الأرجنتين في مصيدة المضاربين وتجار الأزمات.. والبيزو أكبر المتضررين

02 سبتمبر 2019
الصورة
أمام صرافة في بوينس آيرس يوم 30 أغسطس/آب (Getty)
+ الخط -
دخلت الأرجنتين عملياً نفق "الثعابين"، بإعلان البنك المركزي، يوم الأحد، تقييد التعامل في النقد الأجنبي الذي عادة ما يفتح الباب أمام "تجار الأزمات" للمضاربة على العملة وتكبيد السلطات النقدية خسائر ضخمة من أرصدتها بالعملات الصعبة، وهو ما يحدث حالياً في الدولة اللاتينية.

هذا النفق المظلم دخلته من قبل فنزويلا ولم تخرج منه حتى الآن، وهو نفق تتراكم فيه الديون مع عدم القدرة على السداد وتتراجع فيه البنوك التجارية عن إقراض الدولة، ويهرب المستثمرون من أدوات الدين الحكومية كالسندات وأذون الخزانة.

ومنذ تدهور سعر صرف العملة الأرجنتينية، البيزو، في شهر أغسطس/آب الماضي، تدخّل البنك المركزي بكثافة في سوق الصرف لدعم استقرار البيزو، وهو ما أدى تلقائياً إلى خسارة معظم احتياطاته من العملات الصعبة.

وحسب وكالة أسوشييتد برس، فإن المركزي الأرجنتيني خسر نحو 8.8 مليارات دولار في دعم البيزو منذ الحادي عشر من أغسطس الماضي.

ورغم هذه الخسارة الكبيرة، فإن سعر صرف البيزو واصل التراجع وفقد 30% من قيمته حتى نهاية تعاملات الأسبوع الماضي.

من جانبها، ترى شركة "فيرست جنيفا كابيتال بارتنرز"، أن المركزي الأرجنتيني أنفق ما يعادل نحو 10% من احتياطاته الأجنبية على دعم العملة.

وترى الشركة المالية السويسرية، أن المركزي ربما يخسر كل أرصدته الأجنبية خلال شهر إذا استمر في التدخل الكثيف لحماية سعر صرف البيزو من الانهيار. 

وبالتالي، بات أمام الأرجنتين خياران أحلاهما مرّ، حسب مراقبين، وهما: إما أن يواصل البنك المركزي التدخل في سوق الصرف الأجنبي وحرق كل أرصدته من العملات الصعبة، أو التخلي عن دعم عملة البيزو وتركها للانهيار العمودي لتصبح العملة الأرجنتينية "بوليفار آخر" في أميركا الجنوبية. 

وعادة ما تقود إجراءات تقييد التعامل في النقد الأجنبي إلى هلع في السوق، حيث يسعى التجار والمستثمرون إلى حماية ثرواتهم من التآكل، عبر شراء الدولارات والنقد الأجنبي وادخارها حماية لثرواتهم من التآكل، وبالتالي يرتفع الطلب على الدولار.

وتشمل إجراءات تقييد التعامل في النقد الأجنبي التي أعلن عنها البنك المركزي الأرجنتيني يوم الأحد، كبار المستوردين، ممن بات عليهم بعد هذا القرار، استصدار تصريح من البنك المركزي قبل شراء الدولارات التي يحتاجونها لتسديد فواتير الاستيراد من الخارج.

ومثل هذه الإجراءات المقيدة للتعامل في النقد الأجنبي، تقود عادة إلى حدوث ارتباك في سوق السلع الأجنبية وغلاء الأسعار وتربح "تجار الأزمات"، وهو ما يضاعف القلق السياسي ويزيد من السخط بين المواطنين.

وكانت الحكومة الأرجنتينية قد تخلفت، يوم الأربعاء، عن سداد ديون محلية قيمتها 7 مليارات دولار، كما قالت إنها ستطلب إعادة جدولة ديون طويلة الأجل قيمتها 50 مليار دولار، كما ترغب كذلك في التفاوض على تسديد دفعات على قرض 50 مليار دولار من صندوق النقد الدولي.

ومنذ أن أظهرت نتائج انتخابات أولية في أغسطس الماضي، أن الحكومة الحالية لن تكسب الانتخابات العامة التي ستجرى في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، بدأت دورة انهيار الاقتصاد الأرجنتيني، فتدهور سعر الصرف، وعمدت الحكومة إلى إجراء رفع الفائدة والتدخل في السوق لحماية العملة من الانهيار.

وأنفق المركزي الأرجنتيني خلال يومي الخميس والجمعة الماضيين نحو 3 مليارات دولار على دعم البيزو عبر التدخل في السوق، حسب تقارير أميركية. ويقدر حجم الديون الحكومية للأرجنتين بنحو 324.9 مليار دولار.

وحسب مؤسسة "تريدنغ إيكونومكس" التي تنشر البيانات والمؤشرات الاقتصادية للدول، فإن حجم الدين الحكومي للأرجنتين يعادل نحو 86.2% من إجمالي الناتج المحلي. وعادة ما يستخدم المستثمرون نسبة الدين الحكومي لإجمالي الناتج المحلي للدولة، كمقياس على قدرة الدولة على السداد.

