ابن سينا.. الإنسان بين الله والمعرفة والآخر

09 مايو 2019
الصورة
(قرب ضريح ابن سينا في همذان الإيرانية، فاطمة بهرامي)

تتوقّف معظم القراءات المعاصرة لما قدّمه الفلاسفة المسلمون، خاصة بين القرنين التاسع والثاني عشر، عند صراعهم مع الفقهاء، ما قادهم، في غالب الأمر، إلى التوفيق بين الحكمة والشريعة في تنظيراتهم، ومدى تقديمهم إضافات نوعية أو تفسيرات مفارقة عن شروحاتهم للفلسفة الإغريقية.

كان على النخبة المتفلسفة أن تحاذر سلطة مركّبة، من خلال السير في اتجاهين متعاكسين معاً: أولهما أن تذهب إلى تأويل النص الديني حتى تخرج عن مشروعيته، وثانيهما أن تصرّ في الوقت نفسه على إنتاج مدوّنة فلسفية مستقلّة عن الخطاب الفقهي والكلامي في مرحلة لاحقة، وهو ما لم يكن مهمّة يسيرة على الإطلاق.

"الإنسان في فلسفة ابن سينا" عنوان الكتاب الذي صدر حديثاً للباحثة الأردنية بثينة المحادين عن "الآن: ناشرون وموزّعون" في عمّان، والذي تنطلق فيه من الجدل بين فرضية عامة بأن "الشيخ الرئيس" (980 - 1073) كان لديه موقف فلسفي متميز من الإنسان، وفرضية تنفي أن تكون له فلسفة نظرية مكتملة.

تلفت المؤلّفة إلى قلّة المراجع العربية التي تتناول موضوع بحثها، لأن صاحب "الشفاء" لم يضع مؤلّفاً مستقلاً حوله، وإن صاغ رؤاه في عدّة مؤلفات حول حقيقة الإنسان والغاية من وجوده، وعلاقته بالله والكون والآخر، ومسؤولية الإنسان وحدودها، وكيف يحقّق سعادته.

يلفت الكتاب إلى أن ابن سينا أخذ عن الفلسفة المشائية اليونانية، حيث حاول الجمع بين آراء أرسطو وأفلاطون وأفلوطين في تعريف النفس بأنها "اسم مشترك يقع على معنى مشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات، وعلى معنى مشترك فيه الإنسان والملائكة السماوية".

وتوضح المحادين أن رأي ابن سينا في مبدأ النفس غير واضح تماماً، فما يؤكد أن النفس حدثت بحدوث الجسد، وأنها فاضت عن واهب الصور، فنزلت إلى عالمنا لتكتسب المعرفة بعالم الطبيعة، كما يفصّل في قصيدته العينية التي يقول فيها: "هبطت إليك من المحل الأرفع/ ورقاء ذات تعزُّز وتمنُّع/ محجوبة عن كل مقلة عارف/ وهي التي سفرت ولم تتبرقع/ وصلت على كُره إليك وربما/ كرهت فراقك وهي ذات تفجُّع".

وكانت الخلاصة التي ذهب إليها صاحب "الإشارات والتنبيهات" واختلف حولها مع جمهور الفقهاء إلى حد تكفيره كما فعل الغزالي، بحسب الكتاب، هي القول بالحشر في الآخرة والثواب والعقاب للنفوس وليس الأجسام، مقسّماً مصائرها بحسب قوتها العقلية التي إذا بلغت الكمال نالت عليه السعادة الدائمة، بينما تلك التي انشغلت بالبدن فهي في شقاء دائم، وبينهما تعيش نفوس شقاوة مؤقتة قبل أن تعيش في سعادة.

ينتقل ابن سينا بعد تحديد ماهية الإنسان وعلاقته بالله، إلى مقاربة علاقته بالآخر والتي يتناول فيها مسائل تربوية تتعلّق بالعائلة وأهداف تأسيسها، وفي الشق الذي يناقش تنظيم سلوكياته وأفعاله الاجتماعية يتوجّه تنظيره إلى الأخلاق التي كان يراها أساس العيش السعيد، وفق الكتاب.

في فصل آخر، تبحث المحادين تقسيم صاحب "النجاة في المنطق والإلهيات" للمعرفة كونها حسية تعتمد على الانطباعات التي لا تميّز بين الموضوع وأعراضه وجوهره، وهي كثيرة التداول بين الناس وسريعة التغير بين فترة وأخرى، أو عقلية تحتل المرتبة العليا بالنسبة إليه لأنها تتأسّس على صور الموجودات المجرّدة عن المادة أو الفوقية التي رأى أنها معادل البصيرة وهي أعلى درجات معرفة الحق الأول (الله)، ويختصّ بها العارفون.

أما عن مسؤولية الإنسان عن أفعاله، فيبيّن الكتاب أن ابن سينا يؤكد أن لدى الإنسان قدرة وإرادة، وأن الفعل لا يصدر عن الإنسان من حيث قدرته فحسب، بل لا بد من "اقتران القدرة بالمرجح" وهذا المرجح هو الإرادة، ولهذا فإن الإنسان ليس مجبراً تماماً، بل مختار في أفعاله لوجود الإرادة.

تعليق: