استهداف المليشيات شرقي سورية: قرار أميركي بقطع طريق طهران - بيروت

11 يناير 2020
الصورة
إيران تجهز البوكمال ليكون ممراً لنقل القوات والأسلحة(فرانس برس)
تبدو مناطق شرق الفرات، شرقي سورية، من بين ساحات المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة والمليشيات المرتبطة بإيران، مع تسريب أنباء عن مساع أميركية لإغلاق الممر البري بين إيران والبحر المتوسط، المار عبر سورية. وجاءت الغارات الجوية "مجهولة الهوية"، فجر أمس الجمعة، والتي استهدفت مقرات وأماكن سيطرة المليشيات التابعة لإيران في شرق دير الزور وقرب الحدود السورية العراقية، وأدت لمقتل وإصابة عدد من أفرادها، لتضاعف المخاوف من وقوع مواجهات بين واشنطن وهذه المليشيات في شرق سورية، خصوصاً في المناطق الحدودية مع العراق، حيث تنتشر العديد من المليشيات المرتبطة بإيران، وفي مقدمتها فصائل "الحشد الشعبي" العراقية، والتي أفادت مصادر أمنية عراقية بأنها دخلت في حال استنفار على خلفية القصف الجوي في منطقة البوكمال فجر أمس.

يأتي ذلك وسط معلومات، أوردها المرصد السوري لحقوق الإنسان، تفيد بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أبلغ رئيس النظام السوري بشار الأسد، خلال اجتماعهما في دمشق أخيراً، بنيّة الولايات المتحدة إغلاق طريق طهران - بيروت الذي يمر من البوكمال، والذي تزود إيران من خلاله "حزب الله" بالسلاح. ورجحت مصادر محلية صحة هذه المعلومات انسجاماً مع تزايد الهجمات التي تقوم بها طائرات مسيّرة "مجهولة" في المناطق الحدودية بين سورية والعراق، بعد مقتل قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني، خصوصاً في ريف مدينة البوكمال السورية، والتي باتت مقراً رئيسياً لتمركز وأنشطة المليشيات المدعومة من إيران. وتحتل البوكمال مكانة كبيرة في الخطط الإيرانية للسيطرة والنفوذ في سورية، وفي تحقيق المشروع الإيراني في المنطقة عموماً، كونها تعتبر المعبر الوحيد في يد النظام السوري (شكلياً) وفي يد إيران ومليشياتها عملياً، فيما تسيطر قوات التحالف الدولي على معبر التنف إلى الجنوب، و"قوات سورية الديمقراطية" (قسد) على معبر ربيعة إلى الشمال. كما تعتبر مدينة البوكمال هدفاً مستمراً للغارات الأميركية والإسرائيلية الرامية إلى مكافحة الوجود والتمدد الإيراني في تلك المنطقة، خصوصاً بعد تواتر التقارير بأن إيران تسعى إلى تحويل البوكمال إلى مقر لتجهيز وتخزين الصواريخ والأسلحة المعدة للإرسال إلى داخل سورية، وإلى "حزب الله" اللبناني.

واتجهت الأنظار إلى المدينة مجدداً، عقب مقتل سليماني، إذ حصل استنفار متبادل بين المليشيات المدعومة من إيران والموجودة إلى الجنوب من نهر الفرات، و"قسد" والقوات الأميركية الموجودة في شمالي النهر، وتحديدا في منطقة الباغوز التي كانت آخر معاقل "داعش" قبل طرد التنظيم منها في مارس/ آذار الماضي. وكشف المرصد السوري لحقوق الإنسان أن المليشيات الموالية لإيران أخلت مقراتها في مدينة البوكمال تخوفاً من قصف أميركي أو إسرائيلي، وانتشرت في البساتين على ضفة نهر الفرات، بينما أبقت عناصر حراسة على مقراتها.

