ابتزاز "مصر العربية"... الحرية مقابل الغلق أو الموالاة

04 مايو 2018
الصورة
النظام المصري يواصل استهداف الحريات الصحافية (محمد الشاهد/فرانس برس)
قررت نيابة الدقي، في 5 إبريل/نيسان الماضي، حبس رئيس تحرير موقع "مصر العربية" الإخباري المصري، عادل صبري، 15 يومًا يوم على ذمة التحقيقات في الاتهامات التي وُجهت له بـ "نشر أخبار كاذبة، والتحريض على التظاهر، والترويج باستخدام الكتابة والرسوم والصور لمذاهب ترمي إلى تغيير الدستور".

وجُدّد حبسه ثانية، بعد انقضاء الـ 15 يومًا الأولى، وترحيله إلى سجن القناطر الخيرية في 21 إبريل/نيسان الماضي.

وعلم "العربي الجديد" من مصادر مطلعة داخل "نقابة الصحافيين المصرية" وإدارة موقع "مصر العربية" أن هناك محاولات للتفاوض مع السلطات المصرية، ممثلة في "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" و"نقابة الصحافيين المصرية" وجهات سيادية، من أجل إخلاء سبيل صبري.

وأكدت المصادر نفسها، فضلت عدم الكشف عن هويتها، أن حالة صبري الصحية غير مستقرة، ويعاني بشدة من جراء حبسه.

كانت لجنة الشكاوى في "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام المصري" قد قررت، في الأول من إبريل/نيسان الماضي، تغريم موقع "مصر العربية" مبلغ 50 ألف جنيه، بسبب ترجمة الموقع تقريرا صدر في 29 مارس/آذار الماضي ونشره، تحت عنوان "نيويورك تايمز... المصريون يزحفون للانتخابات من أجل 3 دولارات"، بزعم مخالفته للقواعد المهنية.


ورغم أن الموقع نسب الخبر لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، إلا أن اللجنة اعتبرته مسؤولاً عن نشر خبر كاذب من دون تدقيق أو تحقق من صدقه أو التعليق عليه برأي، ولم يكد يمر يومان حتى تطور الاعتداء إلى مداهمة المقر وإلقاء القبض على رئيس تحريره. لكن مراقبين أكدوا أن تطور الأزمة ليست له علاقة فقط بالمقال المترجم، بل بالسياسة التحريرية للموقع ككل، ومعارضته للنظام المصري.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن موقع "مصر العربية" مدرج على قائمة المواقع الإلكترونية المحجوبة منذ أكثر من عام ونصف العام، وذلك في إطار حملة الحجب التي تشنها الأجهزة الأمنية على المواقع الإلكترونية ذات الآراء المعارضة بالمخالفة لنصوص المواد 31 و68 من الدستور، والداعمة لأمن الفضاء المعلوماتي وحرية تداول المعلومات.

وكان "موقع مصر العربية" هو أحد المواقع المستمرة في عملها رغم التضييق والحجب، ويعمل فيه ما يزيد عن 50 صحافياً وصحافية، قد سبق أن واجه مرتين سابقتين مداهمة قوات الأمن المصرية من شرطة المصنفات لمقر الموقع، بحجج مختلفة.

وأكدت المصادر المطلعة أن إدارة موقع "مصر العربية" وعادل صبري شخصيًا يواجهون ضغوطًا من أجل إخلاء سبيله، في محاولة لاستمالة الموقع لجانب النظام المصري الحالي، والتخفيف من حدة معارضته له، والرضوخ للمناخ الأمني والسياسي المفروض على وسائل الإعلام المصرية كافة، عدا المحجوب منها، أو إغلاق الموقع بالكامل.


المراقبون أنفسهم أكدوا أن الصفقة التي تمت مع مجلس إدارة صحيفة "المصري اليوم"، لرفع الحجب عن موقعها الإلكتروني، كانت مقابل الإطاحة برئيس التحرير، واختيار رئيس تحرير موالٍ للنظام والمهادنة التامة في التغطية الصحافية.

وبالفعل، فقد أطاح مجلس إدارة صحيفة "المصري اليوم" برئيس تحريرها، محمد السيد صالح، في قرار رسمي نص على "إنهاء تكليف رئيس التحرير محمد السيد صالح اعتباراً من الرابع من إبريل/نيسان 2018، على أن يستمر محمد السيد صالح كاتبًا للرأي في الصحيفة على نفس درجته المالية". وجاء مجلس إدارة "المصري اليوم" بالكاتب الصحافي الموالي للنظام، حمدي رزق، رئيسًا للتحرير.

وكانت أزمة "المصري اليوم" مع النظام المصري على خلفية "مانشيت" خرجت به الصحيفة في اليوم التالي لغلق باب الاقتراع في الانتخابات الرئاسية، أواخر مارس/آذار الماضي. وقرر "المجلس الأعلى للإعلام" المصري فرض عقوبات على "المصري اليوم"، بسبب نشرها تقريرًا عنوانه "الدولة تحشد الناخبين" صبيحة غلق باب التصويت في الانتخابات المصرية.


