اتفاق بغداد وأربيل الأمني: تضارب وخوف من عودة البشمركة

11 يوليو 2020
الصورة
ترفض مكونات في كركوك عودة البشمركة (إدريس أوكودوكو/الأناضول)

على الرغم من الإعلان الرسمي في بغداد عن اتفاق بين الجيش العراقي وقوات البشمركة على ملف إدارة الأمن في المناطق المتنازع عليها، مطلع الأسبوع الحالي، إلا أنّ المواقف والتصريحات التي أعقبت ذلك من الطرفين تبدو متضاربة وغير واضحة، ولا سيما لناحية ما إذا كان الاتفاق يتعلق بتنسيق معلوماتي أو مشاركة أمنية لقوات البشمركة في المناطق التي طُردت منها عقب تنظيم أربيل استفتاء الانفصال عن العراق نهاية عام 2017، وما أعقبه من تحرك عسكري لبغداد تجاه المناطق المتنازع عليها واستعادتها بعد سنوات من تفرد البشمركة في إدارتها، إثر انهيار وحدات الجيش العراقي عقب اجتياح تنظيم "داعش" مناطق عدة شمال وغربي البلاد.

وتُعتبر قضية المناطق المتنازع عليها إحدى أبرز تركات الحاكم المدني الأميركي للعراق، بول بريمر، عقب الغزو الأميركي للبلاد، فبعد إقرار محافظات أربيل والسليمانية ودهوك ذات الأغلبية الكردية، إقليماً إدارياً يتمتع بصلاحيات واسعة بمعزل عن بغداد، أثيرت مشكلة المناطق التي تضم سكانا من المكوّن الكردي إلى جانب مكونات أخرى، إذ طالبت حكومة الإقليم بأن تكون تلك المناطق تحت إدارتها وضمن حدود الإقليم بحجة أن فيها مكونا كرديا بين سكانها. وأُدرجت هذه المطالبة في ما بعد في الدستور ضمن مادة مستقلة عرفت باسم المادة 140، وتشمل على بلدات ومناطق ضمن ديالى وصلاح الدين وكركوك ونينوى، وهي مناطق يصل إجمالي مساحتها إلى أكثر من 60 ألف كيلومتر، وأبرزها كركوك وسنجار وخانقين وزمار ومخور، وكلها مناطق ذات خليط سكاني ديني وعرقي. ونصّت المادة على تنظيم استفتاء للسكان يخيّرهم بين إدارتهم من بغداد أو أربيل، إلا أنّ المهلة التي حددتها، وهي خمس سنوات بشكل أقصى، انتهت ولم ينظم استفتاء وما زالت القضية أحد أبرز الملفات الخلافية بين الطرفين.


عُقدت نحو أربعة اجتماعات متتالية بين بغداد وأربيل لم تكن بعيدة عن الطابع السياسي

واستغل تنظيم "داعش" أخيراً، ما بات يُعرف بالمناطق المظلمة أو الرمادية التي لا تغطيها قوات الجيش العراقي أو البشمركة بفعل الخلاف عليها، ليتخذ منها مقرات آمنة وينشط فيها لتنظيم صفوفه، لا سيما في مخمور وزمار وقره جوغ وسنجار وشمال كركوك ومناطق أخرى باتت تشكل منطلقاً لهجمات واعتداءات إرهابية متكررة على كركوك وصلاح الدين ونينوى.

وبسبب تصاعد الهجمات، دعم التحالف الدولي بقيادة واشنطن إجراء حوار أمني وعسكري بين بغداد وأربيل لإدارة الأزمة في تلك المناطق، وعُقدت نحو أربعة اجتماعات متتالية لم تكن بعيدة عن الطابع السياسي، وسادتها أجواء من التوجس، وفقاً لمسؤولين عراقيين تحدثوا لـ"العربي الجديد". وقال هؤلاء إنّ هناك قيادات كردية ترغب في اتخاذ الاعتداءات الإرهابية "حصان طروادة" للعودة والتمدد في مناطق مختلطة فيها العربي والآشوري والتركماني والأيزيدي والكاكائي والشبكي، ولا ينبغي أن تكون إلا تحت سلطة الدولة الاتحادية العراقية في بغداد.

