إيلي خليفة: "كتبتُ فيلمي بالكاميرا ومثّلت فيه بسبب الحاجة"

إيلي خليفة: "كتبتُ فيلمي الأخير بالكاميرا ومثّلت فيه بسبب الحاجة"

11 مايو 2020
الصورة
إيلي خليفة: المهم توليد أفكار مبدعة (الملف الصحافي للمخرج)
+ الخط -

"قلتلك خلص" تجربة سينمائية جديدة خاضها المخرج اللبناني إيلي خليفة، بعد سلسلة أفلام قصيرة وطويلة. فهو قرّر تصوير فيلمه هذا على مدار 20 شهراً، بمعدّل يوم تصوير في الشهر. المغامرة التي أخذت هذه الطريق لأسباب إنتاجية أعطتها هوية خاصة، بحسب خليفة، الذي التقته "العربي الجديد" في حوار عن عملٍ يقول عنه إنّه كتبه بالكاميرا. يُذكر أنّ العمل حصل على جائزة مرحلة ما بعد الإنتاج في فئة الصوت، في الدورة التاسعة (4 ـ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2019) لـ"مهرجان السينما العربية في مالمو (السويد)".

فيلمك المقبل "قلتلك خلص" نال في "مهرجان مالمو للسينما العربية" في السويد جائزة مرحلة ما بعد الإنتاج في فئة الصوت. كيف صوّرته؟ علمتُ أنّ إنتاجه كان صعباً، لكنّك ابتكرت أسلوباً جديداً في الصناعة السينمائية، في ظلّ غياب الدعم الرسميّ في لبنان، وصعوبة تأمين التمويل لإنجاز أفلام مستقلّة تُرضي طموحك.
"مستقلّة". فعلاً، إنّها الكلمة التي تشبه الفيلم. نعم، فيلمي مستقلّ. صوّرته على مدار 20 يوماً موزّعة على 20 شهراً. يوم واحد كلّ شهر، لتكون لديّ ثلاثة أسابيع تحضيراً ليوم التصوير، فأعدّل الـ"سكريبت" إنْ تطلّب الأمر، وأتروّى في البحث عن مواقع وممثّلين. أتاح لي هذا الأسلوب كتابة الفيلم بالكاميرا. هنا يكمن الفرق. الكاميرا تكتب الفيلم مع الممثّلين. لمعت الفكرة في رأسي، وسُررت بخوض التجربة. شيئاً فشيئاً، دخل معي شركاء. عرضتُ منه 20 دقيقة في مالمو، ونلتُ جائزة للعمل على الصوت مدّة أسبوعين. سعيد، لأنّ ما شاهدوه من الفيلم راقَ الجمهور وأضحكه في 20 دقيقة. في النهاية، إنّه تركيبة كوميدية.

هل لجأتَ إلى أسلوب التصوير مرّة في الشهر لغياب خيارات بديلة، أم لأنّك وجدت نفسك مرتاحاً باتّباع هذه الاستراتيجية الجديدة؟ تجاربكَ السابقة كانت كلّها تجاربَ تمويل تقليدي.
صحيح. قبل هذا الفيلم، عملتُ ثلاثة أعوام على فيلمٍ روائي طويل مع مُنتجة سويسرية، عنوانه "شقيق الزوج". حضّرت الملفّ كما تجري الترتيبات عادةً لإرساله إلى أوروبا و"المركز الوطني للسينما" في باريس. كتبتُ المعالجة الخاصة به نحو 14 مرة. وجدتني بعد ثلاثة أعوام وأنا أعيد كتابة 15 صفحة نحو 12 مرّة. في النهاية، أنا لستُ بودلير. أنا صانع أفلام، ومهما جمّلتُ الكتابة، فإنّي أفعل ذلك لأصنع فيلمي. بعد ثلاثة أعوام وتكرار المسوّدات، قرّرتُ التوقّف. عدتُ إلى لبنان لأكتب القصّة. كتبتُ المسوّدة الأولى وبدأتُ التصوير بطريقة كرونولوجية. شيئاً فشيئاً، دخل الشركاء معي لمساعدتي.

