اتجار بالأطفال.. أين يختفي الآلاف في أوروبا؟

اتجار بالأطفال.. أين يختفي الآلاف في أوروبا؟

03 مارس 2016
الصورة
"تسعيرة بيع وشراء الغجر -الروما- باتت مقلقة" (فرانس برس)
+ الخط -

يُعدُّ تجنيد الأطفال والاتجار بهم ونقلهم وإخفاؤهم لغرض الاستغلال، في نظر منظمة إنقاذ الطفولة، خرقاً وعملاً جنائياً منافياً لاتفاقيات دولية تمنع العبودية والعمل القسري الاستغلالي تحت أي حجة.

حين وقف محمد (16 عاماً) أمام القاضية الأوروبية، التي مدّدت فترة سجنه لأسبوعين في مركز مخصص للقصّر، فوجئ الوكيل بأن موكله القاصر يتحدث الإسبانية بطلاقة. واكتشف أيضاً أنه كان في الثانية عشرة من عمره حين ترك أهله في المغرب، وراح يتنقل بين بلدان جنوب أوروبا قبل أن تنتهي به الحال في البلدان الاسكندنافية، حيث عاش بطريقة غير قانونية لعام ونصف العام.

خلال تلك الفترة الزمنية، اعتقل محمد مرات عدة لارتكابه سرقات وعمليات سطو. وحين كانت السلطات على وشك الحصول على توقيعه لإبعاده إلى بلده الأصلي، رفض ذلك طالباً "اللجوء". نقل محمد إلى مخيم خاص بالقصّر، لكنه سرعان ما عاد إلى الشارع ليعيش مشرداً أو يبيت في بعض الأحيان "عند معارف" كما قال لوكيله. والأخير حاول المستحيل لكي يرحّل محمد إلى إسبانيا بدلاً من بلده الأصلي، بناء على طلبه. هناك ترعاه منظمة خيرية مختصة بالقصّر المهاجرين، فيما يقرّ بأنه كان جزءاً من مجموعة كبيرة "يجري تشغيلنا وإرسالنا من بلد إلى آخر، ونحصل على نسبة مما نسلب أو نحصل عليه".

لأكثر من أسبوع حاولت "العربي الجديد" التقصي عن مئات الحالات، التي يُقال إنها اختفت بعد وصولها إلى دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً دول الشمال، لكن من دون جدوى. ويبدو أن المعنيين في المؤسسات يتعاملون مع القضية تارة بلا مبالاة وطوراً بتخوف، على الرغم من أنهم يبررون بالقول: "هذه مسألة سياسية ونحن نصدر أرقاماً لحالات نتابعها، لكننا لا نستطيع الخوض في التفاصيل لأن من نتحدث عنهم يُعدّون أطفالاً". هذه هي الإجابة التي حصلنا عليها من إحدى الوزارت ومن جهات رسمية أخرى في دول الشمال.

يبدو أن قضية اختفاء هؤلاء القصّر ليست أولوية إلا لمنظمات غير حكومية كمنظمة "إنقاذ الطفولة" (سيف ذي تشيلدرن) ومنظمات إنسانية محلية. عن السرية في التعامل مع الموضوع، تقول كريستينا، وهي متطوعة في "إنقاذ الطفولة" وخبيرة بالقضية إن "النقاش شمل نحو 10 آلاف قاصر دخلوا دولاً معينة. تابعنا القضية ورفعناها إلى جهات رسمية في الاتحاد الأوروبي. باستثناء السويد ودول معدودة في الشمال، لا يبدو أن للأمر أولوية لدى الرسميين". تضيف، لـ "العربي الجديد"، أن "لا بدّ من الإشارة إلى أن العدد في الواقع انخفض بعدما توصلنا إلى معرفة وجهة المئات منهم، إما نحو عوائلهم أو دول أخرى".

تجدر الإشارة إلى أن "العربي الجديد" كانت قد أعدّت تقريراً في وقت سابق عن استغلال القصّر في إيطاليا من المهاجرين الوافدين من دون معيل، لكن في ذلك الحين لم يكن الأمر قد وصل إلى حد دخول نحو مليون مهاجر إلى دول الاتحاد الأوروبي. أما الأرقام الرسمية فتشير بوضوح إلى أن النصيب الأكبر للقصّر هم من الأفغان في ثلاث دول هي ألمانيا والسويد وهولندا، بينما الرقم صغير في الدنمارك لا يتعدى بضع مئات.

بعد وضع سياسة جديدة تقضي بإبعاد المهاجرين واللاجئين، يشرح القانوني الدنماركي، جوستين ألبرستاين، أن "التلاعب بالقوانين وبكل أسف حمل تسويفاً كبيراً. من هو قاصر ودخل البلاد في السابعة عشرة من عمره، يؤجّلون حقه في الحصول على إقامة بحسب القانون مرعي الإجراء، حتى يصبح بالغاً. قد يكون من إرتيريا أو أفغانستان أو العراق. بحسب رأيي، بعض ممن يطلق عليهم نعتُ قاصرين ليس غبياً، وبعضهم يهرب ويختفي ليظهر في بلد آخر كبالغ، فيقدّم طلب لجوء بعدما يكون ملفه (وفيه بصمته) قد طوي في البلد الأول".

