الأحوال الشخصية في العراق... القانون الجديد مطلب الأحزاب الطائفية

23 نوفمبر 2017
الصورة
نعم لقانون يحمي حقوقها (سفين حميد/ فرانس برس)
+ الخط -

ما زال مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي طُرح أخيراً في العراق يشهد تجاذبات كثيرة، إذ يعدّ كثيرون بعضاً من مواده مهينة للمرأة ويرفضون السماح بزواج القاصرات في سنّ التاسعة.

الرفض العراقي المحلّي وكذلك الدولي لقانون الأحوال الشخصية الجديد في العراق الذي كانت مناقشته مقرّرة يوم الأحد الماضي، أدّى الى تأجيل التصويت عليه وإعادته إلى لجنة المرأة والطفل في البرلمان بهدف مراجعته مرّة أخرى، بحسب ما أفادت النائبة شروق العبايجي، وهو ما يمكن اعتباره تقدماً إيجابياً قد يحول بالنهاية دون إقرار القانون المثير للجدال الذي يقوم على تعديلات جوهرية في القانون المعمول به في العراق منذ عام 1959 ولغاية اليوم والذي كُتب على أساس المواطنة بمفهومها الحديث بعيداً عن الدين أو المذهب.

ويتّهم رافضو تعديل القانون أحزاباً دينية بأنّها تسعى إلى تعميق الخلاف المذهبي وتشريع قوانين الأحوال الشخصية بحسب التشريعات المذهبية التي تخالف القانون المدني المستنبط من الشريعة الإسلامية. ويأتي الخلاف حول القانون الجديد في نقاط جاءت في المادتين الثالثة والخامسة من القانون. فتنصّ الفقرة "أ" من المادة الثالثة على أنّه يجوز للمسلمين الخاضعين لأحكام هذا القانون تقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة، لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يتبعونه. وفي الفقرة "ب"، ينصّ القانون على أن تلتزم المحكمة المختصة بالنسبة إلى الأشخاص الوارد ذكرهم في الفقرة "أ" من هذا البند عند إصدار قراراتها في جميع المسائل التي تناولتها نصوص قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدّل وغيرها من المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية، باتباع ما يصدر عن المجمع العلمي في ديوان الوقف الشيعي والمجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السنّي وتبعاً لمذهب الزوج، ويصحّ أن يكون سبباً للحكم.

وفي الفقرة "ج" من المادة نفسها، ينصّ على أن يلتزم المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه الشيعي وفتاوى الفقهاء الأعلام، وعند عدم الشهرة يؤخذ برأي (المرجع الديني الأعلى) الذي يرجع إليه في التقليد أكثر الشيعة في العراق من فقهاء النجف الأشرف. وفي الفقرة "د" ينصّ على أن يلتزم المجلس العلمي والإفتائي في ديوان الوقف السنّي بإجابة المحكمة عن استيضاحاتها، وفقاً للمشهور من الفقه السني.

أمّا المادة الخامسة من القانون، فتنصّ على جواز إبرام عقد الزواج لأتباع المذهبَين (الشيعي والسنّي) كلّ وفقاً لمذهبه، من قبل من يجيز فقهاء ذلك المذهب إبرامه للعقد بعد التأكد من توفّر أركان العقد وشروطه وانتفاء الموانع في الزوجَين.



تقسيم المجتمع

بالنسبة إلى رافضي تعديل القانون، فإنّ هاتَين المادتَين تقسمان المجتمع إلى مذهبَين (سنّة وشيعة) وتعمّقان الطائفية في البلاد، إذ تسلبان حقّ الدولة العراقية في تنظيم الأحوال الشخصية لمواطنيها، وتمنحانه إلى فقهاء المذهبَين الشيعي والسنّي. ويؤكّد هؤلاء أنّ القانون الجديد يلغي فقرات مهمة من قانون الأحوال الشخصية الذي يصفونه بالعادل والمنطقي، بالإضافة إلى مخالفته للدستور العراقي.