ووفقاً للمسؤولين، فإنّ التحالف الدولي وتحديداً الجيش الأميركي، يريد حالياً إغلاق منطقة سنجار التي يستفيد حزب "العمال الكردستاني" من الخلاف حولها وينظم صفوفه فيها بفعل وقوعها على خط تماس من الجانب السوري مع "قوات سورية الديمقراطية"، ووجود مشاكل داخل الجهات المسلحة هناك، لافتين إلى أنّ تنظيم "داعش" يستغل هو الآخر حالة الفوضى في نحو 11 ألف كيلومتر من المناطق التي تعد السيطرة عليها مرتبكة بين الجيش العراقي والبشمركة.

وينصّ الاتفاق الجديد الذي أعلنه المتحدث باسم قيادة العمليات العراقية المشتركة اللواء تحسين الخفاجي، عبر وكالة الأنباء العراقية (واع)، على إنشاء مراكز أمنية مشتركة لتأمين المناطق التي تخلو من البشمركة والقوات العراقية لمنع تسلل عناصر تنظيم "داعش"، قائلاً إنّ "قيادة العمليات المشتركة عقدت اجتماعاً أمنياً مع حرس الإقليم (البشمركة) للاتفاق على سد جميع الثغرات الأمنية التي من الممكن أن تستغلها المجاميع الإرهابية". وأوضح أنّ "الخطر المتوقع من المجاميع الإرهابية في تلك المناطق ليس بالكبير أو المقلق، لكن على الرغم من ذلك، قيادة العمليات المشتركة لديها الإمكانيات بمطاردتها، والتحالف الدولي يقوم بتنفيذ ضربات جوية، آخرها قيام سلاح الجو الإسباني بتوجيه ضربة على بعض التجمعات الإرهابية".


ينصّ الاتفاق الجديد على إنشاء مراكز أمنية مشتركة لتأمين المناطق التي تخلو من البشمركة والقوات العراقية

هذا التصريح جاء قبل أن يتسبب تصريح للأمين العام لوزارة البشمركة، جبار ياور، بشأن هذا الاتفاق، بأزمة سياسية، خصوصاً في كركوك، وتضارب في التصريحات وارتباك حتى على مستوى القيادات الأمنية العراقية. إذ قال ياور في تصريح لقناة كردية أخيراً إنه "تمّ الاتفاق على إنشاء 4 مراكز تنسيق مشتركة في مناطق المادة 140، الخاصة بالمناطق المتنازع عليها في ديالى وكركوك ونينوى"، موضحاً أنه "كان هناك نقاش حول آلية عمل تلك المراكز وفي ما إذا ستكون هناك عمليات مشتركة وخطوط مشتركة".

ولفت إلى أنه "كانت لدينا تجربة ناجحة قبل اجتياح داعش للموصل عبر مراكز للتنسيق المشترك في ديالى وكركوك والموصل، وكانت لدينا سيطرات ودوريات وعمل أمني مشترك وكذلك عمليات مشتركة، وتمكنا من السيطرة التامة على تلك المناطق ولم تحدث أي هجمات إرهابية طوال سنوات عديدة، خصوصاً بعد انسحاب القوات الأميركية نهاية 2011". وأضاف: "حالياً نريد إعادة آلية العمل نفسها، لأنّ إرهابيي داعش لهم أوكار في هذه المناطق، وهم يهددون الناس وينصبون الكمائن والألغام ويأخذون الإتاوات".

وعلى الفور، أعلن المكونان العربي والتركماني في كركوك رفضهما لهذا الاتفاق عبر بيانات صدرت عن قوى سياسية تمثّل المكونين، وحمّلا قيادة العمليات المشتركة مسؤولية تواجد أي ضابط من قوات البشمركة في قيادة عمليات كركوك أو أي موقع آخر داخل الحدود الإدارية للمحافظة. وتطور الأمر إلى إصدار بيان مشترك من الجانبين (التركماني العربي) قالا فيه: "على الرغم من تأكيد الأحزاب الكردية على تواجد البشمركة في قيادة عمليات كركوك- نينوى- ديالى والمعلومات الأخرى المسربة من بعض الأطراف العسكرية، لا زالت قيادة العمليات المشتركة تنفي عودة البشمركة إلى كركوك، وتتهمنا كأطراف سياسية بالترويج حول هذا الموضوع". وأضاف "عودة البشمركة مخالفة للدستور وتعيد إلى ذاكرتنا حوادث الخطف وهدم القرى التي لم تفارقنا إلى حدّ الآن".


أعلن المكونان العربي والتركماني في كركوك رفضهما للاتفاق

تبع ذلك نفي المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العميد يحيى رسول، إعادة انتشار قوات البشمركة في محافظة كركوك، مضيفاً في بيان له أنّ "المراكز التنسيقية التي تم التباحث بشأنها في ثلاث محافظات تضم ممثلين من وزارتي الدفاع والداخلية الاتحاديتين والقطعات العسكرية ووزارة البشمركة، وهي لتبادل المعلومات والتنسيق في متابعة عصابات داعش وحركة الأرتال والعجلات المدنية، ولا يوجد أي إعادة انتشار للبشمركة في كركوك أو مناطق أخرى".

وعاد رئيس أركان الجيش، الفريق الركن عبد الأمير يار الله، الثلاثاء الماضي، ليزيد من فوضى الصورة، عبر الإعلان عن أنّ مركز التنسيق مع البشمركة سيعزز الأمن والاستقرار في محافظة كركوك، مضيفاً في تصريح لوكالة الأنباء العراقية أنه "تمت مناقشة العلاقة ما بين قطعات الحكومة الاتحادية والبشمركة، وأسلوب العمل الذي من شأنه إجراء بعض التغييرات لتعزيز أمن كركوك".

وعن ذلك، أشار عضو البرلمان العراقي عن المكون التركماني مختار الموسوي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "بعض المناطق في شمال وغرب العراق بحاجة إلى زيادة الجهود الأمنية من أجل السيطرة عليها ومنع أي تسلل لعناصر تنظيم داعش، ولكن ما أعلنت عنه قيادة العمليات المشتركة بخصوص التنسيق مع قوات البشمركة الكردية، هو أمر غير صائب". وأوضح أنّ "المكونين العربي والتركماني يرفضان هذا التوجه، وكان من المفترض أن تبقى مهمة حماية الأراضي العراقية بيد القوات الأمنية، خصوصاً أنها ليست بحاجة إلى البشمركة".

من جهته، قال المتحدث العسكري باسم الحكومة العراقية العميد يحيى رسول، لـ"العربي الجديد"، إنّ "اللجان التنسيقية بين القوات العراقية والبشمركة ليست جديدة، إنما هي موجودة من السابق، وتضم ممثلين من الطرفين من أجل تنسيق العمل الأمني وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ترتيب حركة العجلات الناقلة للبضائع، فضلاً عن ملاحقة المجاميع الإرهابية في المناطق الفارغة أمنياً التي يستغلها تنظيم داعش للاختباء فيها"، مؤكداً أن "الحديث عن أن الاتفاق يتضمن عودة البشمركة إلى المناطق المتنازع عليها غير صحيح".

في المقابل، قال الأمين العام لوزارة البشمركة جبار ياور، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ "الزيارة الأخيرة إلى بغداد واجتماع القيادات الأمنية العراقية والكردية، شهدت نقاش مواضيع عسكرية مهمة تصب في فكرة محاربة تنظيم داعش، ولم يتم الحديث عن نقل القوات الكردية إلى كركوك أو المناطق المتنازع عليها". وأوضح أنّ "اللقاء جمع لجنتين؛ واحدة من الدفاع العراقية وأخرى من قوات البشمركة، للوصول إلى نتيجة بشأن ملء الفراغات عبر مراكز تنسيق مشتركة تضم ضباطاً عراقيين وأكرادا في معسكرات محددة، وليس تواجد القوات الكردية في المناطق السكنية، وعلى الرغم من هذه التفاهمات، إلا أننا لم نوقع على ورقة مع بغداد".


رسول: الحديث عن أن الاتفاق يتضمن عودة البشمركة إلى المناطق المتنازع عليها غير صحيح

وبالنسبة للتضارب بين المسؤولين العسكريين في بغداد وأربيل، رأى الباحث والمحلل السياسي العراقي أحمد الشريفي، أنّ "انعدام الثقة بين الطرفين منذ سنوات طويلة يحول دائماً دون صناعة لغة واضحة ومشتركة، لدرجة أنّ الاتفاقات أو التفاهمات التي تصل إليها أربيل بالاشتراك مع بغداد لا تفهم بطريقة صحيحة، ويذهب كل طرف إلى فهمها على طريقته". ورأى في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "السلطات في إقليم كردستان تسعى إلى استغلال أي ظرف أو اتفاقية استراتيجية مع بغداد لفتح المجال أمام عودة البشمركة إلى المناطق المتنازع عليها، إلا أنّ التوافقات السياسية لا تنتهي بين حكومتي أربيل وبغداد، وإنما بالقوى السياسية المؤثرة في الحالة العراقية، ولعل أبرزها الشيعية".