إسماعيل فهد إسماعيل.. سارد الكويت يغادر روايته

27 سبتمبر 2018
الصورة
(إسماعيل فهد إسماعيل)
+ الخط -

هل يمكن اختصار المبدع أيا كان مجال إبداعه؟ سؤال يتبادر إلى الذهن فور قراءة سطور قليلة تخبر عن رحيله عن عالمنا، وخاصة حين تكون سطوراً يخيّل لمن يقرأها أنها مكتوبة بيد كائن آلي، أو آلة كاتبة لا نعرف من يضرب بأصابعه على حروفها.

المبدع حالة خاصة لا تعرفها أمثال هذه المختصرات السريعة، ويزداد الأمر خصوصية حين يكون ذا تراث روائي تتعدد الجهات الفكرية التي ذهب إليها، والأمكنة التي ارتادها كما هو حال الروائي الكويتي الراحل أوّل أمس إسماعيل فهد إسماعيل (1941 - 2018).

وهناك سبب آخر يمنع الاختصار والتلخيص، ويدعو إلى المزيد من التأمل والتقدير، بالنسبة لي على الأقل، أنا الذي التقيته قبل اسبوع فقط من رحيله مصادفة، فلمست في حديثه السريع والبسيط أن الرحيل عن هذا العالم كان آخر ما يفكر فيه، أو لم يكن في نيّته؛ الكل يرغب في البقاء، فما بالك إذا كان للراغب في البقاء أمانة يؤديها أو رسالة يؤمن أن عليه توصيلها مهما طال الزمن وامتدّت الأيام وظلّت بلا اكتمال؟

هذه كانت الحالة الذهنية لهذا الروائي الإنسان الذي لم يتوقف عن الكتابة منذ عرفته وحتى اللحظة الأخيرة التي جمعتنا فتذاكرنا الماضيات وافترقنا على وعد أن نستعيد الزمن الجميل. لهذا قلت إن الرحيل لم يكن في نيته، ولا تخيلتُ أنني سأقرأ خبره بعد أيام قليلة. رسالته متعددة الوجوه، كما هي الأمكنة التي ارتادها على خلاف عدد كبير من الروائيين الذين يظل الالتصاق بمكان من الأمكنة، وطناً كان أو مدينة، علامة أسلوبية فارقة في رواياتهم.

تبدأ هذه الرسالة بروايته الأولى؛ "كانت السماء زرقاء" (1970)، وتتوالى سطورها في رواياته وقصصه اللاحقة، ويلمس القارئ الحصيف أن الروائي يستدخل، ربما لأول مرة مذهب الواقعية الاشتراكية في أدب الرواية في هذه المنطقة من مناطق الوطن العربي، بلدان الخليج الخارجة لتوّها إلى الضوء على إيقاع موسيقى وغناء ما يسمى "الصوت" الموروث من العصر العباسي، والغناء البحري ورقصات القبائل الأفريقية وإيقاعاتها الغنائية، ونمط القصيدة العربية التقليدية، وحكايات ألف ليلة وليلة ومغامرات سيف بن ذي يزن، وأفاويه الهند وزركشاتها وخشب الساج الماليباري، ويذهب في أقاصيصه القصيرة مذهب الغيمة الوجودية التي تجاوزت عواصم مثل بيروت والقاهرة وألقت بظلالها على أبعد نقطة من نقاط الجزيرة العربية.

الاشتراكية والوجودية هما محتوى الرسالة على تفاوت بين تأثير هذه أو تلك في مخيلته، أي الواقعية بكل ما حملته هذه الكلمة من تراث الواقعيات في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وفلسفة الحرية، حرية الأنا المنفلتة من كل شرط كما رآها أشهر أقطابها، كامي وسارتر.

ولا تكتمل هذه السمات الإنسانية إلا بسمة من أبرز سمات تراث إسماعيل فهد، تلك هي تعدد أماكن وأزمان رواياته. فروايته الأولى تترى أحداثها المستعادة بأسلوب تيار الوعي في العراق، وأحداثها الحاضرة على الحدود العراقية الإيرانية، ويرجع زمنها إلى ستينيات القرن العشرين. ويمكن قول الأمر نفسه عن رواية "الشياح" (1976) التي تلاحق أحداث وأزمان وشخصيات الحرب الأهلية الطويلة في لبنان.

ولا تخرج رواية "النيل يجري شمالاً" (1983 و1984) من جزئين عن هذا الخط، فهي تذهب إلى مصر المتخيلة في زمن الغزو الفرنسي وما بعده.

