استقالة الرئيس البوليفي إيفو موراليس بعد احتجاجات واسعة

10 نوفمبر 2019
الصورة
موراليس يستجيب لضغط الشارع (خافيير ماماني/Getty)
أعلن الرئيس البوليفي، إيفو موراليس، الأحد، تقديم استقالته من رئاسة البلاد بعد موجة احتجاجات مستمرة منذ ثلاثة أسابيع على إعادة انتخابه لولاية رابعة، وبعدما أشار الجيش إلى ضرورة استقالته، وسط رد فعل عنيف على الانتخابات المتنازع عليها التي جرت في الشهر الماضي.

كما أعلن موراليس أنّ مذكّرة توقيف "غير قانونيّة" قد صدرت بحقّه. وكتب موراليس على تويتر "أُعلن للعالم وللشعب البوليفي أنّ ضابط شرطة قال علناً إنّه تلقّى تعليماتٍ بتنفيذ أمر اعتقال غير قانونيّ صدر بحقّي".


ونفى قائد الشرطة، فلاديمير يوري كالديرون، وجود مذكرة توقيف كهذه بحق موراليس. وقال لتلفزيون يونيتيل المحلي إنّ قضاة المحكمة الانتخابية العليا هم المستهدفون فقط بهذا الإجراء.

غير أنّ لويس فرناندو كاماتشو، وهو أحد المعارضين الرئيسيين لموراليس، والذي أدّى دورا أساسياً في الحراك الذي دفع الرئيس إلى الاستقالة، أكّد وجود مذكرة توقيف بحق موراليس. وكتب كاماتشو على تويتر "لقد تأكد ذلك! هناك أمر اعتقال بحق إيفو موراليس. الشرطة والعسكريون يبحثون عنه في شاباريه". وشاباريه منطقة في كوشابامبا بوَسط بوليفيا.

وأضاف كاماتشو "العسكريون أخذوا الطائرة الرئاسية، وهو (موراليس) مختبئ في شاباريه. سوف يحضرونه! العدالة!". 

وقال وزير الخارجية المكسيكي، مارسيلو إبرارد، يوم الأحد، إن بلاده ستعرض اللجوء على رئيس بوليفيا إيفو موراليس إذا طلب ذلك.

وكتب الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور على تويتر قائلاً إن بلاده "تعترف بالموقف المسؤول لرئيس بوليفيا، إيفو موراليس، الذي فضل الاستقالة على تعريض شعبه لأعمال عنف".


ويحكم موراليس بوليفيا منذ 2006 وكان الجيش والشرطة طالباه في وقت سابق بالتنحي.

وقبل ساعات من إعلان استقالته، وافق موراليس على إجراء انتخابات رئاسية جديدة، بعد أن خلص تقرير من منظمة الدول الأميركية إلى أن مخالفات كبرى شابت الاقتراع الذي جرى في 20 أكتوبر/تشرين الأول، وأدى إلى فوز الزعيم اليساري بولاية جديدة.

واندلعت احتجاجات وأعمال عنف في العاصمة البوليفية بعد الإعلان عن استقالة موراليس،  وبحسب مصادر خاصة لـ"العربي الجديد" في لاباز، فقد أصدر المدعي العام أوامر بالقبض على قضاة اللجنة الوطنية للانتخابات بتهمة تزوير الانتخابات، وبحسب المصادر يجري البحث عن شخصيات في النظام من ضمنها نائب الرئيس، ألفارو غارسيا، ومساعد الرئيس رامون كنتانا، ووزير الداخلية، كارلوس ريميرو.

وقالت السفيرة الفنزويليّة في بوليفيا، كريسبيلي غونزاليس، إنّ مقرّ السفارة الفنزويليّة في لاباز قد استولى عليه الأحد محتجّون ملثّمون، إثر استقالة الرئيس البوليفي إيفو موراليس حليف كاراكاس.

وأضافت الدبلوماسيّة لوكالة الأنباء الرسمية "ايه بي آي"، "استولى أشخاص مقَنّعون (بحوزتهم) ديناميت ودروع، على السفارة الفنزويلية في بوليفيا. نحن بخير وأمان، لكنهم يريدون ارتكاب مجزرة بحقّنا. ساعدنا في الإبلاغ عن هذه الوحشيّة".

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات من اندلاع مواجهات بين الشارع المؤيد للرئيس المستقيل موراليس وخصوصا السكان الأصليين من جهة، والشارع المعارض له والمؤيد لما يشبه عملية انقلابية من الجيش والشرطة على الرئيس.

وتسود مخاوف في أوساط السكان الأصليين من خسارة المكاسب الاجتماعية والاقتصادية التي تحققت لهم خلال فترة حكم موراليس. وقد يرفع ذلك من احتمال اندلاع صراع قد يؤثر على دول الجوار التي يعيش فيها السكان الأصليون تهميشا.

وإثر أسابيع من التوتر والصدامات في الشارع البوليفي رضخ موراليس لضغوط المؤسسة العسكرية ولمقربين منه في معسكره اليساري، وفقاً لإعلان الجيش، الذي دعاه موراليس في وقت سابق للوقوف إلى جانب إرادة الشعب.

