إيلون ماسك والعقل البشري العربي

24 يوليو 2019
الصورة
أسس ماسك عدد من الشركات الكبرى(Getty)
+ الخط -
تماماً كما فعل علي، في فيلم "عودة الابن الضال" ليوسف شاهين وصلاح جاهين، غادر الشاب النبيه إيلون ماسك بلده جنوب أفريقيا عام 1988، وهو في سن السابعة عشرة، متجهاً إلى كندا للدراسة في جامعتها العريقة "كوينز"، ثم انتقل بعدها بعامين إلى جامعة "بنسلفانيا" في الولايات المتحدة الأميركية ليدرس فيها الاقتصاد ثم الفيزياء.

بعد إتمام الدراسة الجامعية، بدأ ماسك التحضير للدكتوراه في جامعة "ستانفورد" الأميركية العريقة، في الفيزياء التطبيقية وعلوم المواد، قبل إتمام عامه الرابع والعشرين، إلا أنه قرر بعد فترة عدم الاستمرار في ذلك الاتجاه، لا ليعود إلى بلده كما فعل علي، وإنما ليبدأ مشروع شركته الخاصة ببرامج الكمبيوتر، والتي باعها بعد 4 سنوات فقط بمبلغ 340 مليون دولار.
توالت بعد ذلك الشركات التي شارك ماسك في تأسيسها، ولعب دوراً رئيسياً في إدارتها، وكان من بينها شركة "إكس دوت كوم"، التي تحوّلت بعد فترة إلى عملاق المدفوعات الإلكترونية "باي بال" PayPal، واشترتها "إي باي" eBay عام 2012 بمبلغ 1.5 مليار دولار.

أجمل ما في ابتكارات ماسك والشركات التي أسسها، أو شارك في تأسيسها، أنها كانت دائماً من النوع الحالم، الذي يسعي إلى تغيير الواقع وهدم المسلّمات.
وبعد أن أسس شركة المدفوعات الإلكترونية للابتعاد عن سيطرة البنوك على تلك الصناعة وارتفاع تكلفة التحويل فيها، أسّس ماسك شركة "سبايس إكس" SpaceX، التي عملت على توفير خدمة الانتقال إلى الفضاء، وصولاً إلى كوكب المريخ، بتكلفة منخفضة.

أيضاً صمّم ماسك سيارات "تسلا" التي تعمل بالكهرباء، للتغلب على مشكلة ارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى عشرات الابتكارات الكبرى، التي وضعته في المركز الأربعين ضمن أغنى أغنياء العالم، بثروة تتجاوز 22 مليار دولار.
والأسبوع الماضي، أعلن ماسك بعض تفاصيل مشروعه الجديد الخاص بربط العقل البشري بطريقة مباشرة بالكمبيوتر، فيما وصفه بأنه "حملة لإيجاد تعايش مع الذكاء الاصطناعي"، مشيراً إلى أن أوّل تجربة لزرع "شريحة" في عقل الإنسان ربما تتم قرب نهاية العام القادم، 2020.

وفي تقديمه للاختراع/ الابتكار الجديد، أكد ماسك خلال عرض في أكاديمية كاليفورنيا للعلوم في سان فرانسيسكو، أن الوصول إلى هذا الهدف سيستغرق وقتاً طويلاً، مشيراً إلى أن الحصول على موافقة الحكومة الفيدرالية الأميركية على زرع أجهزة عصبية داخل الدماغ أمر صعب، إلا أنه أوضح أن هناك اختبارات تتم الآن على الحيوانات، وأن قرداً استطاع التحكم بجهاز الكمبيوتر من خلال مخه!
وقبل 3 أعوام، أسّس ماسك شركة "نيوترالينك كورب" لإنشاء نطاقات فائقة الاتساع، تسمح بتوصيل البشر بأجهزة الكمبيوتر عن طريق أدمغتهم.