يأتي ذلك بعدما ذكرت مواقع وشبكات محلية أن طيراناً مجهول الهوية (يُرجح أنه تابع للتحالف الدولي) استهدف في الأيام الأخيرة على نحو متكرر مواقع في ريف مدينة البوكمال، فيما تحلق طائرات مسيرة مجهولة بشكل كثيف في أجواء المدينة وريف دير الزور الشرقي. وعمدت المليشيات المدعومة إيرانياً إلى التخفّي بين المدنيين، خشية استهدافها، وفق وكالة "الأناضول"، التي نقلت عن مصادر قولها إن المليشيات الإيرانية شهدت تحركات واسعة عقب مقتل سليماني، إذ قامت بإخلاء مقراتها ونقاطها العسكرية في منطقتي البوكمال والميادين، ويتجنب قادتها وعناصرها الاجتماع مع بعضهم البعض إلا في حالات الضرورة.

في المقابل، عززت القوات الأميركية المتمركزة في دير الزور من تدابيرها، وأقامت حواجز أمنية جديدة، وزادت من أعداد دورياتها. كما تواصل القوات الأميركية تسيير دوريات في محيط حقل غاز "كونيكو" وسط انتشار مكثف لعناصر "قسد" على ساتر الحقل مع عربات مصفحة وراجمات صواريخ، إضافة لتحليق مكثف للطائرات المسيرة الأميركية على طول نهر الفرات لمراقبة أي تحركات هناك، فيما تتجول أرتال أميركية في الريف الشرقي لدير الزور بغطاء من المروحيات. كما استقدمت "قسد" تعزيزات عسكرية إلى قرية جديد عكيدات الواقعة على تماس مع قرية طابية جزيرة الخاضعة لسيطرة قوات النظام والمليشيات الموالية لها.

وكانت مصادر محلية قد ذكرت في وقت سابق أن وفداً من بعض العشائر في المنطقة اجتمع، في 26 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، في طهران، مع سليماني، بهدف توجيه وتوحيد القوى ضد القوات الأميركية. وتزامن ذلك مع شن المقاتلات الأميركية غارات على مواقع لـ"الحشد الشعبي" في العراق وسورية، أسفرت في العراق عن مقتل نحو 30 منهم، بينما استهدفت في سورية مستودعاً للأسلحة في منطقة "الكم" ببادية البوكمال التي ينتشر فيها عناصر من مليشيا "لواء فاطميون" الأفغاني.

ومنذ تلك الغارات، فرضت المليشيات الموالية للحرس الثوري الإيراني إجراءات أمنية إضافية، شملت حظراً للتجول في مدينتي البوكمال والميادين، إضافة إلى تقييد حركة العناصر السوريين في صفوفها، مثل منعهم من الدخول إلى المربع الأمني في الحزام الأخضر، وبعض الأحياء، مثل الجمعيات والهجانة، وسط شكوك بأنهم قد يكونون مصدراً للاختراق الأمني في صفوف تلك المليشيات. كما جرت حملات اعتقال في مناطق دير الزور، طاولت شباباً من أبناء المنطقة بتهم أمنية، متعلقة بالتعامل مع جهات خارجية. وقبل هذا الاضطراب في صفوف المليشيات نتيجة الضربات الأميركية التي حصلت، والتي قد تحصل مستقبلاً، كانت تلك المليشيات قد عززت صفوفها بمجموعات جديدة من مليشيا كتائب "الإمام الحجة" العراقية، إثر انسحاب مجموعات من عناصر الحرس الثوري الإيراني نهاية العام الماضي. وحسب مواقع محلية، فان مليشيا "الإمام الحجة"، والتي يبلغ تعدادها نحو 300 عنصر، انتشرت في مناطق متفرقة من البوكمال، واستولت على عدد من منازل المدنيين داخل المدينة، وأقامت مقرات عسكرية فيها. كما انتشر عدد من عناصرها على شاطئ النهر المقابل لمناطق سيطرة "قسد".