تجدر الإشارة إلى أنّ قانون الأحوال الشخصية المُشرَّع في عام 1959، ينصّ في الفقرة الثالثة من المادة الثالثة على أنّ الوعد بالزواج وقراءة الفاتحة والخطبة لا يُعَدّان عقداً. وفي الفقرة الرابعة من المادة نفسها، ينصّ القانون على أنّه لا يجوز الزواج بزوجة ثانية إلا بإذن القاضي، ويُشترط لإعطاء الإذن من قبل القاضي أن تكون للزوج كفاية مالية لإعالة أكثر من زوجة وأن تكون هناك مصلحة مشروعة. وفي الفقرة الخامسة من المادة نفسها، ينصّ على أنّه إذا خيف عدم العدل بين الزوجات فلا يجوز التعدد ويترك تقدير ذلك للقاضي، فيما ينصّ في الفقرة السادسة على أنّه كل من أجرى عقداً بالزواج بأكثر من امرأة واحدة خلافاً لما ذُكر في الفقرتَين الرابعة والخامسة، فإنّه يعاقَب بالحبس لمدّة لا تزيد على سنة أو بالغرامة بما لا يزيد عن مائة دينار (أقلّ من دولار أميركي واحد) أو بالاثنَين معاً.

أمّا المادة الخامسة من القانون، وهي نقطة الخلاف الثانية، فتنصّ بحسب قانون الأحوال الشخصية، على أنّ الأهلية في عقد الزواج تتحقق بتوفّر الشروط القانونية والشرعية في العاقدَين أو من يقوم مقامهما.



المحامون: لا للتشريع الجديد

في حال مرّر البرلمان العراقي مشروع تعديل القانون، فإنّ قضايا عدّة متعلقة بالزواج، كالسنّ القانونية وحضانة الأطفال والإرث، سوف تكون رهن التشريعات المذهبية. وبعض تلك التشريعات يجيز زواج الفتاة وهي في التاسعة من عمرها، وحرمان الزوجة من الإرث إن لم تلد من زوجها المتوفّى، وإمكانية غير القادر مادياً أو صحياً من الزواج بأكثر من امرأة واحدة، وغيرها من التشريعات التي يرفضها القانون المدني.

المحامون العراقيون، باعتبارهم الجهة المعنية بالقانون والتشريعات، رأوا في بيان أصدرته نقابة المحامين العراقيين، يوم الثلاثاء الماضي، أنّ مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية يكرّس الهوية الطائفية على حساب مبادئ المواطنة. وفي السياق، يرى المحامي عمر حسين، الذي شارك في وقفة احتجاجية نُظّمت يوم الجمعة الماضي في بغداد لمطالبة مجلس النواب بسحب التصويت على تعديل القانون، أنّ "كارثة ستحلّ على المجتمع العراقي إن مُرّر القانون في مجلس النواب". أضاف حسين لـ"العربي الجديد"، أنّ "المادة 14 من الدستور العراقي تنصّ على أنّ العراقيين متساوون أمام القانون من دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي، لكنّ القانون الذي تسعى فئة إلى تمريره يلغي هذه المساواة".

ويوضح حسين أنّ "المادة 19 من الدستور العراقي تنصّ على أنّ القضاء مستقل ولا سلطان عليه لغير القانون، والمادة 87 منه تنصّ على أنّ السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها وتصدر أحكامها وفقاً للقانون. إلى ذلك، تنصّ المادة 88 على أنّ القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأيّ سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة. وكلّ هذه المواد سوف تُلغى عبر تمرير القانون الجديد، ما يعني أنّه سوف يتعارض مع مبدأ الفصل بين السلطات ولن يكون القضاء مستقلاً، إذ سوف يبيح الزواج من دون سلطة المحكمة وخارج قوة القضاء الذي يحمي الفتاة من الزواج في سنّ صغيرة". ويكمل أنّ "القانون الجديد سوف يسمح بزواج فتاة لم تبلغ بعد التاسعة من عمرها، ويحرم الزوجة من التعويض عن الطلاق التعسفي، إذ يلغي حقها في التفريق القضائي. كذلك سوف تُحرَم الفتاة البالغة الرشيدة من حقّها في تزويج نفسها من دون إذن الولي، وستُحرَم المطلقة من حقوقها في السكن بدار الزوجية، وتُحرَم الزوجة من حقها في الإرث من الأراضي، وتُحرَم الأم من حضانة طفلها لأكثر من عامَين".