وقالت الشركة إن هدفها الأوّلي هو التخفيف من أعراض الحالات الطبية المزمنة، لكن معرفة الناس بماسك وابتكاراته السابقة خلقت اقتناعاً واضحاً بأن الأمر يسير في اتجاه أكبر من ذلك بكثير.
وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية قبل فترة أنها تعاقدت مع مؤسسات بحثية لتطوير برنامج يهدف إلى ربط دماغ الإنسان بالكمبيوتر، من خلال أجهزة متناهية الصغر، تقوم بتحويل الإشارات التي تصدرها الخلايا العصبية في الدماغ إلى الأجهزة، وذلك لأهداف علاجية.

ويهدف مشروع وزارة الدفاع، الذي خُصّصت له مبالغ ضخمة، إلى تحسين قدرات الحواس ومعالجة مشكلات النطق وفُقدان السمع والبصر. 
ودأب ماسك على التحذير من السرعة التي يتطوّر بها الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن هذا التطور قد يتسبب في تخلف البشرية، وقال إن الآلات تعمل بسرعة تريليون بايت في الثانية، بينما يعمل الدماغ البشري عادة بسرعة 10 بايت فقط، واعتبر أن ربط الدماغ رقمياً بأجهزة الكمبيوتر يسمح بالتكامل بين الإثنين، ويحمي البشرية من تغوّل الآلة، مؤكداً أن مشروعه يسعى إلى مساعدة البشر في الحفاظ على عقولهم وتطويرها.

وتعمل حالياً الشركة التي أسسها ماسك على تطوير جهاز لزرعه داخل الدماغ، وهو الجهاز الذي يفترض أن يسمح للناس بالتحكم عبر عقولهم بأجهزة الكمبيوتر وغيرها. وتحدث ماسك عن شُعيرات دقيقة، أرقّ من شعر الإنسان، يتم إدخالها في الدماغ، عبر ثقوب يتم ملء الجمجمة بها، من خلال نوع معين من الليزر، غير موجود حتى الآن!
وأكد ماسك أن تلك الشعيرات ستكون قادرة على نقل معلومات أكثر بكثير من عمليات الزرع المتوافرة حالياً، والتي تسمح للأشخاص ذوي الإعاقات الجسدية بالتفاعل مع أجهزة الكمبيوتر.

وتشير بعض التقارير إلى أن تجارب ماسك ومن معه حالياً، على الدماغ البشري، ليست الأولى، حيث يتحدث البعض عن عملية زرع داخل دماغ أحد المعوقين، تمّت عام 2006، وسمحت له بالتحكم بجهاز كمبيوتر، وجهاز تلفزيون، ورجل آلي، وممارسة بعض الألعاب، وكل هذا باستخدام أفكاره فقط.

لكن الحقيقة أن العالم العربي كان سباقاً في هذا النوع من الابتكارات التي تسمح بالتواصل المباشر بين الإنسان والكمبيوتر، وإن كان في الاتجاه العكسي.

فمنذ عقود طويلة، اعتادت "الأجهزة" في البلدان العربية، سواء كانت أجهزة تلفزيون، أو أجهزة كمبيوتر، أو أجهزة سيادية تسيطر على إعلام الدولة، وكافة مفاصلها، أن تتحكم بأفكار المواطنين ومعظم تصرّفاتهم، فتحدّد لهم من هو المواطن الشريف ومن هو الخائن، وتُملي عليهم أسماء الدول الحليفة وتلك المعادية، وتقرر لهم المشروعات الضرورية، والقرارات الاقتصادية الواجبة، وكافة ما يخص حياتهم اليومية، بدءاً من المناهج الدراسية للأبناء، مروراً بما يصح أن يتحدث فيه المواطنون وما لا يصح، وصولاً إلى نوع ودرجة التديّن المسموح بهما، من دون منحهم حتى حق مناقشة أي من تلك الإملاءات!

كان ماسك محباً للقراءة منذ طفولته، ومنها تعلم حكمة، عمل بها طوال حياته. تقول الحكمة: "يجب أن تعمل الأشياء التي يُعتقد أنها تُطيل الحضارة، وتخفض احتمالات الدخول في العصور المظلمة، وتقلل من عمر تلك العصور إن جاءت".


المساهمون