استراتيجيات الطاقة ...ترتيبات أمنية بالخليج تقودها الصين ضد أميركا

23 اغسطس 2019
الصورة
أمن الناقلات بمضيق هرمز يفتح باب النفوذ الصيني (Getty)
كشفت تقارير غربية أن العاصمة الصينية بكين التي تربطها مصالح نفطية واستثمارية كبرى بدول منطقة الخليج كانت الوسيط وراء الترتيبات الأمنية السرية التي جرت بين أبوظبي وإيران خلال الفترة الأخيرة، وتم على أثرها توقيع مذكرة تفاهم لتعزيز أمن الحدود. 

وقالت نشرة "ذا ديفينس أفيرز" الشهرية الأميركية، إن نفوذ التحالف الصيني الروسي بات يتزايد في منطقة الخليج، مستفيداً من شكوك كل من الرياض وأبوظبي في النوايا الأميركية الخفية من تصعيد التوتر في الخليج، وزادت هذه الشكوك بعد امتناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن توجيه ضربة عسكرية لإيران في شهر يونيو/ حزيران الماضي.

ويأتي اهتمام تحالف "بكين ـ موسكو" بمنطقة الخليج ضمن استراتيجية السباق مع الولايات المتحدة على الهيمنة على منابع الطاقة وممراتها وتحديد أسعارها في العالم. وهو ما يرفع من قلق واشنطن ويهدد مستقبل نفوذها في المنطقة الغنية بالنفط.

وحسب تقرير "ذا ديفينس أفيرز"، فإن هذا النفوذ المتزايد للصين وحليفتها روسيا، ستكون له تداعيات مستقبلية على أسعار النفط وتسعير النفط بالدولار، أي ما يطلق عليه "البترودولار". وهو ما يضيف بعد الطاقة إلى حروب الرسوم والعملات  والتقنية في النزاع التجاري المتشعب والشرس بين الولايات المتحدة والصين. ويمثل تسعير النفط بالدولار واحداً من أهم مكونات قوة الدولار في النظام المالي العالمي.
وحسب تقرير النشرة الدفاعية، تستفيد بكين وحليفتها موسكو في تعزيز نفوذها بمنطقة الخليج من تزايد مخاوف كل من السعودية والإمارات من النفوذ المتزايد لإيران، خاصة بعد الهجمات التخريبية على ناقلات النفط التي عرقلت حرية الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي والضربات العسكرية المؤثرة والمتواصلة لجماعة الحوثي في اليمن على منشآت نفطية وعسكرية في السعودية. 

وكان آخر هذه الهجمات على حقل الشيبة الذي ضربته الجماعة بعشر طائرات مسيرة، وكذا على الهجوم على مطار أبوظبي.

ويلاحظ أن التحالف الصيني الروسي الساعي للسيطرة على أمن الطاقة وأسعارها في العالم وانتزاع ذلك من واشنطن، يستفيد في تمتين نفوذه في الخليج، من تزايد الشكوك لدى كل من ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان من انسحاب واشنطن في المستقبل من المنطقة. 

وكانت كل من الرياض وأبوظبي تعتقدان أن الولايات المتحدة ستشن حرباً سريعة على إيران شبيهة بحرب العراق. من هذا المنطلق يقول التقرير، إن مخاوف كل من بن زايد وبن سلمان من واشنطن دفعهما للبحث عن الحماية في الصين. 

وقد أشار إلى هذا التوجه الجديد في الترتيبات الأمنية، الملياردير الأماراتي خلف الحبتورالذي قال فيه، "على أميركا سحب قواتها من الخليج ... خذلنا ترامب ولم يضرب إيران". ويقول التقرير، إن التقارب الذي تم بين أبوظبي وطهران الذي ترعاه بكين، تم تحت غطاء حرس الحدود وخفر السواحل وما تلاه من مفاوضات تم بوساطة صينية.

وأشار في هذا الصدد، إلى أن محمد بن زايد طلب من الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال زيارته الأخيرة إلى بكين في يونيو/ حزيران التوسط لدى طهران، وتبعاً لذلك أرسل الرئيس شي مسؤول العلاقات الخارجية بالحزب الشيوعي سونغ تو إلى طهران لبحث ترتيبات أمنية جديدة في الخليج بإشراف بكين وموسكو. وخلال لقاءات مع كبار المسؤولين في إيران ومن الدائرة المقربة من المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، طلب المسؤول الصيني سونغ تو من إيران التقارب مع أبوظبي والسعودية.

وبناء على ذلك قامت الحكومة الصينية بترتيب أول لقاء سري بين أبوظبي وكبار المسؤولين في إيران في 26 يوليو/ تموز الماضي. وفي 30 يوليو/ تموز، أرسلت أبوظبي وفداً ضم ممثلاً شخصياً لولي العهد محمد بن زايد لمناقشة الترتيبات الأمنية الجديدة مع طهران وجرت المحادثات تحت غطاء مفاوضات "حرس الحدود".
ويقول التقرير إلى أن الممثل الخاص لولي العهد الإماراتي أكد للإيرانيين أن بلاده على استعداد لإجراء تغيير جذري في علاقاتها معهم بما في ذلك التقارب السياسي وتوسيع العلاقات التجارية. وحسب التقرير أثار المسؤولون الإيرانيون مع الوفد الإماراتي قضية موقف السعودية من هذه الترتيبات الأمنية الجديدة.