ولعل روايته "إحداثيات زمن العزلة" (1996) بأجزائها الستة، هي الرواية الوحيدة التي يتجلّى فيها المكان/الكويت تجلياً واضحاً، ربما بسبب أنها رواية شبه تسجيلية عن تلك الأشهر التي احتل فيها الجيش العراقي الكويت، مع ملاحظة أن ملامح من الكويت لم تغب عن عدد من رواياته مثل "الطيور والأصدقاء" و"الضفاف الأخرى".

هذه الانتقالات تثري التجربة الروائية، وتحمل دلالة أكثر أهمية من التعبير عن نزعة إنسانية متحررة من الآفاق الضيقة التي قلّمت حتى الثقافة العربية وحوّلتها إلى أزقة لا يعرف أحدها عن الآخر شيئاً، ناهيك عن أن يدلّ عليه أو يشير إليه ولو عرضاً. دلالتها تكمن في أن مصير أي منتج ثقافي عربي لا يُعرف ولا يتحدّد ولا مستقبل له إلا في إطار أفق قومي لا في أي إطار إقليمي ضيق، هذا هو الأفق الحق لأي منتج ثقافي عربي.

وثمة سِمة بارزة أخرى أيضاً في رواياته ربما تغيب عن نقاده ودارسيه، وهي التناص الواضح الذي مارسه مع نصوص روائية عربية، وما يبدو أنه حوار يقيمه مع نصوص أو عناوين نصوص لكتّاب وفنانين عرب. مثال ذلك أن روايته الأولى "كانت السماء زرقاء"، تكاد تكون نسجاً على منوال رواية غسان كنفاني "ما تبقى لكم"، التي يهرب بطلها أيضاً من واقعه باحثاً عن أهله عبر الصحراء، كما فعل الهارب من العراق.

مجموعة إسماعيل فهد إسماعيل القصصية "عالم ليس لغيرنا" ينقلنا عنوانها فوراً إلى أقاصيص غسان المعنونة "عالم ليس لنا". وحمل لنا عمله ما قبل الأخير "على عهدة حنظلة" (2017) سيرة خيالية أو حوار مع سيرة متخيلة للفنان ناجي العلي، ليختم إصداراته بـ"صندوق أسود آخر" (2018).

وأخيراً لا بد من ذكر تحوّل مهم أحدثه هذا الروائي في فن الرواية العربية، فقد انتقل بالعبارة القصيرة الشبيهة بالعبارة البرقية، إلى ما يشبه توصيف مُعدّي سيناريوهات الأفلام السينمائية لمجريات اللقطات المصورة والنص الذي يرافقها، فأصبحت قراءة روايته أكثر شبهاً بقراءة سيناريو فيلم، يقرأ فيها المرءُ صفات اللقطة، قريبة أو بعيدة، شاملة أو مفصلة، وحوار الشخصيات عارياً، والتعليقات خارج الكادر.. إلخ.

حدثت هذه النقلة في العام 1973، في روايته "الضفاف الأخرى" التي لمسنا فيها تغييراً جوهرياً؛ حين ترك السرد الوصفي المسهب وانتقل إلى التصوير وكأنه يحوّل النص إلى صور متحركة وحوار فقط. وواصل هذا التحويل للنص الروائي إلى سيناريو سينمائي في بعض من رواياته اللاحقة وآخرها "سماء نائية".

وقد يختلف تقييم هذه النقلة بين قارئ وآخر، إلا أنها كانت نقلة مهمة أضفت على الفن الروائي ما يمكن أن نسميه "المزج اللوني" بين الرواية والسينما والعبارة القصيرة الأقرب إلى العبارة الشعرية، وخلّصت الرواية من السرديات المطولة التي امتازت بها روايات القرن التاسع عشر وما تلاها في القرن العشرين.

__________________________
حضور خارج الرواية
بسبب انتظام تجربته الروائية ربما، غلبت صفة الروائي على إسماعيل فهد إسماعيل منذ روايته اللافتة "كانت السماء زرقاء" (1970)، إلى "صندوق أسود آخر" (2018) التي نوقشت في الكويت قبل أيام بحضور صاحبها. لكن تجربته تمتد إلى أكثر من فضاء، مثل القصة حيث أصدر "البقعة الداكنة" (1965) و"الأقفاص واللغة المشتركة"، وللمسرح قدّم أعمالاً مثل: "النص" و"للحدث بقية - ابن زيدون"، كما وضع دراسات منها "الفعل الدرامي ونقيضه".

دلالات

المساهمون