ويشير حسين إلى أنّ "التشريعات المذهبية تنطوي على اختلافات ووجهات نظر عدّة وآراء مختلف عليها بين الفقهاء، وقد استنبط القانون العراقي ما هو أكثر ملاءمة ليُطبّق في المجتمع واتّفق عليه كبار المشرّعين من قانونيين وفقهاء. لكنّ المادة 41 من الدستور التي يدّعي من يدعم مشروع القانون الجديد أنّها تسمح بهذا التعديل، لا تعني فتح المجال أمام تشريع قوانين مهينة للمرأة وتحرم طبقة واسعة من المجتمع من حقوقها". ويشرح أنّ "المادة 41 تفيد بأنّ للفرد الحرية في الالتزام بحسب تشريعات ديانته أو مذهبه، لكنّ المادة مشروطة بتنظيم هذه الحرية في قانون. وقد حدّد قانون الأحوال الشخصية العراقي الحالي سنّ الزواج بـ18 عاماً، مع السماح للقضاة بتزويج فتيات يبلغنَ من العمر 15 عاماً بحسب نوع القضية وما يرونه مناسباً".



حرصاً على حقوق المرأة

في السياق، ترى الناشطة في العمل الإنساني وحقوق المرأة، الصحافية أفراح شوقي، أنّ "قانون الأحوال الشخصية العراقي المُراد تعديله يُعدّ واحداً من أهمّ المنجزات التشريعية في المحيط الإقليمي، وقد وضع حيّز التطبيق منذ نحو ستين عاماً"، مشيرة إلى أنّه "خلال هذه الفترة الطويلة نسبياً، لم يكن القانون محلاً لشكوى من أيّ جهة سواء كانت شعبية أو رسمية".
وتوضح لـ"العربي الجديد"، أنّ "القانون تمكّن من تنظيم حياة العراقيين في الزواج وحقوق الزوجة من مهر ونفقة وطلاق وتفريق ونسب وإرث ووصاية وقيمومة، وسواها من الحقوق".

وتقول شوقي إنّ "مشروع التعديل لم يقدّم أيّ إضافة نوعية لما ورد في القانون من حقوق ومكاسب أعطت استقراراً للعلاقات الشخصية في المجتمع لعشرات السنين، بل بالعكس نجد أنّ التعديلات المقترحة تؤدّي إلى تعزيز الطائفية، وتتعارض مع مبدأ المساواة الذي نصّت عليه المادة 14 من الدستور". تضيف أنّ "القانون الجديد يعمل على تقويض سلطة القضاء من خلال جعل مراكز الإفتاء في الأوقاف السنية والشيعية سلطة أعلى من القضاء، الأمر الذي يهدّد استقلال القضاء ووحدته".

وتؤكد شوقي أنّ "تعديلات القانون استفزّت الشارع العراقي على نحو كبير، وفتحت عيون الناس بشكل أوسع على سلبية أداء مجلس النواب العراقي وتراجعه بصورة خطيرة باتت تهدد الأسرة العراقية". تضيف أنّه "من هنا، فإنّ النساء الناشطات والمنظمات والجمعيات والنقابات بمختلف توجهاتها واهتماماتها، ركّزت جهودها طيلة الأيام الماضية على تبيان موقفها الرافض للتعديلات بكلّ طرق الاحتجاج والرفض. والعمل ما زال جارياً لردّ التعديلات والإبقاء على القانون بشكله الحالي مؤقتاً، إذ ثمّة حاجة إلى تعديلات أخرى تصبّ في صالح المجتمع العراقي بخلاف التعديلات المطروحة الآن". تتابع أنّه "خلال الأيام الماضية، توحّدت جهود نحو 70 منظمة ونقابة وجمعية نسوية وإعلامية وقانونية في كلّ المحافظات العراقية من أجل العمل لرفض التعديلات في إطار خلية واحدة تحمل اسم النساء المدنيات، وذلك سعياً إلى فضح التعديلات وإيصال مساوئ القانون للرأي العام. وتلك المساوئ يحاول البعض ربطها بحرية الأديان والمذاهب في عقود الزواج والطلاق، كجزء من حراك معروف من قبل الأحزاب الإسلامية والشخصيات السياسية مع اقتراب الانتخابات العراقية".

وتتابع شوقي أنّه "جرى الاتفاق على تواصل الاعتصامات والتظاهرات والتحرّك لإيصال صوت الرفض الشعبي إلى جميع المستويات في العراق وأعلاها، وكذلك إلى بلدان عدّة عربية وأجنبية كانت قد أعلنت عن تضامنها معنا لمنع إقرار المشروع"، مشيرة إلى أنّ "هذه التحركات سوف تتزامن مع حملة الأيام الستة عشر لمناهضة العنف ضد المرأة".
يُذكر أنّه في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني، تحتفل الأمم المتحدة باليوم الدولي للقضاء على العنف ضدّ المرأة الذي أُقِرّ في عام 1999.