أيقونات فلسطينية.. جمالية الصورة ومرارة الواقع

أيقونات فلسطينية.. جمالية الصورة ومرارة الواقع

31 أكتوبر 2018

عايد أبو عمرو بعدسة مصطفى حسونة بمسيرة العودة (26/10/2018/الأناضول)

+ الخط -
لكل شعبٍ رُموزُه الوطنية، ولكل ثورة أيقوناتها. وكان على الأيقونة (الصورة أو الشبه أو المثال)، مترافقةً مع طقوس دينية، أن تنقل الإنسان المتعبّد من الأرضي والزمني إلى الروحي المطلق.
اعتنى الفلسطينيون عناية خاصة بصناعة أيقوناتهم النضالية، في مختلف مراحل ثورتهم، وكانت في غالبيتها أيقونات حية: قادة، كتّاب وأدباء وشعراء، مناضلين الأحياء منهم والأموات، أسرى ومحررين.. ألهمتهم ونقلتهم من ضيق أفق الواقع إلى فضاء الحلم الأكثر رحابة.
أخيرا، حظيت صورة التقطها المصور الفلسطيني، مصطفى حسّونة، لصالح وكالة الأناضول التركية في 22 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، بشهرة واسعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لنكون أمام أيقونةٍ فلسطينية جديدة. يظهر في الصورة متظاهر فلسطيني في غزة، يدعى عايد أبو عمرو، تعمّد حسّونة من خلاله مقاربة لوحة الرسام أوجين ديلاكروا الشهيرة باسم "الحريّة تقود الشعب" التي خلّدت انتصار ثورة يوليو الفرنسية 1830.
لا تخلو الصورة الفوتوغرافية من إبداع بصري، وتحدٍّ في مستوى الرموز والذاكرة التاريخية، فكأنها أيقونة فلسطينية تنتزع أيقونة إسرائيلية، ليصارع هذه المرة داود الفلسطيني جوليات الإسرائيلي. توظيف الظل والنور، في العملين الفنيين، يسهم في إبراز كلّ من ماريان/ إلهة الحرية، وأبو عمرو/ داود، بطلين للوحة، وكان سهلا على رواد مواقع التواصل الاجتماعي البحث عمّا هو مشترك في العملين، على أرضية؛ ثورة هنا وثورة هناك، وحرية هنا وأخرى هناك. لكن مقارنةً ركّزت على المتشابه والمشترك بدت تعسفيةً، حين أغفلت اختلافاتٍ في دلالات كلا العملين، والظروف المحيطة بعملية إنتاجهما، فبينما تبدو ماريان تزهو مختالةً بالنصر، بعد أن وصلت بالشعب إلى مُراده، ترتسم في وجه أبي عمرو ملامح الغضب، ونظرة إلى هدفٍ ما زال بعيدا. تحوّلت ماريان شعارا جمهوريا ديمقراطيا، بينما يستمر الفلسطينيون في البحث عن أيقوناتهم النضالية في طريقهم نحو الدولة.
يَخرج حسّونة في عمله الفني برؤيةٍ مغايرةٍ لما درجت عليه أيقونات الفلسطيني التقليدية، فالبطل هنا ليس ملثّما بكوفية فلسطينية، بل شاب عصري (مودرن)، يتقدّم بعنفوانٍ، عاري الصدر، 
يحمل علم فلسطين في يد ومقلاعا في اليد الأخرى، وقد تزنّر قميصُه حول خصره، ودُمِغَ سرواله بعلامة تجارية لشركةٍ هي الأشهر في عالم صناعة الملابس الرياضية. لكن كم من شباب غزة يستطيع اقتناء هذا النوع من الملابس؟ وهل لنا أن نشكّك في عفوية تلك اللقطة؟
يُبرز ديلاكروا في لوحته جمالية الجسد الأنثوي؛ ماريان تتقدّم عارية الصدر، فيتقدّم التحرّر إلى جانب الحريّة. لكن عُري صدر أبي عمرو، وجمالية جسده الذكوري، لا تبدو تحرّرا بقدر ما هي تخفّف من الثياب ضروري لخوض المعركة، وكأنه ليونيداس ملك إسبارطة في فيلم 300، للمخرج زاك شنايدر (2006)، وقد رمى بتُرسِه الثقيل بعيدا كي لا يفقد توازنه، وهو يصوّب رمحه نحو هدفٍ بعيد. لكن كم من مسافةٍ لا تزال اليوم تفصل بيننا، نحن الفلسطينيين، والحريّة والتحرر؟ وهل تخفّف الفلسطينيون من كل ما يعيق وصولهم إلى أهدافهم؟
لننظر مثلا إلى وضع المرأة الفلسطينية في قطاع غزة، الفقدان على المستوى الشخصي (خلفت حرب عام 2014 حوالي 750 أرملة)، انتهاك حقوق المرأة في الوظيفة، التمييز ضدّها في الأجور والعلاوات والمراتب الوظيفية، العنف والاضطهاد الموجّه ضدها، حالات قتل متزايدة للنساء على خلفياتٍ متعدّدة، ينجو معها الفاعلون الذكور غالبا من العقوبة.. جعل ذلك كله المرأة الفلسطينية الحلقة الأضعف في ظلّ حصار أمني وعسكري إسرائيلي، وفوقها حصار المجتمع الذكوري الفلسطيني.