وكان رد الوفد الإماراتي أن كل هذه الترتيبات بما في ذلك الوساطة الصينية للتقارب مع إيران تمت بالتنسيق بين ولي العهد محمد بن زايد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وقال التقرير، "بناءاً على هذه الترتيبات جاءت تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد طريف في نهاية يوليو/تموز الماضي التي قال فيها، "إيران جاهزة للحوار مع السعودية". 

مصالح اقتصادية ضخمة

لدى بكين مصالح نفطية واستثمارية وتجارية واسعة في كل من الإمارات والسعودية وكذا في دول خليجية أخرى.
حيث تتزايد واردات الصين من النفط. وحسب البيانات الصينية الرسمية، بلغت واردات الصين 9.7 ملايين برميل يومياً من النفط خلال شهر يونيو/ حزيران الماضي.

وتأتي معظم هذه الصادرات من منطقة الخليج وعلى رأسها السعودية، إذ بلغت واردات الصين من النفط السعودي 19.5% من إجمالي استهلاكها أو 1.9 مليون برميل يومياً في شهر يونيو/ حزيران. كما تستورد الصين كميات نفط ضخمة من أبوظبي، وتعد دبي من أهم مراكز تسويق البضائع الصينية في المنطقة العربية. وبالتالي فإن الصين مهتمة بحماية المرور الآمن للنفط عبر مضيق هرمز ومهتمة كذلك بتوسيع تجارتها مع دول الخليج.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى التصريحات الصينية الأخيرة التي لا تستبعد مشاركتها في حراسة ناقلات النفط في مضيق هرمز.
في هذا الصدد يقول البروفيسور شن شياو تشين، الأستاذ بمعهد العلاقات الدولية في جامعة الشعب الصينية، في تصريحات نقلتها وكالة سبوتنيك الروسية، "يجب أن نرافق السفن الصينية ونضمن سلامتها في حدود قدراتنا. الضمان الأمني هو ضمان لتحقيق مكاسب تجارية".

وفي الوقت نفسه، يقول تشين "لا تؤثر مشكلة النفط على المصالح الاقتصادية فحسب، بل أيضًا على المصالح السياسية والعسكرية والاستراتيجية. بالإضافة إلى ذلك، فإن حراسة السفن الصينية باستخدام سفن حربية صينية قرار حاسم للصين".
مصالح روسيا في المنطقة

على الصعيد الروسي، فلدى روسيا مصالح نفطية واسعة في المنطقة، خاصة في إيران التي لديها شراكة طاقة واتفاقيات لتطوير النفط والغاز، كما أنها ترغب في السيطرة على تسويق الغاز الإيراني في المستقبل بشكل لا يتنافس معها في أوروبا.

في هذا الصدد يقول مدير معهد الطاقة الوطنية سيرغي برافوسودوف: "يجب أن يكون مفهوماً أن إيران تحتل المرتبة الثانية في العالم من حيث احتياطي الغاز، بعد روسيا. وهي قريبة بما فيه الكفاية من الأسواق الأوروبية، أي من سوق تصريف الغاز الروسي".

وتتخوف موسكو من قيام واشنطن بعمل يؤدي إلى تغيير النظام الحالي في إيران ويأتي بنظام موال لواشنطن. من هذا المنطلق، يمكن القول إن موسكو ترغب في عرقلة الخطط الأميركية لتغيير النظام في إيران من جهة، ومن جهة أخرى التوسع في تسويق الغاز والنفط في آسيا وأوروبا.

ويشير الخبير ألكسندر كريلوف إلى أن تغيير النظام في طهران إلى نظام مؤيد لأميركا، لن يخدم مصلحة استراتيجية الطاقة الروسية، لأنه يمنح إيران الفرصة لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا ومحاصرة الغاز الروسي.

على الصعيد الأميركي، حذر مسؤول كبير بوازرة الدفاع الأميركية من مخاطر تزايد النفوذ الصيني في الخليج على مستقبل التعاون العسكري بين أميركا وحلفائها.

وقال كبير مسؤولي وزارة الدفاع الأميركية، مايكل ميلروي، في تصريحات لصحيفة " فاينانشيال تايمز"، أول من أمس الأربعاء، إن الصين ربما تستخدم استثماراتها في المنطقة للضغط على دول المنطقة... الاستثمارات مهمة ولكننا قلقون من أن تقود المصالح الاستثمارية إلى تداعيات سلبية تؤثر على التعاون العسكري". وأشار إلى تزايد علاقات الصين مع كل من الإمارات والسعودية ومصر.