أوقفوا عدّادات كورونا

01 يونيو 2020
الصورة
لا داعي للهلع (بن هاستي/ Getty)
قبل خمسة أشهر، بدأ الحديث عن فيروس غامض ظهر في مدينة ووهان الصينيّة، قبل أن يتخطّى حدود الصين فيغزو بقاع العالم بمعظمها، وقد عُرّف بأنّه فيروس كورونا الجديد. مذ راح يتمدّد، دأبت جهات مختلفة، أكاديميّة وإعلاميّة وغير ذلك، على احتساب ضحاياه من مصابين ومتوفّين، بالإضافة إلى حالات التعافي. وصار يُحكى عن عدّادات كورونا. وها نحن، بعد أكثر من 150 يوماً على ظهور الفيروس، نترقّب آخر الأرقام المحليّة والعالميّة على حدّ سواء، لنبرّر قلقاً وهلعاً نشعر بهما وسط هذه الأزمة الصحيّة التي تحوّلت إلى أزمات تختلف طبيعتها.

الأرقام لا تكذب. هذا ما تعلّمناه مذ كنّا صغاراً على مقاعد الدراسة... وترسّخت الفكرة في أذهاننا. وهكذا، وسط هذا الوباء العالميّ الجديد الذي أرغم مئات الملايين من البشر على ملازمة بيوتهم للاحتماء من "الفيروس الشرس"، تأتي الأرقام المتصاعدة لتصبّرنا على حجر أُكرهنا عليه. صرنا مهووسين بمتابعة تلك الأرقام المتغيّرة على مدار الساعة، فيزيد قلقنا مع ارتفاعها، في حين أنّ استقرارها لا يطمئننا. "لا بدّ من أنّ ثمّة خطباً ما في ذلك!" وننهمك في التحليل. "ماذا لو كانت الجهات المعنيّة لا تُفصح عن الأرقام الحقيقيّة لغاية في نفس يعقوب؟".

التشكيك في الأرقام يبدو بديهيّاً وسط الظروف الضاغطة التي يعيشها أهل المعمورة، ولا سيّما أنّ الحاجة إلى التهويل والمبالغة من طبيعتنا البشريّة. بعيداً عن توجّسنا وعمّا قد تنسجه مخيّلاتنا، فإنّ الأرقام ليست دقيقة من وجهة نظر علميّة. لا يرتبط الأمر بمحاولة "لفلفة" أو غير ذلك، بل بواقع أنّ الفحوص الخاصة بالفيروس الجديد لا تغطّي جميع الأشخاص المحتملة إصابتهم، خصوصاً أنّ الأغلبيّة لا تظهر أيّ أعراض عليها، أو تكون أعراض الإصابة لديها خفيفة، فيما لا تُلاحَظ أحياناً، ويمرّ المرض مرور الكرام. يُذكر أنّ أرقام الإصابات، بحسب ما يُقدّر خبراء، لا بدّ من أن تكون مضاعفة عشر مرّات وفق ما خلصوا إليه حتى الآن. مهلاً... لا داعي للهلع. المشكلة ليست في الأرقام، فأعداد الإصابات بالإنفلونزا وأعداد ضحايا الطرقات وأعداد المتضرّرين من التدخين وأعداد الذين يقضون جوعاً وأعداد الأطفال الذين لا يتلّقون لقاحاتهم تفوق في كلّ منها المتضرّرين من كورونا بأشواط. المشكلة اليوم تكمن في واقع أنّ كلّ شخص هو مصاب محتمل، وقد ينقل العدوى إلى آخرين يُصنَّفون من الفئات الهشّة، وكذلك في واقع أنّ تزايد الإصابات الكبير بين تلك الفئات قد يهدّد الأنظمة الصحيّة بالانهيار في حال فاق الأمر قدراتها.



مذ بدأت الدول تعمد إلى فرض الحجر المنزليّ، راح خبراء كثر يتناولون الآثار النفسيّة لذلك وكيفيّة التخفيف من وطأة الضغوط للخروج بأقلّ الأضرار الممكنة على صعيد الصحّة النفسيّة. لكن، بحسب ما يبدو، لم يبحث أحد في الأثر الذي تخلّفه متابعتنا عدّادات كورونا على مدار الساعة. نتابعها كأنّما نحن في انتظار حتفنا. ترقُّب الأرقام المحدّثة شكل من أشكال الهوس الجديدة وسط الأزمة الراهنة، لا بدّ من أن يتوقّف عنده المعنيّون كذلك. ربّما كان الأجدى تعطيل عدّادات كورونا.

دلالات