في السويد، يقول سعيد عبد الهادي وهو ناشط مع المهاجرين، إن "البحث عن القصّر لا يأتي بشكل جدي في أجواء تتحول نحو رفض وجود اللاجئين بفضل سياسات التشدد الأخيرة، مع استثناء منظمات غير حكومية متخصصة في حقوق الأطفال". ويقرّ عبد الهادي لـ "العربي الجديد" بأن "القضية ليست سهلة خارج دول الشمال. في ستوكهولم، مئات عدة من هؤلاء القصّر الذين يتنقلون بينها وبين مدن أخرى، وأنا مطلع على حالات استُغلت في العمل لدى آخرين لتأمين مبيت وبعض النقود كمصروف، بينما الأمر أصعب وأقسى في بلدان أخرى".

اقرأ أيضاً: شنغن في خطر.. مواجهة اللجوء تهدد الحدود المفتوحة

اتجار بالبشر

"هل المختفون جزء من عملية اتجار بالبشر يتحدّث عنها المعنيون؟" سؤال طرحته "العربي الجديد" إلى جهة رسمية في كوبنهاغن وعادت بالردّ. بعد أسبوع من التجاهل، ونزولاً عند إصرارنا، تردّ سيدة لا نعرفها ولا تعرّف عن نفسها، قائلة: "لا يمكنني الخوض في تفاصيل الحالات، لكن يمكنني أن أخبركم بأن ثمّة 19 قضية نتابعها كقضايا اتجار بالبشر. الحديث هو عن أطفال من الإناث والذكور، لا أستطيع البوح بجنسياتهم". تضيف أن "ثمّة فتاة في الثانية عشرة جرى تهريبها والاتجار بها وقد خضعت إلى عبودية جنسية. ولدينا تسعة فتيان أجبروا على أعمال جنائية كالسرقة والسطو. وقد استعبد ثلاثة في مطاعم وسبعة من الذكور والإناث استعبدوا جنسياً". وتتابع: "أرجو أن تتفهم بأن الأمر يدور حول أطفال. وفي القانون، يُمنع الخوض في تفاصيل حول جنسياتهم أو إذا كانوا من اللاجئين. لكن يمكنني القول بأن هؤلاء يُتاجر بهم في إطار استغلال أزمة اللاجئين".

يتكرّر التحفّظ عند الاتصال بالمركز الرسمي "مكافحة الاتجار بالبشر"، لكن معنيّة تؤكد أن "ثمة اتجاراً بالأطفال، ينقلون من عصابة إلى أخرى ويشغّلون من قبل بالغين في أعمال احتيال وسرقة، ليتحوّلوا إلى أطفال شوارع تحت رقابة العصابات". وتضيف أن "بعض هؤلاء بالفعل كانوا أطفال شوارع قبل الإتيان بهم إلى أوروبا لتشغيلهم، وهم يقدّمون فروض الولاء والطاعة لهؤلاء البالغين، ظناً منهم بأنهم يحمونهم ويساعدونهم. بالتالي يصعب على منظمات كثيرة الوصول إلى هؤلاء القصّر بسبب ولائهم الأعمى لمشغليهم. وهنا يأتي دور الشرطة وسلطات مكافحة الاتجار بالبشر في أوروبا".

وتعبّر المعنيّة عن أسفها إزاء "كل هذا الجنون في الحروب والفقر في بلدانهم الأصلية". ومن خلال بعض الإجابات بـ"نعم" أو "لا"، نستنتج أن جنسيات هؤلاء ليست فقط عربية. ونكتشف أن أطفالاً من المغرب وسلوفاكيا ونيجيريا وإرتيريا وأفغانستان، بالإضافة إلى بعض السوريين، يُستغلون بأبشع الصور. إلى ذلك، يشير مصدر في إيطاليا لـ "العربي الجديد" إلى وجود حالات من شمال أفريقيا ومصر وشرق أفريقيا.

مصدر رسمي آخر من متابعي الاتجار بالبشر أمنياً، يقول لـ "العربي الجديد": "ثمّة قصّر بين 15 و17 عاماً يثيرون الشبهة حين نخوض في تفاصيل رحلتهم عبر أوروبا، خصوصاً حين يعترفون بأنهم من عوائل فقيرة وبعضهم لم يرَ أهله مذ كان صغيراً جداً. لكنهم كلهم يتجنبون الإجابة على سؤال جوهري: من أين حصلت على نقود رحلتك؟". ويخبر أنهم تمكّنوا من "كشف طريقة التواصل مع المتاجرين بهم بين نقاط عدة".

