إيلا الصغيرة.. فقدت أطرافها ولا تدرك مأساتها

إيلا الصغيرة.. فقدت أطرافها ولا تدرك مأساتها

13 يونيو 2015
الصورة
إيلا وشقيقتها الأكبر بيرلا في عيد ميلادها قبل أيام
+ الخط -

فقدت الطفلة اللبنانية الرضيعة إيلا طنوس أطرافها الأربعة بعد مضاعفات ناجمة عن سوء تقدير لوضعها الطبي في أحد المستشفيات شمالي العاصمة بيروت. فتحوّلت بجسدها الصغير المجرّد من أطرافه إلى قضية رأي عام شغلت اللبنانيين منذ 24 فبراير/شباط الماضي تاريخ إدخالها إلى المستشفى لأول مرة، وصولاً إلى توقيف الطبيب المعالج على ذمة التحقيق قبل أيام ومن ثم إطلاق سراحه بكفالة مالية بعد إضراب لنقابة الأطباء وبعدها تقدّم محامي العائلة أمس الجمعة بطلب استئناف ضد قرار إخلاء السبيل.

في خلال الأيام الأخيرة، سجّلت تصريحات وتصريحات مضادة، ما بين اتحاد نقابات المهن الحرة ونقيب الأطباء الدكتور أنطوان البستاني من جهة ووزير الصحة العامة وائل أبو فاعور من جهة أخرى، عبر وسائل الإعلام. ويأتي ذلك إلى جانب عشرات التقارير الصحافية التي تناولت القضية بأبعادها الإنسانية والقانونية والعلمية. لكن الوالد حسان طنوس قرّر أخيراً الابتعاد عن الأضواء قبيل الانطلاق إلى فرنسا في رحلة التشخيص الأولى لحالة إيلا. وتُدرك العائلة أن مأساتها من جرّاء إصابة إيلا ستُغيّر أسلوب حياتها جذرياً، فهي بحسب ما يقول الوالد "بحاجة لمساعدة دائمة، في حين تتخطى كلفة العلاج السنوية 150 ألف يورو (168 ألف دولار أميركي)، لتركيب أطراف اصطناعية وتغييرها سنوياً لتلائم جسدها الذي يكبر". تجدر الإشارة إلى أن العائلة التي احتفلت بعيد ميلاد إيلا في منتصف هذا الأسبوع، تتألف من الأبوين ومن ابنتَين هما إيلا الصغيرة (عام واحد) وشقيقتها بيرلا (خمسة أعوام).

العدل لا التشفي

يتحدّث طنوس لـ "العربي الجديد" بلهجة واثقة عن "استكمال الملف القانوني حتى النهاية، وصولاً إلى تحديد المسؤوليات ومنع تكرار الكارثة التي حلت بنا، مع عائلات أخرى". ويقضي الرجل الذي يترجم كلامه إيماناً كبيراً، نهاره ما بين مكتب المحامي في منطقة كسروان (شمالي بيروت) ومكاتب وزارتَي الصحة والعدل في العاصمة. ويؤكد: "نحن لا نريد أن نتشفى من أحد ولا أن نخطئ بحق أي كان نتيجة الغضب، ولا أن نستبق التحقيق".

على الصعيد القضائي، تقدّم محامي العائلة شفيق الترك بطلب استئناف لقرار قاضي التحقيق في بيروت جورج رزق الذي قضى بإخلاء سبيل الطبيب المتهم بالتقصير عصام معلوف، في مقابل كفالة مالية قدرها 100 مليون ليرة لبنانية (نحو 66 ألف دولار). من جهته، صرّح المحامي صخر الهاشم وكيل معلوف، أن الأخير "أكد علمياً أنه لم يخطئ في التشخيص ولم يرتكب أي خطأ على الإطلاق"، لافتاً إلى أن "كل الوقائع الواردة في الملف تؤكد ذلك".

لكن تقرير لجنة التحقيقات المهنية في نقابة الأطباء أشار إلى أن "عدم حضور الطبيب معلوف إلى المستشفى لتقدير خطورة حالة الطفلة، أدى إلى عدم إعطائها العناية الطبية اللازمة. وهو الأمر الذي أدّى بدوره إلى بتر الأطراف الأربعة لاحقاً في مستشفى الجامعة الأميركية في بيروت". وهي الخلاصة التي اعتبرها وزير الصحة "غامضة"، وطلب إلى مدعي عام التمييز سمير حمود، تولي التحقيق القضائي مع معلوف. وقد أوقف الطبيب في أثناء التحقيق معه "لاعترافه بالتقصير"، كما ورد في خبر التوقيف.

إلى ذلك، أوضح الوالد في إفادته أن معلوف اكتفى بوصف مضاد حيوي لإيلا بعد ظهور علامات زرقاء على أطرافها، بعد يوم واحد من نقلها إلى مستشفى سيدة المعونات في جبيل (شمالي بيروت) نتيجة ارتفاع حرارتها. وبعد تدهور وضعها الصحي، قررت العائلة نقلها إلى مستشفى أوتيل ديو في بيروت، حيث أعلمه الأطباء بحاجتها إلى طبيب مختص بالرئة للأطفال وهو غير متوفر في المستشفى بالتالي عليهم طلبه. حينها نُقلت إلى مستشفى الجامعة الأميركية حيث خضعت لعملية بتر لأطرافها الأربعة التي تعطلت نتيجة نقص الأكسجين الناتج عن تجلط الشرايين.

اقرأ أيضاً: "أطباء لبنان" تعلّق العمل تضامناً مع طبيب موقوف

الأطباء يتضامنون مع زميلهم

على أثر توقيف معلوف، تحركت نقابة الأطباء ومعها اتحاد نقابات المهن الحرة، وعقدت مؤتمرات صحافية اعتبرت فيها أن ما يحصل هو "حملة إعلامية تسيء إلى نقابات المهن الحرة". وفي خطوة لاحقة، أعلن نقيب الأطباء "تعليق العمل في المستشفيات والعيادات باستثناء الحالات الطارئة، إلى حين إخلاء سبيل الطبيب عصام المعلوف". ودعا البستاني "إلى عدم تحويل قضية علمية إلى مادة إعلامية دسمة تسيء إلى مهنة الطب والأطباء بشكل شخصي".

واللافت كان تكتل نقابات المهن الحرة (الطب والهندسة والمحاماة) في وجه وزارة الصحة ورفض نداء الوزير لعدم الإضراب، بالإضافة إلى الإجابات الاستعلائية التي قدّمها نقيب الأطباء على أسئلة الصحافيين. ودعا البستاني "اللبنانيين إلى عدم اللجوء إلى الأطباء في حال لم تعجبهم التصريحات". وقد حاولت "العربي الجديد" الاتصال بالبستاني، لكن مكتبه اعتذر عن التصريح. تجدر الإشارة إلى أن الأطباء أبلغوا بوقف الإضراب واستئناف العمل بعد قرار إخلاء سبيل الطبيب معلوف، عبر رسائل نصية وجهت إليهم. ويبقى أن موقف وزير الصحة في المقابل، كان حاسماً لجهة "رفض التلطي خلف النقابة وضرورة إعادة النظر في آلية المرور بنقابة الأطباء قبل التحقيق القضائي مع الأطباء".

امتيازات استثنائية للمهن الحرة

من جهة أخرى، يشير وزير العمل السابق شربل نحاس لـ "العربي الجديد" إلى أن "نقابات المهن الحرة حصلت على امتيازات استثنائية ثبتت من خلال قوانين منذ تأسيس الدولة اللبنانية، هي غير موجودة في معظم دول العالم". وتتنوع هذه الامتيازات بحسب نحاس ما بين "حصرية التمثيل للنقابات الحالية ومنع تشكيل نقابات جديدة، وحصرية منح حق ممارسة المهن الحرة إلى منتسبي النقابة، بالإضافة إلى فرض جباية الاشتراكات، وجعل لجان التحقيق النقابية ممراً إجبارياً قبل المحاسبة القضائية".

كذلك يؤكد نحاس أن قضية الطفلة إيلا تحوّلت معركة إعلامية بسبب "تمديد القضاء لفترات التوقيف قيد التحقيق بصورة غير قانونية، وبسبب ادعاء وسائل الإعلام حق المحاسبة للطبيب معلوف، إلى جانب موقف اتحاد نقابات المهن الحرة المنطلق من وضعها الاستثنائي المحمي بالقانون".

100 ألف دولار أميركي

تقدّم وزير الصحة العامة وائل أبو فاعور بطلب إلى مجلس الوزراء لصرف اعتماد مالي لعلاج الطفلة إيلا طنوس التي فقدت أطرافها الأربعة، بقيمة 150 مليون ليرة لبنانية (100 ألف دولار أميركي)، وهو ما وافق عليه المجلس. ويشير والدها إلى أن "المبلغ الذي دفعته العائلة حتى الآن يناهز 150 مليون ليرة"، شاكراً الوزير على مبادرته.

اقرأ أيضاً: النيابة العامة الصحيّة مطلب لبنانيّ ملحّ