وتمثلت العقوبات في غرامة 150 ألف جنيه، واعتذار رسمي، وإحالة رئيس التحرير للتحقيق.
وعلى الرغم من تأكيد مجلس نقابة الصحافيين المصريين، في آخر اجتماع له، على دعمه لحرية الصحافة ورفضه لقرارات "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"، ومطالبته بسحب كافة البلاغات المقدمة ضد الصحافيين، إلا أن أعضاء في مجلس النقابة وأعضاء في الجمعية العمومية أكدوا أن جميعها مواقف لا تكفي، ولا تؤثر في الوضع الراهن شيئًا.

وكان مجلس النقابة قد أصدر بيانًا أكد فيه رفض المجلس ازدواجية العقوبات، فيما يخص صحيفة "المصري اليوم"، ما بين قرارات "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" وبين النيابة العامة. ويتفق مجلس النقابة مع قرار "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام" بإحالة الأمر إلى نقابة الصحافيين لاتخاذ ما تراه بعيداً عن ساحات القضاء.

كما طالب مجلس النقابة بالتنازل عن كل البلاغات المقدمة في هذا الصدد والتضامن مع صحيفة "المصري اليوم" في تقديم التماس لإيقاف الغرامة المالية، بعد التزام مؤسسة "المصري اليوم" بكل قرارات "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام"، كما أكد المجلس مساندته الكاملة للزميل عادل صبري رئيس تحرير "مصر العربية"، واتخاذ كل الإجراءات القانونية والنقابية وتقديم كل الدعم والعون له حتى تظهر الحقيقة كاملة.

وفي صبيحة اليوم التالي لاجتماع مجلس النقابة وصدور هذا البيان، أصدر خمسة من أعضاء مجلس نقابة الصحافيين المصرية، يطلقون على أنفسهم "تيار الاستقلال"، بيانًا إلى الجمعية العمومية للصحافيين، أكدوا فيه أن "قرارات مجلس النقابة لا تكفي، وأن الهجمة على حرية الصحافة مستمرة، وتستلزم وقفة جادة، لاسيما بعد الهجمة المستمرة عبر حجب مئات المواقع، وحبس زملاء احتياطيًا بالمخالفة للقانون، ووقف أعمدة للكتاب في الصحف، وإحالة زملاء للتحقيق بلا أسباب، والتشهير بزملاء في صحف ومواقع تُموّل من أموال الشعب، والقبض على الزميلين حسام السويفي وأحمد عبدالعزيز من على سلم النقابة، وحبس الزميل معتز ودنان بعد أن أجرى حوارا صحافيًا".


وقال أعضاء مجلس النقابة الخمسة إنه "قبل قرار حبس الزميل عادل صبري كانت أزمة المانشيت الشهيرة تلقي بتبعاتها على استقرار صحيفة (المصري اليوم)، ورغم مهنية المانشيت، فإن الأزمة تصاعدت ووصلت إلى حد فرض غرامات وإحالة رئيس تحريرها السابق للتحقيق، ومطالبة الصحيفة بالاعتذار، بل واستمرت الهجمة المتصاعدة على الصحيفة حتى تمت إقالة رئيس التحرير الزميل محمد السيد صالح، وإحالته مع عدد من الزملاء محرري الجريدة إلى التحقيق في نيابة أمن الدولة العليا".

وأكد الموقعون "لقد دخلنا اجتماع المجلس اليوم بعدد من المطالب التي هي في صميم العمل النقابي... مطالب ترتبط بإعلان التضامن النقابي مع الزميل عادل صبري، وبرفض الهجمة الأخيرة على الصحافة، وبرفض إحالة الزميل رئيس (تحرير المصري) اليوم السابق وزملائه في الصحيفة للتحقيق، واتخاذ إجراءات نقابية وقانونية لدعم الزملاء الذين تم وقف التصاريح الخاصة بعملهم في المطار، وبفتح حوار مع الجهات المعنية بالصحافة والإعلام حول حرية الصحافة والتشريعات الجديدة التي تنظم العمل الصحافي، لاسيما في المواد القانونية التي تجيز الحبس في قضايا النشر، وكذلك فتح حوار مع مؤسسات الدولة لوقف هذه الهجمة على الصحافة والصحافيين، إلا أننا فوجئنا برفض واضح من السيد النقيب وأكثرية أعضاء المجلس لهذه المقترحات، وتأكدنا أن ما سيخرج عن الاجتماع لا يرقى للحد الأدنى من الدور النقابي المطلوب، رغم الغضب الذي يسيطر على الكثير من الزملاء، بعد الهجمة الأخيرة على الصحافة وحريتها وعلى الزملاء الصحافيين".