يتعثر بالفلسطيني الطريق، في ظل احتكار نُخبه السياسية المجال العام، ومصادرة الحريات الفردية والعامة. ومن المُخجل حقا أن تنتقد منظماتٌ حقوقيةٌ انتهاكات سلطات رام الله وغزة حقوق الإنسان.
تتقدّم ماريان/ الحرية فوق جثث من سقطوا في سبيلها، إنه الثمن الواجب دفعه لقاء الثورة، لا يظهر هذا الثمن في حالة أبي عمرو، إذ يتوارى خلف جمالية الصورة كل أنواع الموت التي تفتك بقطاع غزة، ثالث أكبر منطقةٍ سكانيةٍ من حيث الكثافة في العالم، باتت فيها المؤشّرات الاجتماعية والاقتصادية في حدودها الدنيا، لتصبح مرشحة خلال عامين، وفق تقارير أممية، لأن تكون مكانا غير قابل للحياة.
بأيقوناتنا نتجاوز واقعنا المر، فنخفي وراء عنفوانها وشموخها، ألمنا، وضعفنا، وانكسارنا. لذلك، نصنع من صورة الطفل فارس عودة في مواجهة دبابة الميركافا الإسرائيلية أيقونة، وننسى صورته جثةً هامدة، بعد أن قتله رصاص الاحتلال. نتذكّر عنفوان الطفلة عهد التميمي، وشموخها في الميدان، وقاعات المحاكمة، ويغيب في ظلام ذاكرتنا محمد المناصرة، الطفل الذي انهار تحت ضغط أساليب العنف والإكراه المعنوي والجسدي، ليصرخ في وجه محققيه الثلاثة: "مش متذكّر".
بقيت التميمي الأيقونة، وبدل أن تظلّ رمزا لقضية أطفال فلسطين في علاقتهم بالاحتلال، تحوّلت هي إلى قضية في ذاتها، لتصبح رمزا مكرّرا للاستهلاك الإعلامي والاستغلال السياسي، من دون رسالة واضحة. علينا تحديد خياراتنا، هل نريد أن نحوز إعجاب العالم أم إيقاظ تعاطفه معنا؟
وراء عنفوان أيقوناتنا، وجمالياتها، وما تحوزه من إعجاب، نُكرّس انفصالنا المتنامي عن الألم، 
لكننا معه نُكرّس أيضا نقصا في المسؤولية الجماعية عنه. وإنْ كان على أطفالنا أن يبدوا للعالم مقاومين، فعلى العالم أيضا أن يدرك حقيقة أنهم أطفال يتألمون، ويبكون، ويرتعدون خوفا، وتُنتهك حقوقهم يوميا في الصحة، والتعليم، واللعب، وفي حياةٍ طبيعية، كغيرهم من أطفال العالم. وينبغي ألا يُخفي صبر نسائنا على ما ابتلين به، حرمانهن، وفقدهن، واضطهادهن، وألا يحجب صمود رجالنا أنَهم بشر يُحبّون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلا.
يبدو الطفل فوزي الجنيدي، في صورة للمصور الفلسطيني، عبد الحفيظ الهشلمون، وقد تكالب عليه جلّادوه، من الجنود الإسرائيليين الثلاثة والعشرين، لضربه واعتقاله وسوقه معصوب العينين. لم نحوّل نحن الجنيدي أيقونة، بل بقي واقعنا الصريح تحت نير الاحتلال، وتحوّلت الصورة رسالةً إعلامية بمضمون عميق، وألم بالغ، هزّت العالم، وفضحت حجم انتهاكات الاحتلال لحقوق الإنسان والطفل الفلسطيني، واستجلبت تضامنا واسعا من منظمات حقوقية محلية ودولية، وألهمت أيضا رسّامين عالميين أمثال الإيطالية إليشا بيلونزي التي حوّلت رسالتنا الإعلامية أيقونة عالمية.
محمد الدرة، هدى غالية، علي دوابشة، فوزي الجنيدي، وغيرهم، ليسوا أيقونات نصطنعها، ولا ينبغي أن يكونوا كذلك. هم ضحايا واقعنا المرير تحت الاحتلال الذي ينبغي ترجمته رسائل إعلامية، تتضح معها مأساتنا، ومطالبنا العادلة في الحرية وتقرير المصير، وهمجية عدونا. على الفلسطينيين إيصال رسائلهم التي تعكس معاناتهم، ومراكمتها، بدل الانشغال بصناعة أيقوناتٍ تذوي سريعا بعد استهلاكها شعبيا ومحليا وإعلاميا، في ظل تجاذباتنا السياسية، ولنترك للآخرين أن يحوّلوا تلك الرسائل، غير المراوغة في إيصال صورتنا ومعاناتنا (طبعا من دون ظلال سوبرمانية)، ما شاءوا من أيقونات.

دلالات