التصوير يوماً في الشهر، على مدار 20 شهراً، هل يُغيّر طريقة العمل؟
عندما نصوّر بطريقة تقليدية، 30 يوماً متواصلاً، يعني أنّنا معرّضون لكلّ أنواع الإرهاق والمشكلات الطارئة والعراقيل المُحتَملة. علينا في الآن نفسه أن نفكّر بماذا سنصوّر غداً، وفي أي مواقع. ساعات الاستراحة قليلة، وربما لا تتحقّق بسبب القلق. طريقتي المغايرة في تصوير فيلمي جعلتني أشعر أنّ عدداً من المنتجين يدعمني. الأهمّ أنّه لديّ أيضاً عامل الوقت. رفاهية الوقت غائبة في طرق التصوير التقليدية. بالنسبة إليّ، كانت لديّ أشهر لأخيّط فيلماً. تركيبته الإنتاجية وكتابته تحقّقتا في وقتٍ واحد. طرأت تغييرات أثناء التصوير، فرضت تعديلاً على الـ"سكريبت". لهذا، إنّه فيلم غريب. كوميديا "من غير كوكب" كما قيل لي. استمتعتُ بالتجربة أشدّ استمتاع.

أيّ تأثير للطريقة التي تعمل بها في هوية الفيلم نفسها؟
لها تأثير في المنحى الكوميدي الذي يحاول الفيلم إيصاله. إنّي ممن يُولون الصورة أهمية كبرى، إلى الجانب الكوميدي وحركة الممثّلين. أهمية الصورة جعلتني أتروّى في انتقائها. لديّ ثلاثة أسابيع للبحث عن الموقع النموذجي والمشهد الأفضل. هذا يُفسّر غنى الفيلم بالجماليات البصرية.

اعتدتَ صناعة الأفلام القصيرة، وأنجزتَ عدداً منها في بداياتك. هي لا تتطلّب أكثر من يومَي تصوير أو ثلاثة، حسب الفيلم. أتشعر اليوم بأنّك عدتَ إلى هذه المرحلة من البدايات؟
هذا يتوقّف على الفيلم. بعض الأفلام القصيرة أصوّره في يومين، والبعض يتطلّب عشرة أيام من التصوير، كـ"تاكسي سرفيس". كنّا نعمل خمس ساعات يومياً طوال عشرة أيام. أحبّ أحياناً، عندما تضيق الإمكانات، أنْ أخترع الأفكار. ليست مُهمّة دائماً الإمكانات الهائلة، ووجود سبعة منتجين. المهم توليد أفكار مبدعة.

هل تستطيع المحافظة على حماستك حيال الفيلم طوال هذه الفترة كلّها (20 شهر تصوير)؟ ألا تبرد الحماسة أحياناً مع الوقت؟
أحافظ على حماستي؛ كوني أصوّر وأكتب وأُجمّل في الآن عينه. لا أكتب فقط طوال هذه السنوات حتى يتسلّل إليَّ بعض الملل، بل أصنع فيلماً بالتوازي. لذلك أُبقي على الحماسة والشغف. حين أبدأ، أدرك جيداً أنّه لا يمكنني التراجع. عليّ الاستمرار حتى النهاية. أعرف أنّي أغامر، لأنّي أمثّل أيضاً في الفيلم. هذه تجربتي الأولى في الوقوف قبالة الكاميرا وخلفها في آنٍ واحد. لستُ ممثلاً. أنا مخرج، أدير ممثّلين. لكن، يمكنني القول إنّها كانت تجربة مسلّية.

