلسطينية في غزة، والتي استخدمتها في صد عدوان 2014. وتطلق تلك الرواية الإسرائيلية على استراتيجيات "الأنفاق الهجومية" المزعومة للحزب، تسميات كثيرة لا يتبنى أياً منها. ومن هذه التسميات "خطة الخلد" أو "خطة النمل"، للإشارة إلى نقل مقاتلي الحزب حربهم وتكتيكاتهم إلى تحت الأرض، بشكل جرى تطويره للتحضير لمفاجأة العدو في "أراضه"، برياً، وليس فقط في إصابة أهداف إسرائيلية بصواريخ يقال إنها آخذة في التطور من دون توقّف منذ عام 2006 خصوصاً. لكن، ما ليس سراً أنّ "الأنفاق الدفاعية" أو الأنفاق داخل الأراضي اللبنانية هي بديهية بالنسبة إلى "حزب الله"، واستخدمت بشكل كثيف جداً في عدوان 2006، في مرحلتين. وتمثّلت المرحلة الأولى في الاجتياح البري المحدود الذي تكبّدت فيه قوات الاحتلال خسائر كبيرة جداً، خصوصاً في مناطق مارون الراس مثلاً وبقية القرى الحدودية التي دخلها جنود إسرائيليون وقتل لهم فيها ما بين 118 و121 جندياً بحسب أرقام غير رسمية. ويتم تداول روايات عدة عن كيفية خروج مقاتلي "حزب الله" على جنود الاحتلال من تحت الأرض أحياناً حتى داخل منازل ومبانٍ اقتحمها الإسرائيليون في قرى لبنانية مثل مارون الراس وعيتا الشعب على سبيل المثل، بدءاً من 1 أغسطس/آب 2006، وأوقعوا فيهم خسائر بشرية كبيرة، عبر أنفاق تربط بين المنازل مثلاً. ناهيك بالأنفاق التي يقال إنها خاصة بمنصات الصواريخ، التي ربما بناها القائد العسكري الراحل عماد مغنية، ويقال إنها كانت متطورة إلى حدّ أن منصة الصاروخ تخرج من تحت الأرض، تقذف، ثمّ تعود إلى تحت الأرض لتفادي استهدافها من قبل الطائرات.

أمّا المرحلة الثانية للاستخدام المكثف لـ"حزب الله" في ما يتعلّق بالأنفاق، فهي تختصر بـ"الاستخدام اليومي" إن جاز التعبير، أي استعمالها للإقامة الآمنة ولتمرير الأسلحة والمقاتلين والسلع والغذاء. ويتفاوت طول هذه الأنفاق ومدى عمقها وعرضها بحسب المناطق والحاجة، فيما تعتبر الأراضي اللبنانية الصخرية في الجنوب اللبناني، مناسبة لحفر الأنفاق، ورغم صعوبة الحفر في الصخر، إلا أنها آمنة جداً، على عكس سهولة إنشاء الأنفاق في الأراضي الرملية، التي تبقى أقل أمناً وعرضة للهدم.

ويمكن اختصار تعليق "حزب الله" على حملة "درع الشمال" اليوم، أو تحديداً على السؤال: هل يملك أنفاقاً هجومية تؤدي إلى داخل المستوطنات من الجانب الآخر للحدود؟ بنعم وكلا. فاستراتيجيا "حزب الله" العسكرية تعتمد في الوقت نفسه على الحرب النفسية بإخافة العدو، وعلى إخفاء الأوراق الموجعة بالنسبة إلى دولة الاحتلال. ويندر أن يخلو خطاب للأمين العام لـ"حزب الله"، حسن نصر الله، من تهديد الاحتلال بنقل المعركة المقبلة إلى داخل الأراضي المحتلة. كلام غالباً ما يفسره "خبراء" دولة الاحتلال بأنه يؤكد وجود أنفاق هجومية، رغم أن نصرالله لم يشر يوماً بالحرف إلى وجودها بالفعل، مثلما أنه لم ينف يوماً توفرها. وكذلك يفعل ما يعرف في لبنان بـ"الإعلام الحربي" التابع لـ"حزب الله"، فهو يلمح ولا يلمح في الوقت نفسه إلى قضية الأنفاق الهجومية، فيبث أحياناً تسجيلات مصورة لما يوحي بأنها أنفاق هجومية عتيدة يملكها للوصول إلى الأراضي المحتلة خلف الجدار الحدودي الفاصل، ليترك للتقديرات أن تأخذ مداها.

تقنياً، يملك "حزب الله" وحدة هندسية متطورة، قادرة، نظرياً، على حفر مثل هذه الأنفاق التي لا يعرف من أين تبدأ ولا أين تنتهي. ولم يشكّل وجود قوات حفظ السلام الدولية "يونيفيل" عائقاً أمام اتساع نطاق عمل "حزب الله" على الحدود الدولية - اللبنانية - الفلسطينية البالغ طولها 87 كيلومتراً، حتى بعدما تمّ تعزيز صلاحيات وعديد "اليونيفيل" بموجب القرار الدولي 1701 الذي أنهى الحرب بإبعاد "حزب الله" إلى شمال الليطاني بموجب ما عرف بالخط الأزرق التي رسمته الأمم المتحدة بين لبنان من جهة، والأراضي الفلسطينية المحتلة وهضبة الجولان السورية المحتلة من جهة أخرى في 7 يونيو/حزيران 2000. بالتالي، لا يستبعد أن يكون الحزب تمكن من شقّ مثل هذه الأنفاق حتى في منطقة عمل "اليونيفيل"، من دون أن يكون هناك ما يمكن أن يجزم توفّر هذا النوع من الأنفاق من عدمه.

المساهمون