ويشير المصدر الرسمي نفسه إلى أن العناية نفسياً واجتماعياً تؤمّن لبعض القصّر في دول محددة (الدنمارك والسويد والنرويج وفنلندا) "فيعاد تأهيلهم ويتواصل المعنيون مع أهاليهم في بلادهم الأصلية من خلال منظمات غير حكومية فيها. بعض الأهالي يصاب بصدمة عندما يعلم أن الأولاد في شمال أوروبا. ونرتب إعادتهم بالتعاون مع السلطات والأهل الذين على الرغم من فقرهم، إلا أنهم حريصون على استعادة أبنائهم. هل يمكن تخيّل صبيٍّ في الرابعة عشرة مختف لمدة سنتين عن أهله؟".

اقرأ أيضاً: ليست جنة.. لاجئون يريدون العودة إلى أوطانهم

القصة أكبر بكثير

من جهة أخرى، لا تخفي منظمات رعاية الطفولة في دول متقدمة بأن القصة أكبر من مجرد بضعة آلاف، فعصابات الاتجار واستغلال القصّر منتشرة في البلدان الأصلية أيضاً، أضف إلى ذلك أنها على تواصل بتجار لا يهمهم سوى التربح المالي وهم يعيشون في أوروبا. ومن بين هؤلاء أوروبيون أصليون وكذلك مجنّسون. ومثل هذه الحالات نراها بكثرة في بعض دول أوروبا الشرقية مثل رومانيا وسلوفاكيا".

وقد تبيّن أيضاً لـ"العربي الجديد" أن عشرات القصّر في دول الشمال وصلوا إليها ومن ثم غادروها لسبب بسيط يكشف عنه ناشطون سوريون مهتمون بالأمر. يقول غياث: "في سبتمبر/ أيلول 2015 فقد عدد كبير من الأهل أثر أطفالهم، في الطريق نحو بودابست أو بعدها. لكن القصّر كانوا مدركين بأنهم متوجهون إلى السويد وألمانيا مع أهلهم. وصل البعض وبقي في ألمانيا من دون تواصل مع القصّر، الذين واصلوا طريقهم شمالاً مع الآلاف نحو السويد". ويضيف: "ويبدو لنا في حالات كثيرة أن التواصل بين الأهل وبعض المعارف في السويد أعاد إلى هؤلاء أطفالهم نحو ألمانيا أو العكس". لكن هذا الشرح يشمل فقط حالات من سورية. ثمّة آلاف من شمال أفريقيا يجدون أنفسهم وقد تقطعت بهم السبل وأصبحوا عرضة لاستغلال بشع من قبل عصابات تهريب واتجار بالبشر. وتحاول منظمات معنية الضغط لرعايتهم وتخليصهم من براثن تلك العصابات حتى لا يقعوا ضحية "إعادة الاتجار".

من هنا، يقترح بعض المشرعين الأوروبيين منح القصّر الذين وقعوا ضحية الاتجار بالبشر، حق اللجوء والإقامة وإعادة تأهيلهم، خصوصاً الفتيات الصغيرات اللواتي استغللن في تجارة الجنس أبشع استغلال. يُذكر أنه خلال سنوات قليلة ازدادت عملية الاتجار في أحد البلدان الاسكندنافية وفق أرقام رسمية بنسبة 43 % من خلال التهريب عبر حدود أوروبا المفتوحة. ولا يشمل استعباد هؤلاء في مجال تجارة الجنس فحسب، بل في قطاعات كثيرة أخرى كمجال التنظيفات والضيافة والأعمال المنزلية المرهقة، ليُعاد بيعهنّ بقصد التربح مجدداً.

مشكلة عالمية

وفقاً لأرقام رسمية دولية تؤكدها منظمة "إنقاذ الطفولة"، فإن مليون قاصر تقريباً يُشمل سنوياً في عملية الاتجار بالبشر ونقل القصّر وإجبارهم على أعمال شاقة، كما يحدث في دول عدة من آسيا إلى أفريقيا وبعض الدول العربية وأوروبا. ويقرّ سياسيون أوروبيون ومشرّعون في دول الشمال (لا سيما الدنمارك) لـ"العربي الجديد"، بأن "بعد توسع الاتحاد نحو رومانيا وبلغاريا، ازدادت النسب المئوية الأوروبية في عمليات الاتجار الجنائي بالقصّر وغير القصّر".

وتكشف أرقام صدرت مؤخراً بأن "تسعيرة بيع وشراء الغجر (الروما) باتت من الأمور المقلقة. وتستغل العصابات هؤلاء لكي يعملوا لمصلحتها عبر نقلهم بين دول الاتحاد. وعلى الرغم من أن الأمر مؤلم إنسانياً، إلا أنه بالإمكان بيع شخص للاستعباد بأقل من 10 آلاف دولار. وبعد فترة وبحسب سوق العرض والطلب، يمكن أن يرتفع سعر ذلك المستعبد إلى نحو 18 ألفاً"، وفق ما تقوله مشرّعة دنماركية تهتم بشؤون المساواة في برلمان بلادها.

اقرأ أيضاً: هجرة قاصرة.. أطفال من دون أهل في بلدان اللجوء

دلالات