استنفار سوداني لإحباط "تدخل إنساني" بالنيل الأزرق وجنوب كردفان

استنفار سوداني لإحباط "تدخل إنساني" بالنيل الأزرق وجنوب كردفان

23 اغسطس 2015
الصورة
يقوم إبراهيم غندور بجولات مكّوكية إلى الدول الأفريقية(فرانس برس)
+ الخط -
أجرت الحكومة السودانية تحركات دبلوماسية "مكّوكية" في أفريقياً، أخيراً، من خلال جولات قام بها وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور إلى 12 دولة أفريقية عضواً في مجلس السلم الأفريقي في أقل من شهر. حاول غندور من خلال تحركاته تعطيل اقتراح يتضمن تدخلاً إنسانياً دولياً في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان اللتين تشهدان حرباً أهلية بين الحكومة في الخرطوم و"الحركة الشعبية" (قطاع الشمال) منذ نحو أربعة أعوام.

ووفقاً لبعض التسريبات، فإنّ نقاشاً جدياً ظهر في أروقة مجلس السلم الأفريقي حول الاقتراح الذي كان أساساً اقتراحاً أميركياً، وعمدت واشنطن إلى تسويقه عبر المنظمة الأفريقية كإجراء أولي قبل إحالته إلى مجلس الأمن لإضفاء الصبغة الدولية عليه. ويتضمن الاقتراح إيصال مساعدات إنسانية إلى المتضرريين في الحرب هناك، من دون موافقة حكومة الخرطوم، فضلاً عن إقرار عقوبات عليها.

وسبق أن قاد المبعوث الأميركي إلى السودان، برتسون ليمان، تحركات وسط الدول الأفريقية لحشد الدعم والتأييد للتدخل الإنساني الدولي في منطقتي النيل الأرزق وجنوب كردفان، ولا سيما بعدما تفاقمت الأزمة الإنسانية هناك، في ظلّ فشل الحكومة و"الحركة الشعبية" في الوصول إلى اتفاق يسمح بتمرير المساعدات. وقد فشلت خمس جولات تفاوضية بين حكومة الخرطوم و"الحركة"، برعاية أفريقية ترأّسها الرئيس السابق لجنوب السودان ثامبو أمبيكي، في فتح مسارات تسمح للمنظمات الدولية بالوصول إلى المتضرريين وخصوصاً في مناطق سيطرة الحركة الشعبية (قطاع الشمال) التي يعيش أهلها أوضاعاً إنسانية صعبة، ويقدّر عددهم بنحو مائة ألف نسمة.

وعلى الرغم من توقيع الأطراف السودانية (الحكومة والحركة الشعبية) بشكل منفصل، على اتفاقية مشتركة مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية بهدف إيصال المساعدات منذ العام 2012، فإن الاتفاقية لم تجد طريقها نحو التنفيذ لغاية اليوم، بسبب تعنّت الأطراف السودانية المعنيّة وتبادل الاتهامات بشأن عرقلتها.
وتتمسك حكومة الخرطوم بإدارة عملية المساعدات بشكل كامل، ولا سيما أنّها عبّرت أكثر من مرة عن مخاوفها من أن تستعيد الحركة الشعبية (قطاع الشمال) عافيتها وتقوم بمهاجمتها، بينما ترفض الحركة أي خطوة من قبل الحكومة وتطالب بتمرير المساعدات عبر دولة مجاورة، مثل أثيوبيا أو جنوب السودان.

ومنذ اندلاع النزاع في المنطقتين، حرصت الحكومة في الخرطوم على عدم فتح معسكرات للنازحين من تلك الحرب والسماح للمنظمات الدولية بتقديم المساعدات، خوفاً من تكرار تجربة الحرب في إقليم دارفور، إذ لدى الخرطوم قناعة تامة أنّ المنظمات، ومن خلال عملها في المعسكرات، تولّت ملف درافور.