هل مثّلتَ بدافع الحاجة، لأسباب اقتصادية، أم بدافع الرغبة؟
وُلد ذلك من حاجة. مَن سيستيقظ منذ الرابعة فجراً لينتظرني عند مفرق جعيتا، وبعد ثلاثة أسابيع عند مفرق بجّة في الفجر نفسه؟ (جعيتا وبجّة منطقتان تقعان شمال شرقي بيروت، المحرّر). "مين فاضيلي؟". للناس حياتهم والتزاماتهم. لذلك، اتّبعتُ استراتيجية "فبركة الفيلم". أتّفق مع الممثّلين على يوم وعدد ساعات للتصوير في منطقة معينة، فأملأ أنا النقص الحاصل. هكذا كان الأمر مع غير ممثّل في غير منطقة. أحصر التصوير في المناطق. هنا دوري كممثّل، فأمثّل مع هذا الممثّل قبل الظهر ومع الآخر بعد الظهر. إنّها فبركة إنتاجية وفنّية.

هل يمكن المحافظة على الفريق التقنيّ والممثّلين طوال هذه الفترة؟ أليست لديهم التزامات، فيعتذرون عن عدم الحضور بعد شهرين أو ثلاثة؟
يلتزم الممثّل في الفيلم مدّة ثلاثة أيام حداً أقصى. لهذا، أسميتها استراتيجية فبركة الفيلم، ففَبْرَكتُه وفق أوقاتهم. هنا أهمية تكثيف التحضير. إن أعطاني الممثّل نهاراً، فأنا مُرغَم على إنهاء كلّ مَشاهده خلال هذا النهار. أحضِّر نفسي جيداً على المستويات كلهّا، بينها الصوت والضوء، لتفادي أي مشكلات خلال التصوير. أردتُ أيضاً أن أتّسع أنا والفريق التقنيّ في سيارة واحدة، فنتنقل، مع المعدات، طوال يوم واحد في أربع مناطق. حدث ذلك مرة، بين برج حمود والجميزة وفردان والدورة (مناطق مختلفة في بيروت، المحرّر). يوم واحد مع المعدات في سيارة واحدة. بدأنا منذ السادسة وانتهينا عند الثامنة. دعني أكرّر أنّه في البداية لم أعرف إلى أين سأصل. كانت تجربة. ثم لم أستطع العودة إلى الوراء، فأُرغمت على تقديم الأفضل. حين يكون المخرج وحده، "يتسلّى بطريقة جدّية"، كما هي السينما بالنسبة إليّ. أما حين يدخل شركاء، فيتغيّر الوضع قليلاً، ليس على مستوى الضغوط فحسب، بل المسؤولية.

خضتَ تجربة الفيلم التجاري، "يلاّ عقبالكن"، مع نبال عرقجي. ربما لم تجد نفسكَ فيها، أقلّه لجهة أنّك لم تكرّرها في الجزء الثاني. هل هذا صحيح؟
لم أكرّر التجربة لأنّ ذلك لم يُطلَب منّي. اتصلتْ نبال بي في يوليو/تموز، وقالت إنّها تفكر بي لإنجاز فيلم سيُعرَض في يناير/كانون الثاني، وسألتني: هل سننجزه؟ فأجبتُ نعم. كان ذلك تحدّياً لي أيضاً. "خربطتُ" لها مسائل عدّة، وتركتُ شيئاً في العمل من نفسي. لكن في النهاية، للمنتجة بصمتها، والفيلم طفلها المدلّل. ولّد الأمر صراعات منطقية تحدث بين كلّ منتج ومخرج. أسعدتني التجربة، ولاقت صدى جماهيرياً. وجدتْ أنْ تلجأ إلى مخرج آخر في الجزء الثاني، وهذا حقّها.

الفيلم الذي تعمل عليه جزء من ثلاثية. أخبرنا عن ذلك.
الأجزاء الثلاثة اختزال لعلاقة المخرج مع الفيلم، بدءاً من مشكلاته مع الكتابة ثم الكاستينغ فالتصوير. أشاء في الفيلم المقبل أن أجد شركاء منذ البداية فأنجزه بشكل أسرع. بدأتُ العمل عليه منذ سنتين والآن أقترب من إنجازه.

المساهمون