استعادة نجا المهداوي: الحرف خارج سلطة الماضي

20 مارس 2018
الصورة
(من المعرض)
منذ أن درس رحلة بول كلي (1879 – 1940) إلى بلاده، قرّر الخطاط والتشكيلي التونسي نجا المهداوي (1937) فهم فلسفة الحرف وأن يعيد إنتاجه ضمن قراءة جديدة، كان ذلك بعد تخرّجه من "أكاديمية سانتا أندريا" في روما، وإكمال دراسته بعد ذلك لتاريخ الفن العربي في "مدرسة اللوفر" في باريس.

تعلّمه في أكاديميات الغرب في ستينيات القرن الماضي، وتجواله بين تياراتها ومدارسها، قادته إلى رحلة معكوسة قارئاً إرثه العربي في معارض أوروبا، متجّهاً بعدها إلى إسطنبول للتعرّف على عمارتها وفنونها الإسلامية، ثم تتبّع أثر كلي في القيروان، لينطلق في طريقه التي اختارها عن وعي وذائقة خاصة لم يفارقا مشواره.

في "رواق المرسى" في تونس العاصمة، يحطّ معرضه الأخير الذي يتواصل حتى الخامس والعشرين من الشهر الجاري، ويضمّ حوالي خمسين عملاً تتنوّع بين المنسوجات والتصوير والرسم والخط والنحت، تمثّل استعادةً لتجربته بين عامي 1966 و2018.

من المعرضتعكس الأعمال المعروضة منظوره الخاص في التعامل مع نصوص التراث والشعر والقرآن التي اتكأ عليها في تقديم أشكال فنية مختلفة، عبر تحرير الحروفيات من مرجعياتها القديمة التي لا تبتعد معظمها عن تأطيرها كأيقونات، بينما هو يراها جزءاً من الواقع وعنصراً أساسياً من عناصر تكوينه قادراً على حمل معانٍ وثيمات متجدّدة.

تحقيقاً لما آمن به، ظلّ حريصاً على أن يكون الحرف مجموع نقاطه في الحياة التي نعيشها، وليس نقاطاً وفق تشكيل هندسي زخرفي مجرّد، ووفق ذلك انتقل بخطوطه من جدارها الذي علّقت عليه مئات السنين إلى أن تمتلك حضورها وتطوّرها في حياتنا المعاصرة، من خلال جداريات التي صمّمها في أكثر من مدينة عربية، وفي تجريبه المستمر في تحويل الخط إلى مفردة راهنة في التشكيل تتطوّر مع تطوّره وتتفاعل مع داخله ومع محيطها، لينتقل به من سلطة ماضوية إلى واقع جمالي ومعاش.

تأسيساً لهذه الرؤية الفلسفية، لم يجد المهداوي حدوداً أو فواصل بين الخط وسائر الفنون بدءاً من لوحته التي تُعرض باعتبارها منتجاً لرسام يعمل خارج المساحات الكلاسيكية المعهودة، وفي تصميمه أغلفة الكتب الأدبية، وحواره المشترك هو بالرسم والغرافيك والموسيقي العراقي الراحل منير بشير باللحن، وفي تجاربه على النسيج والطبول والزجاج والجلد والخشب والذهب والنحاس والطائرات، وصولاً إلى تصميم الأزياء.

دلالات