اقرأ أيضاً: الخرطوم تحتج على بيان أوروبي عن الوضع الإنساني بالبلاد

ويرى مراقبون أن تحرّكات الحكومة الأخيرة بين العواصم الأفريقية بسبب مخاوفها من تمرير اقتراح التدخل الإنساني، باعتبار أنّه يشكل خطوة أولى أمام تدويل الملف الإنساني ونقله إلى مجلس الأمن الدولي. كما يعتبر مراقبون أنّ في هذه الخطوة محاولات لتجنب المواجهة مع مجلس السلم الأفريقي وايجاد موقف متوازن. ويرى المحلل السياسي، محمد الحاج في حديث لـ"العربي الجديد"، أنّ أكثر ما تخشاه الحكومة، هو أن يُمرّر القرار وينتقل بدوره إلى مجلس الأمن ليشكل ورقة ضغط أخرى عليها، تستخدمها القوى الغربية لمساومتها وتضع الحكومة تحت رحمته.

ويزور البلاد حالياً، وفد من مجلس الأمن ومجلس السلم الأفريقي برئاسة سفيرة دولة تنزانيا، ناييمي إزيزي، بدعوة من الحكومة السودانية في إطار مساعيها لإجهاض الاقتراح، فضلاً عن ايجاد دعم قوي في ما يتصل بإخراج البعثة المشتركة للاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور "يوناميد" من إقليم دارفور، وخصوصاً بعد توقف اجتماعات اللجنة الثلاثية التي تضم الحكومة والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة الخاصة بدراسة استراتيجية الخروج وتمديد المجلس للبعثة عاماً آخر، فضلاً عن رفض الأمم المتحدة التوقيع على نتائج مشاورات اللجنة المشتركة في ما يتصل باستراتيجية الخروج في اللحظات الأخيرة.

وقالت إزيزي إن زيارة الوفد إلى الخرطوم تأتي في إطار تقييم الأوضاع على الأرض في إقليم درافور، من خلال الحصول على المعلومات من مصدرها، ليتمكّن مجلس السلم الأفريقي من تقييم الوضع بصورة صحيحة ومرضية، ويتّخذ القرارات المناسبة في المسارات المختلفة ومن بينها الإنساني. وعقد الوفد الأفريقي اجتماعات مع مسؤوليين حكوميين، حاولت من خلالها الحكومة تفنيد البيان الذي أصدره المجلس الشهر الماضي، والذي انتقد فيه تدهور الوضع في دارفور، فضلاً عن استمرار النزاع، الأمر الذي اعتبره المجلس مهدداً للسلم في السودان والدول المجاورة، معرباً عن قلقله إزاء الوضع الإنساني.

وأكدت الخارجية السودانية أنها تعوّل على مجلس السلم الأفريقي لمساعدتها في تنفيذ استراتيجية الخروج. وقال غندور إنّه من خلال الحوار مع الوفد، أقرّ الأخير بخطأ جاء في تقرير الـ"يوناميد" الأخير، الذي بناء عليه، أصدر المجلس بياناً ضد الخرطوم.

وتواجه الدول الغربية بمجموعة ضغط قوية لاتخاذ خطوات حقيقية لمواجهة الأزمة الإنسانية في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، ولا سيما بعد صدور التقارير في ما يتصل بالحالة الإنسانية المزرية التي وصل إليها المتضررون في مناطق الحركة، في ظلّ رفض الحكومة ايصال المساعدات إليهم. وبدأ ناشطون غربيون في الضغط لإصدار قرار يحظّر تجوّل الطيران في ولاية جنوب كردفان.

وأصدرت منظمة العفو الدولية أخيراً، تقريراً أكدت فيه أنّ لديها أدلّة قاطعة تثبت تورط الجيش السوداني في ارتكاب جرائم حرب في جنوب كردفان. واتهمت المنظمة الجيش باستخدام قنابل عنقودية والقيام بعمليات قصف عشوائية، فضلاً عن التسبب في الأزمة الإنسانية هناك. وأكدت المنظمة أن حركة النزوح الجماعي قادت إلى انضمام ثلث السكان للنازحين، أي ما يعادل 1.4 مليون نسمة يعيشون في ظروف صعبة، فضلاً عن فرار الآلاف إلى دولة جنوب السودان.

اقرأ أيضاً: الحركة الشعبية "قطاع الشمال" تضع شروطها لخوض المفاوضات

المساهمون