أين التوزيع السينمائي للأفلام العربية؟

15 يوليو 2019
الصورة
مريم التوزاني: هل يُعرض فيلمها "آدم" عربيًا؟ (فيسبوك)
تحتاج السينما العربية، حديثة الإنتاج، إلى تسهيلاتٍ عديدة، أبرزها تنفيذ خطة عمليّة لتوزيع أفلامها في الجغرافيا العربية. المُشارَكة في مهرجاناتٍ دولية مُهمّةٌ، لكنها غير كافية عربيًا. العروض التجارية في الصالات الغربيّة مُهمّةٌ هي أيضًا، لكن الحاجة إلى تواصل مع بيئات عربيّة، تخرج هذه السينما منها، أساسيّ ومطلوب وضروري. بعض الأفلام العربيّة يُعرض في مهرجانات عربية ودولية، مُقامة في مدنٍ عربيّة. المقصود بـ"خطة عمليّة للتوزيع" يتجاوز إطار المهرجانات كلّها، فهدف الخطّة تأمين صالات عربيّة في مدن عربيّة، وتفعيل المُشاهدة العربية لأفلام عربية معروضة في صالات كهذه. 

في المهرجانات الدولية، هناك مشاهدون ومنتجون وموزّعون، ما يعني أن اهتمامًا ـ متنوّع الأشكال ـ تحظى به الأفلام، وإنْ "يُعجَب" منتجٌ أو موزّع بهذا الفيلم العربي أو ذاك، فالتواصل مع مخرجه أو منتجه يُصبح أسهل، والنتائج ربما تفضي إلى مشروعٍ جديد مع منتجٍ أجنبي جديد، او إلى توزيعٍ وعروضٍ تجارية في صالات أجنبيّة.

هذا مهمّ. هذا جزءٌ من العمل السينمائي، يرتبط بالجانب الصناعي الاقتصادي التجاري. أفلام عربية عديدة تُنجَز بسوية جمالية مهمّة، موضوعًا وكتابة ومعالجة واشتغالات فنية وتقنية وتمثيلية مختلفة، غير متمكّنة من العثور على صالة عربيّة خارج المهرجانات العربية، لكنها تلقى ترحيبًا أجنبيًا ما. لن يكون سهلاً "جذب" منتج أو موزّع في الغرب، لكن الجماليات تلك تُلفِت انتباهًا، أو تُثير حشرية، ولعلّ المُقبل من الأيام يكشف تواصلاً ما، هو أيضًا مهم وضروري ومطلوب.

لكن التوزيع العربيّ للأفلام العربية يواجه عقبات جمّة، تبدأ بالرقابات والنزاعات والانشقاقات في مستويات مختلفة، وانعدام كلّ جهدٍ حقيقي لتفعيل التواصل العربي ـ العربي، خارج المفهوم القديم لـ"الوحدة العربية"، العاجز عن التحوّل إلى فعل عمليّ حقيقي. عائق اللهجات العربية سببٌ، لكن "ترجمة" عربية (فصحى ومخفَّفة) تُسهِّل المُشاهدة.

حتى أنّ "صالات فنّ وتجربة"، نادرة الوجود في المدن العربية أصلاً، غير مهتمّة بوضع خطط لعرض أفلام عربيّة متنوّعة. صالات كهذه، مموّلة من جهات أوروبية معنيّة بسينما مختلفة، تُنظّم احتفالات ومهرجانات واستعادات سينمائية عديدة، لكنها معنيّةٌ كلّها بسينما أجنبية، أو بسينمائيين أجانب، ونادرًا ما يتضمّن برنامجها السنوي احتفاءً بسينما عربية، أو بسينمائيين عرب. صحيح أنّ "أيام بيروت السينمائية"، في دوراتها الـ10 السابقة، مكترثة للغاية بسينما عربية شبابية وجديدة ومختلفة، شكلاً ومضمونًا، وهي تُقام في صالة "متروبوليس سينما"، التي يُفترض بها أن تكون "صالة فنّ وتجربة"؛ لكن هذا محصورٌ في إطار مهرجانٍ لا في خطة توزيع تجاري.

أما القول بغياب "جمهور" لسينما عربيّة جديدة وتجديدية، فباطلٌ، لأن لا تجربة سابقة تكشف هذا فتؤكّده أو تنفيه، ولا اختبار عمليًا يُتيح البناء عليه لاحقًا.

رغم هذا، فإنّ "أسبوع الفيلم المغاربيّ"، المُقام في بيروت نهاية تسعينيات القرن الـ20 (تنظيم ديما الجندي)، شاهدٌ على وجود مُشاهدين لبنانيين مهتمّين بسينما المغرب العربيّ، إلى درجة أن الأسبوع يطول إلى أيام عديدة أخرى. لكنها تجربة واحدة تتعطّل باكرًا، وأسباب تعطيلها كامنةٌ في نمط التفكير السائد لدى أصحاب صالات وموزّعين، الذي يتمثّل بأولوية المنفعة التجارية المالية البحتة.

تجربة "سينما زاوية" في القاهرة، حديثة زمنيًا وفاعلةٌ سينمائيًا. فرغم غلبة النشاط الأوروبيّ عليها، تجد أفلام مصرية وعربية مكانًا لها في بقعة سينمائية تتميّز باختلافٍ واضح عن مفاهيم السوق والربح والخسارة. لكن الحاجة ملحّة إلى مساحة أكبر للسينما العربيّة، وبعض أفلامها حاضرٌ في الصالة بين حين وآخر.

على السينما أن تكسر الحدود المُقامة بين الدول العربيّة. لكن رغبة كهذه معطوبة، فالحدود العربية ـ العربية تصنعها سلطات وحروب ونزاعات ورقابات وحسابات لا علاقة لها البتّة بالسينما والفنون والثقافة، وتساهم في صنعها جهات معنيّة بالسينما والفنون والثقافة أيضًا، تتخاذل أمام مواجهة كلّ عقبة تقف حائلاً دون تواصل سينمائي عربي ـ عربي. أفلام عربية حديثة الإنتاج، تمتلك تجديدًا فعليًا في الاشتغالات المختلفة، قادرة على اختراق تلك الحدود، لكن ما من موزّع عربيّ يكترث بها.