ومشكلة الأرجنتين تستفحل حالياً، إذ أنها لا تتمثل فقط في التخلف عن السداد ومحاولة التوصل إلى حلول لإعادة جدولة ديونها، ولكنها أصبحت غير قادرة على الحصول على تمويلات جديدة من السوق المصرفي العالمي، كما أن المستثمرين واصلوا هروبهم من أدوات الدين الحكومية.

وحسب الخبير المالي في معهد التمويل الدولي بواشنطن، روبنز بروكز، في تغريدة على حسابه، فإن الحل الوحيد لأزمة الأرجنتين هو تقديم صندوق النقد الدولي حزمة إنقاذ جديدة.

وأشار خبراء آخرون إلى أن الصندوق ربما يخسر جزءاً من أمواله التي أقرضها للأرجنتين في حال لم يفعل ذلك.

وحتى الآن، يتردد كبار المستثمرين في الدين الحكومي في التفاوض مع الحكومة، وهم ينتظرون خطوة من قبل صندوق النقد الدولي بشأن مستقبل التعامل مع أزمة البلاد المتفجرة.

ورفض كبار الدائنين يوم الخميس عرضاً قدمه الرئيس الأرجنتيني، موريسيو ماكري، لتأجيل سداد دفعات مستحقة تفوق قيمتها أكثر من 10 مليارات دولار. لكنهم لم يمانعوا في تقديم السيولة الفورية التي تحتاجها البلاد لتخفيف الأزمة.

يحدث ذلك في وقت يتواصل فيه تخارج المستثمرين من حيازة السندات الأرجنتينية وبيعها بأسعار متدنية جداً، إذ تم بيع بعض السندات التي حان أجلها بسعر 41 سنتاً للدولار، أي أن السند الذي كانت قيمته 100 دولار يباع حالياً بنحو 41 دولارا، كما بيعت سندات يحل أجلها في 2021 بنحو 50 سنتاً للدولار. وذلك وفقاً لتقرير نشرته "فايننشال تايمز" اليوم الاثنين.

ويعكس هذا التسابق على بيع سندات الدين الأرجنتيني بالخسارة حجم الهلع الذي يسيطر على كبار المستثمرين في سوق الدين الأرجنتينية، وكذلك حجم التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد.

وحسب تقرير لمؤسسة "كابيتال إيكونومكس" عن الأرجنتين، فإن هنالك نحو 30 مليار دولار من الديون وأقساط الديون يحين أجل سدادها هذا العام، ومن غير المعروف حتى الآن كيف ستتعامل معها البلاد.

ومشكلة الأرجنتين أنها ليست مثل البرازيل التي تملك سوق مال محليا قويا أو حتى شركات مصرفية غنية، حيث ضربت الأزمة الحالية أصول البنوك الأرجنتينية، وانخفضت أسعار أسهم بعض البنوك من 50 دولاراً و70 دولاراً في بداية العام الجاري إلى 20 دولارا خلال الشهر الماضي.

ولكن رغم هذه المصاعب المالية، فإن الأرجنتين دولة غنية بالموارد الطبيعية ويتمتع مواطنوها البالغ عددهم 45.1 مليون نسمة، بنسبة عالية من التعليم، ولكنها عانت مثل دول أميركا الجنوبية ولعقود من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد، وهو ما أدى تلقائياً إلى عدة اضطرابات في الدورة الاقتصادية والتنموية.

ويصنف البنك الدولي في تقريره الأخير الاقتصاد الأرجنتيني بين الاقتصادات فوق المتوسطة. ويقدر حجم الاقتصاد الأرجنتيني بنحو 915 مليار دولار بمقياس القوة الشرائية، و518 مليار دولار بمقياس القيمة الاسمية.

وكانت الحكومة الحالية بقيادة الرئيس موريسيو ماكري، قد أعلنت عندما تولت السلطة في ديسمبر/كانون الأول عام 2015، أن سياساتها الاقتصادية ستجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وستحقق زيادات مطردة في الإنتاجية. لكن أزمة العملة التي اندلعت في إبريل/نيسان 2018 أكدت فشل نهج هذه السياسات. 

وتفاعلت أزمة الاقتصاد مع فشل حكومة ماكري في إدارة دفة الاقتصاد، حيث عانت الأرجنتين من أزمة في العملات الصعبة ومن ركود تضخمي.

وبلغت نسبة التضخم السنوي 47.6% خلال العام الماضي، كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.5%، وارتفعت معدلات الفقر والبطالة.

وتعكس هذه المؤشرات ليس فقط فشل حكومة ماكري ولكنها تعكس في الواقع مشاكل مزمنة وأزمات متراكمة عاشتها البلاد، من أهمها الانكماش المتواصل في النمو الاقتصادي الذي تقلص في أربع سنوات من السنوات السبع الأخيرة.

دلالات

المساهمون