وتتضارب الأنباء حول مكان أو وضع موراليس فيما يبدو أن الأوضاع على حافة الخروج عن السيطرة في الشارع المحتج.

ولم تفلح كل محاولات موراليس لإجراء إعادة عد للأصوات التي تقول المعارضة إنها غير صالحة، وإن كان قد وعد في محاولة لإيجاد مخرج لأزمة مستعصية في الشارع بأنه على استعداد لإعادة الانتخابات إذا ما وجد أي تلاعب فيها، واعداً أيضا بتغيير رئيس لجنة الانتخابات.

وحكم إيفو موراليس البلاد منذ 2006 كأول رئيس منتخب من قبل أغلبية السكان الأصليين، حيث تحققت في عهده إنجازات اقتصادية وإصلاحات اجتماعية طورت من وضع بوليفيا وخفضت من معدلات الفقر من نصف السكان إلى ما دون 30 في المائة، مع تراجع معدلات الفقر سنوياً بنسبة وصلت العام الماضي إلى 8 في المائة.

وعلى الرغم من محاولات الولايات المتحدة الأميركية على مدى الأسابيع الماضية الضغط في بوليفيا بتصريحات سياسية وتغطية إعلامية لمصلحة قوى المعارضة إلا أن شعبية موراليس لم تتراجع بين الطبقات الفقيرة أو التي استفادت من إصلاحاته، ويخشى أن يؤدي ذلك إلى تعميق الانقسام أكثر بين معسكرين متضادين في بوليفيا. وكانت مقدمات هذا الانقسام أقلقت منظمة الدول الأميركية بعد أن تبين وجود شارعين متقابلين في المواجهة حول شرعية فوز موراليس.

وتجري هذه التطورات المتلاحقة بعد أن أوصت منظمة الدول الأميركية بإعادة انتخابات الرئاسية بوجود مراقبين دوليين.

ويبقى الغموض سيد الموقف حول ما ستحمله المرحلة التالية، خصوصاً بدخول العسكر على الخط بعد أن وضعت المعارضة، وفقاً لأحد أبرز وجوهها لويس فيرناندو كاماشو، "رسالة استقالة" توجه بها إلى القصر الحكومي للحصول على إمضاء موراليس عليها لترك منصبه.

ولم يمضِ وقت طويل يوم الأحد على تلك الخطوة التي قام بها كاماشو، حتى أعلن الجنرال وليامز كاليمان أن "الرئيس ترك منصبه حفاظاً على السلم والاستقرار في البلد" في كلمة له على القناة التلفزيونية البوليفية.



الجدير بالذكر أن الاحتجاجات اندلعت منذ 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد إعلان اللجنة الانتخابية عن أن موراليس فاز بنسبة 47 في المائة على منافسه كارلوس ميسا الذي حصل على نسبة 36.5 في المائة.

ورُفضت هذه النتائج من جانب المعارضة التي تدعمها الطبقة المتوسطة والجيل الشاب الذي لم يعايش حالة بوليفيا كأفقر بلد في أميركا الجنوبية، في مقابل مخاوف طبقات لا تزال تعاني الفقر، وخصوصاً بين السكان الأصليين الذين يشكلون أغلبية السكان بعد أن تزايدت آمالهم بالمساواة بعد عقود طويلة من التهميش والاستغلال تحت حكم أقلية رأسمالية من أصول أوروبية.

وظلت لاباز تشهد مظاهرات شبه يومية يحيط فيها المتظاهرون بمقرات ومخافر الشرطة في محاولة منهم لاستمالة ضباط الأمن إلى صفوفهم ضد الرئيس الذي كانت القوى الأمنية والعسكرية تواليه. وبالفعل استطاع المتظاهرون استمالة ضباط الشرطة في مدينة ترينداد، حيث أيد العديد من الضباط ورجال الشرطة خلال الساعات الماضية مطالب المتظاهرين باستقالة موراليس، وهو ما أعلنه بعض الضباط علناً على شاشة إحدى القنوات التلفزيونية المحلية في مقاطعة سوكري.

وخلال الاحتجاجات العنيفة في الشارع البوليفي قُتل 3 متظاهرين، وجُرح البعض بعد صدامات ومحاولة الأمن البوليفي فض الاعتصامات ومحاصرة مقرات الشرطة في عدد من المدن.

ويبقى السؤال في الشارعين السياسي والشعبي عن مصير ومستقبل موراليس الذي يبلغ من العمر ستين عاماً وكان يأمل البقاء في السلطة حتى 2025، بالإضافة إلى السؤال الكبير عن الدور الذي لعبه الجيش في الاستقالة أو الإقالة، ما يعيد إلى الأذهان المخاوف من عودة متوالية الانقلابات العسكرية في القارة التي خرجت منها نحو انتقال ديمقراطي في تسعينيات القرن الماضي، وخصوصاً بوجود توترات سياسية واجتماعية في أكثر من بلد في القارة كما هو الحال في تشيلي.​