أيها المربي... استرح قليلاً ولا تنسَ نفسك

25 ابريل 2016
الصورة
تربية الأبناء مرهقة وتحتاج إلى تجديد الأفكار والمهارات(Getty)
+ الخط -
هذه القصة كلما قرأتها تأثرت كثيرا، وهي قصة المرأة الفقيرة التي تصدّق عليها أحدهم بثلاث تمرات، وكانت لها ابنتان، فأعطت كل واحدة منهما تمرة، وأخذت هي التمرة الثالثة، ولكنها بمجرد أن وضعت التمرة في فمها نظرت إليها البنتان الجائعتان نظرة استعطاف مختلطة بآثار الحرمان، فأخرجت المرأة التمرة من فمها – بعد أن كادت تسد رمقها، وشقتها نصفين وأعطتهما للطفلتين الصغيرتين. وعندما سمع رسول الله – محمد صلى الله عليه وسلم - هذه القصة قال: لقد وجبت لها الجنة بهذا العمل.


كلما قرأت هذه القصة شعرت بالعدل والتقدير لدور المربي، ذلك الذي يمنح بغير شروط، ويؤثر أبناءه على نفسه، ولا يتبع عمله بالمن أو الأذى. ذلك المربي الممتلئ بالمسؤولية تجاه الأمانة التي سيحاسبه عنها ربه وضميره، وسيحاسبه أبناؤه أنفسهم عندما يكبرون فيردون الإحسان إحساناً، ويردون الإساءة إساءةً.

مطلوب من المربي ثلاثة أنواع من المهارات في غاية الصعوبة:


1) مهارات عقلية: التفكير وإبداع الحلول للمشكلات، فهو يفكر دائما في وسائل مناسبة للتوجيه والثواب والعقاب، ويفكر كل لحظة في بدائل لتلك الوسائل التي استخدمها فأفلحت مع هذا الابن ولم تفلح مع ذاك، ويفكر كيف ينمي قدرات أبنائه مهما كانت ظروفه الاقتصادية ومهما كان الأبناء مختلفين.

2) مهارات التواصل: الحوار والإقناع والإنصات والتعاطف والتعبير عن الحب، والتمييز بين الحزم والعنف، وبين الرحمة والتدليل.

3) مهارات نفسية: مثل الاتزان والثبات الانفعالي والبشاشة والإيجابية مهما صدر من ابنه من  فشل أو تعثر أو أخطاء.

هذه المجموعات الثلاث لا يمكن اكتسابها إلا من خلال سعي المربي للتعلم والتدريب ومراجعة النفس والصبر والدأب، وربما دون تشجيع من أحد، بل على العكس قد لا يجد إلا التثبيط وادعاء الخبرة والاتهام بالخيبة من أقرب الناس حوله.

إن الضغوط التي يتعرض لها المربي ليقوم بدوره على أكمل وجه هي ضغوط تنوء بحملها الجبال، لهذا نجد كثيرا من المربين ينفس عن ضغوطه بالانفعال على أبنائه أنفسهم، أو أنه ينسحب من المسؤولية تاركا تربية أبنائه للزمن.



لا تجعل من نفسك شمعة وكن كالمصباح الكهربائي
لذلك نقول: أيها المربي ... استرح قليلا.. ولا تنس نفسك، لا تجعل من نفسك نموذج "الشمعة التي تحترق" لأن الشمعة إذا احترقت وذابت لن تستطيع أن تضيء للآخرين فترة أطول كما كانت تتمنى، وستعجز عن تقديم المزيد من الخير لأقرب الناس إليها. لا تكن كالشمعة، ولكن كن كالمصباح الكهربائي الذي يتصل دائما بمصدر للطاقة حتى يستطيع أن يستمر في الإضاءة للآخرين. ولكن السؤال هو: ما هو مصدر الطاقة؟ ونجيب في النقاط التالية:


- لا بد أن يكون لك وقت مقدس للراحة يوميا وأسبوعيا وشهريا، ولا بد أن يفهم الأبناء هذا: "ماما في حاجة للراحة لأنها إذا لم تحصل على هذه الراحة لن تستطيع أن ترعانا غدا".

- خلال هذا الوقت اليومي أو الأسبوعي أو الشهري افعل ما تحب، افعل ما يشعرك بالراحة وتجديد الطاقة. لا تقلد الآخرين وإنما اختار ما يناسبك أنت، هل هو زيارة الأصدقاء؟ أم الذهاب لمكان به خضرة أو ماء؟ أو الذهاب للسينما أو لحفل موسيقي؟ أو الرسم والتلوين؟ وقاتل من أجل هذا الحق في الراحة.


- لا تنشغل بسخرية الآخرين منك، سيقول بعضهم: ما هذه الأم التي تترك أبناءها لتذهب للسينما؟ وسيقول بعضهم: ما هذا الأب الذي يذهب للشاطئ مع أصدقائه ألم يكن الأولى أن يصحب أبناءه معه؟.. لا تهتم ولا تكترث، لأن هؤلاء الساخرين لن ينفعوك بشيء عندما تحترق أو تنهال على أولادك ضربا بسبب الضغوط.



- خذ كفايتك من النوم (بدون إفراط أو تفريط)، فالأحلام هي أفضل وسيلة للتنفيس للعقل الباطن، كما أن تلك الماكينات التي تعمل طول النهار لا بد أن يتم غلقها لوقت كاف أثناء الليل.


- تعلم الاسترخاء، واجعله صديقك المقرب، حتى لا تقتلك مادة "الأدرينالين" قتلا بطيئا كلما قام الجسم بضخها في دمك تحت تأثير الضغوط. والاسترخاء ببساطة هو أن تهدأ ليسكن جسدك المنهك، وتتنفس بهدوء وتتوقف عن التفكير فيما يغضبك وتستبدله بشيء آخر يطمئنك من الماضي أو المستقبل.

- فتش عن هواياتك القديمة وأحييها، وابذل في ذلك بعض الوقت والخطط والأهداف وربما المال.

- لا تنس أهدافك الشخصية (ربما تكون تعليمية أو مهنية أو تطوعية)، ولا تجعل نجاحك مقتصرا على أبنائك فقط، فأنتم حيوات مستقلة، وليس من المنطق أن تفنى حياة من أجل حياة أخرى، وإنما نحن نحاول أن نتوازن بين كل الحيوات، ليحيا الجميع ويؤدي رسالته تجاه نفسه والآخرين بشكل متوازن.

- اطلب الدعم، من صديق أو أخ أو أخت، أو من متخصص إذا لزم الأمر.

 

سنظل نؤثر أبناءنا على أنفسنا، وسنظل ننزع التمرة من فمنا لنعطيها لهم، هذه هي الأبوة والأمومة، ولكن إلى جانب هذا، علينا – بشكل ما – ألا ننسى أنفسنا. 




المساهمون