كما وصلت إلى المنطقة مليشيا جديدة تابعة لإيران تدعى "فوج السيدة زينب"، بحسب شبكة "دير الزور 24"، بعدد يصل إلى نحو 100 عنصر، وتمركزت في محطة الـT2 في بادية البوكمال، وفي منطقة الحزام في مدينة البوكمال. واستولى عناصر هذه المليشيات، مع عناصر الحرس الثوري، على مستشفى خاص وحولوه إلى مستشفى عسكري خاص بهم، وهو مستشفى "الهناء" الجراحي في مدينة البوكمال. كما استولت مليشيا "اللواء 47" التابعة للحرس الثوري على منازل المدنيين قرب المستشفى، التي نزح مالكوها إلى منطقة سيطرة المعارضة في ريف حلب، وحوّلتها إلى مستودعات لتخزين الأدوية واللوازم الطبية. وسبق أن استولت المليشيات الإيرانية الموجودة في البوكمال على مبانٍ ومنازل أصحابها مقاتلون سابقون في الجيش السوري الحر أو مدنيون نازحون. وتسيطر المليشيات الإيرانية منذ العام 2017 على ريف دير الزور، بشكل كامل. ولا تقتصر تلك الهيمنة على الجانب العسكري فقط، بل تتعداه إلى المجالين الثقافي والإداري، كما تتحكم في قرارات مؤسسات النظام السوري في المدينة، خصوصاً القضاء والتعليم، فيما تقوم بنشاطات مكثفة لتشييع أبناء المنطقة، خصوصاً الأطفال والشباب، بواسطة فرق الكشافة التابعة للحرس الثوري.

وعلى الصعيد العسكري، يواصل الحرس الثوري العمل على إنشاء قاعدة عسكرية، تعرف بـ"مجمع الإمام علي"، على أساس أنها تابعة للنظام، بينما هي تتبع للإيرانيين. وقد جرى استهدافها في وقت سابق بغارات إسرائيلية، لكن ذلك لم يمنع إيران من مواصلة العمل فيها. وقطعت العملية أشواطاً كبيرة وفق ما أظهرت صور ملتقطة بالأقمار الصناعية نشرت أخيراً. ويظهر آخر فحص للقاعدة توسعها إلى حد كبير، إذ باتت تضم طرقات داخلية تصل إلى 30 كيلومتراً، وترتبط كذلك بقاعدة "التيفور" الاستراتيجية. كما توجد لإيران قواعد عسكرية أخرى في البوكمال، لكنها مكشوفة، وتتوزع بين مطار الحمدان وقرية الهري، وفي المنطقة الصناعية.

ويرى مراقبون أن الهدف من الاستهداف المتكرر لهذه المنطقة هو منع إيران من تحقيق مشروعها، أو إبقاء المليشيات في حالة عدم استقرار، وبالتالي فإنها لا تستطيع تثبيت نقاطها العسكرية من أجل متابعة توسعها في البادية السورية، وكذلك قطع طرق الإمداد للنظام السوري ومنع التواصل بين مناطق سيطرة "الحشد" والمليشيات على جانبي الحدود. وتشير تقارير عدة، إلى أن إيران تجهز معبر البوكمال، الذي افتتح رسمياً نهاية سبتمبر/ أيلول الماضي، ليكون الممر البري الأساسي لنقل القوات والأسلحة والمعدات من العراق إلى سورية ومنها إلى لبنان، في ما يعرف بالطريق البري بين إيران والبحر المتوسط. وهي تخطط لمد سكة حديد من أراضيها لخدمة هذا الممر.

وإضافة إلى عمليات النقل والتخزين في تلك المنطقة، تتولى المليشيات هناك تأمين المعبر والبضائع التي تمر به، أو التي يتم تخزينها على الجانب السوري من الحدود بشكل مؤقت، إضافة إلى مهمة الدفاع عن المعبر والمعسكر من خطر تنظيم "داعش" الذي لا يزال نشطاً هناك، ومن القوات الكردية التي تعمل بمساعدة مستشارين أميركيين. وتهدف إيران إلى أن تكون مدينة البوكمال ممراً لها للوصول إلى الميناء البحري، الذي تسعى إلى إنشائه على الساحل السوري، بعدما تم الاتفاق مع النظام، في العام 2017، على تخصيص خمسة آلاف هكتار لإنشاء ميناء نفطي، في حين جرت، وفق وسائل إعلام النظام، اجتماعات بين شركة "خاتم الأنبياء" الإيرانية ووزارة النقل في حكومة النظام، لبحث دراسة إنشاء ميناء في أقصى جنوب محافظة طرطوس، قرب الحدود اللبنانية في منطقة الحميدية، وهو ما سيسهل على إيران تصدير غازها إلى أوروبا عبر العراق وسورية.

تعليق: