اتفاق المنطقة الآمنة

11 اغسطس 2019
الصورة
دخلت العلاقات التركية الأميركية، في السنوات الأخيرة، نفقاً طويلاً، وربما مظلماً، وخصوصاً بعد أن استقرت الولايات المتحدة على اختيار الكرد لاستخدامهم في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، حين انتشر بكثافة في الشمال السوري. كانت أميركا قد حاولت دعم بعض الكتائب أو المجاميع العسكرية المسلحة السورية هنا وهناك، ولكنها فشلت في تفصيل فصيل مطلق الولاء، ووجدت في الكرد العنصر المنشود القابل للتشكيل عسكرياً، فساهمت في تسليحه وتنظيمه في منطقة شرق الفرات خصوصا، لكن التجمع الكردي المسلح الذي حمل أفكاراً تدعو إلى أيديولوجيا ذات توجه قومي واضح، انتهج سياسةً مطابقة لفكره القومي، وهيمن على كامل المنطقة، من دون أن يؤثر في شيء وجود تمثيل عربي بين صفوفه. جاهر هذا التجمع بمواقف معادية لتركيا، الأمر الذي جعل تركيا تتخذ موقفاً صلباً، وصل إلى حد إرسالها تعزيزات عسكرية إلى حدودها مع سورية، وترافق بالتهديد بالقيام بعملية عسكرية، وقد لمس الأميركان جدّية التوجه التركي، كما لمسوا سابقاً تصميم الحكومة التركية على المواجهة، عندما مضت في صفقة الصواريخ الروسية أس 400، فلم تجد أميركا بدّاً من التريث، وعقد مفاوضات مع الجانب التركي لبحث شأن المنطقة الآمنة، إلى أن أعلن، قبل أيام، أن الاتفاق قد أنجز بالفعل، وقد اتفق الطرفان على أمورٍ لم يعلن عن الكثير منها، ولكن ما أصبح معروفاً أن المنطقة الآمنة التي كانت ترغب تركيا بإقامتها قد أصبحت شبه واقع.
منذ وقت مبكر في عمر الثورة السورية، أعلنت تركيا عن رغبتها بإنشاء منطقة آمنة على حدودها مع سورية، وهي تتحسّب لمد جارف من المهجّرين، الأمر الذي عارضه الجميع، وقد حدثت موجات هجرةٍ سورية كبيرة باتجاه الحدود التركية، استوعبتها تركيا على دفعات، وتجاوز تعداد السوريين في تركيا الثلاثة ملايين ونصف مليون مهاجر. والآن يتحقق ما ناضلت تركيا من أجله، ولو أنه جاء متأخراً جداً. جغرافيا، تمتد هذه المنطقة على طول الحدود السورية التركية، أي من نهر الفرات إلى أقصى أطراف الجزيرة السورية، وإذا أضيفت إليها المنطقة المقابلة من جهة الفرات الأخرى التي تمتد من جرابلس إلى عفرين، فإن تركيا ستطبق بشكل كامل على الحدود السورية التركية، وستتخذ سيطرتها أعماقاً متفاوتة، تصل في بعض الأماكن إلى أكثر من ثلاثين كيلومترا.
ترغب تركيا في تهيئة هذه المنطقة بشكلٍ يمكّن اللاجئين من الإقامة فيها، ويمكن أن توظفها عازلاً عسكرياً بين أراضيها وبين أي محاولةٍ كرديةٍ مسلحة لاختراق الحدود، وتشدّد تركيا على أن تكون الإدارة في هذه المنطقة لها كليا، بينما تحاول أميركا أن تتداخل في الإدارة بشكل ما، ربما لتبقي باباً مفتوحاً لها للعودة بأي طريقة، ولتوحي لكرد المنطقة بأنها لا تتخلّى عنهم. ولكن قد يحدث أن تنتزع تركيا قراراً منفرداً بالإدارة، مع بقاء رمزي للأميركان. يفتح هذا الاتفاق أبواباً لإعادة تفاوضات جدية بين تركيا وأميركا، ولو أنها بحاجةٍ إلى مزيد من الوقت، ومزيد من التفاهمات، فهناك عدة قضايا عالقة، أهمها استمرار أميركا في دعم الكرد، مع وجود عوامل أخرى قد تؤخر عودة العلاقات أو توقفها، كالعامل السعودي الموجود في المنطقة بدعم أميركي، فقد أُعلن قبل أيام عن زيارة قام بها وزير سعودي إلى حقل العمر النفطي، والتقى مسؤولين أكرادا، وهذه ليست زيارته الأولى، فقد أصبح له أصدقاء في المنطقة، يتردد عليهم بمباركة العرّاب الأميركي. ولا يمرّ الدخول السعودي تحت العين التركية مرور الكرام، فهو بالتأكيد مُراقب، ولا بد أن يكون هذا الأمر قد بُحث في مناقشات المنطقة الآمنة، فتركيا تطالب منذ سنين بهذه المنطقة، وهي حريصةٌ على أن تبقيها آمنة بالفعل. ولكن يمكن لوجود سعودي كبير ومؤثر أن يعيد إليها التوتر وبقوة.
تعليق: