إيناس المشهداني: "المجتمع الموصلي" وتحوّلاته

23 سبتمبر 2019
الصورة
(مدينة الموصل، تصوير: ألفريدو ريزيني، 1911، غيتي)

تتعدّد الدراسات الاجتماعية والثقافية حول العديد من المدن العربية الحديثة، عبر العودة إلى المذكرات الشخصية لأعلامها أو السجلات الرسمية التي توثّق لطبيعة التنظيم الاجتماعي وتأثيره على الحياة اليومية والاقتصادية والعلاقة مع جوارها من المدن والأرياف.

في هذا السياق، صدرت حديثاً عن "دار الشؤون الثقافية" في بغداد دراسة اجتماعية بعنوان "المجتمع الموصلي بين الأنا والآخر" للباحثة العراقية ايناس محمد عزيز المشهداني، والتي تقف فيها عند التنوّع الديموغرافي وطبيعة العلاقة وتطوّرها بين سكّان المدينة والوافدين عليها.

احتوت الدراسة على بابين، تمثل الأول في الجانب النظري الذي ضم أربعة فصول، هي: موضوع الدراسة وأهميتها وأهدافها وتحديد مفاهيمها، والتعريف بمدينة الموصل جغرافياً وتاريخياً والتركيبة الديمغرافية للمدينة، كما تناول بعضاً من مدونات الرحالة وانطباعاتهم عن مدينة الموصل، والسمات النفسية للمجتمع، بالإضافة إلى السمات الاجتماعية والثقافية، وموضوع البناء الاجتماعي للمجتمع الموصلي.

أما الباب الثاني للدراسة فقد تمثل في الجانب الميداني الذي احتوى على الفصلين الخامس والسادس، حيث اشتملا على مناهج الدراسة وفرضياتها ومجالاتها ونوع العينة وحجمها ووسائل جمع البيانات وتحليل البيانات الاجتماعية المتعلقة بالدراسة وعرض النتائج والتوصيات، إضافة إلى ملحق خارطة لأحياء مدينة الموصل.

استحوذت المدينة (460 كلم شمالي العاصمة العراقية) على اهتمام العديد من الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية، حيث صدرت في السنوات الأخيرة العديد من المؤلّفات ومنها، "التنظيم الاجتماعي والشخصية الموصلية: دراسة سوسيو أنثروبولوجية" لـ خليل الخالدي، الذي يشير إلى المكانة التي تمتّعت بها الحاضرة منذ تأسيسها قبل آلاف السنين، حيث لعبت دوراً في الاستقرار الاجتماعي القائم على الحرف والمهن الذي يتوارثها جيل عن آخر.

كما يبيّن الخالدي أن ذلك فرض شكلاً من التقاليد المحافظة التي يتمسّك بها المجتمع الذي يتسم بالحرص والتحسّب من المستقبل، والجدية في العمل، والضبط والتنظيم، والإخلاص والولاء للعائلة والسلطة، وتكريس المظاهر الدينية.

تبرز هذه الخلفية بشكل أساسي لفهم الدراسة التي تسعى من خلالها المشهداني إلى معرفة آراء الوافدين المقيمين في مدينة الموصل، ومعرفة ما إذا كان هناك تمايز بين مجتمع الموصل ومجتمعات الوافدين إليه، وتحديد خصائص الشخصية الموصلية، وأيضاً إبراز الخصوصية الثقافية والحضارية للمجتمع الموصلي.

وقد تضمّنت النتائج مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ومنها صعوبة تكيف الوافدين مع الموصليين لأسباب تتعلق بالانغلاق والحذر والحيطة واختلاف العادات والتقاليد، وكذلك ارتفاع نسبة الوافدين الذين أكدوا أن المجتمع الموصلي يتصف بخصائص تختلف عن مجتمعاتهم الأصلية؛ مثل حبهم للعمل وتدبيرهم في طريقة معيشتهم، وأنهم يفضلون العمل الحر على الوظيفة، وأنهم يحبون الزعامة وقيادة الآخرين بنسبة 56%، وغالبيتهم تميل لمناقشة الأحداث السياسية.