أمير الصمت: ما هذا الهراء يا أخي؟

28 سبتمبر 2019
الصورة
نظر إلى الملاكمة بوصفها شكلًا من أشكال العزف (Getty)
+ الخط -
"يبدأ مستقبلي عندما أستيقظ كل صباح. كل يومٍ أجد شيئًا إبداعيًا جديدًا في حياتي". تصحبنا هذه العبارة، في رحلة لقلق مايلز ديفيس الإبداعي، الذي استمر معه حتى آخر نفسٍ لفظه. يقول الشاعر والكاتب الأميركي كوينسي تروب:

"أتذكر أنني كنت أتجول برفقة مايلز في متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، وبما تسعفني ذاكرتي، كان ذلك في موعد أسبوع العرض المصري. وقف مايلز بجانب مومياء محفوظة في صندوق زجاجي. أشار إلى المومياء وقال: لا أريد لموسيقاي أن تكون هكذا يومًا ما، لأن هذا يعني أنك ميت. إذا لم تصغِ لما يخبرك بهِ إلهامك الآن، فسينتهي بك المطاف مثل هذه المومياء".

في عام 1987، وافق ديفيس على حضور حفلة جوائز في البيت الأبيض، بحضور الرئيس الأميركي رونالد ريغان، وهو أمر لا يتواءم مع طبيعته الصريحة التي تجعله دائمًا يرفض مثل هذه المناسبات الاستعراضية. لكن موافقته كانت من أجل صديقه، العازف والمغني راي تشارلز؛ إذ كان أحد الفائزين بجائزة في ذلك اليوم.

كان حظّ ديفيس أن جلس إلى طاولة تجمعه بزوجة الرئيس ريغان، التي نظرت إليه بتعالٍ، وسألته عمّا فعله ليستحق دعوة إلى حفل مثل هذا. فأجابها بسرعة: "حسنًا، لقد أحدثت خمس أو ست ثورات غيّرت عالم الموسيقى". ثمّ سألها: "ما الذي فعلتِه لتستحقي الدعوة غير أنّك ضاجعتِ الرئيس؟".





الشيف
من بين كل الألقاب التي أُطلقت عليهِ في حياتهِ، إلا أن أكثرها صدىً ومعنىً: "أمير الصمت"، فهو عازف وموزع موسيقي ومدير فرقة. بالنسبة لمتابعيه، هنا ينتهي دوره، حتى بالنسبةِ له؛ فهو يعتلي خشبة المسرح، فقط ليعزف. لم يكن ديفيس صامتًا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل كان عقله يضج على الدوام.

إلى جانب عمله في الموسيقى، كان ديفيس رسامًّا أيضاً: "بالنسبة لي، فإن الرسم عملية عِلاجية، إذ يحافظ على عقلي مشغولًا بأمر ما في الوقت الذي لا أعزف فيهِ الموسيقى"، يقول في سيرته الذاتية.

يقول صديق ديفيس، مايك زويرن: "حسب معرفتي، فإن مايلز هو الموسيقار الوحيد الذي يصفق له الجمهور على صمته، أو لمجرد مشيهِ على المسرح. ذات مرة سألته: هل أنت منخرط في الفنون البصرية أيضًا؟"، وهو يعرف أن له تجارب فنية في الرسم.

يجيب مايلز: "الرجل الذي يعتني بنظافة بيتي في كاليفورنيا يا مايك، يلقّبني بـ الشيف. أسأله: هل تعجبك هذه الرسمة؟ فيجيبني: نعم، أعجبتني، أعجبتني، ولكن قبل أن تنتهي منها. يعتقد ذلك الرجل بأني خرّبت الرسمة وأضفت إليها الكثير من العناصر. علي أن أتعلم كيف أتوقف. أعرف كيف ومتى أتوقف عند العزف، ولكن موازنة نفس الأمر في عالم الرسم، ليس بالأمر السهل".

يسأله مايك: "هل تترجم الموسيقى إلى ألوان بالنسبة لك؟".

يرد دايفيس: "هل تقصد إذا ما كانت الألوان تضيء في عقلي عندما أعزف؟ ستفاجأ إن أخبرتك بما يضيء في عقلي وقتها. الرسمات هي موسيقى يمكنك رؤيتها، والموسيقى، لوحات فنية يمكنك سماعها".





أبيض في الفرقة
بطبيعة الحال، عانى ديفيس الاضطهاد لفترة لأنه أسود، فكان يحتقر العنصرية. يقول: "عندما أكره التحامل من جهة على جهة، فأنا أبغض ذات التحامل حين يكون بطريقة معاكسة. أتذكر تمامًا عندما وظّفت شخصًا أبيض في فرقتي، فكان كل مجتمع الموسيقيين السود يشعرون بالغضب لأنني وظفت أوفاي. لا يهمني اللون أبدًا. قلت لهم: لو أنني وجدت شخصًا يجيد العزف مثله، لوظفته بلا تردد، ولن يهمني لونه، سواءً كان أخضر أو أحمر".

كان أكثر ما يثير حنق ديفيس، حين يعتقد البِيض بأنهم هم من اخترعوا أو أعادوا اكتشاف الجاز، في حين أن هذا الفن كان ابنًا لثقافة الأفروأميركيين بالمقام الأول.. كان كلما سمع شخصًا ذا بشرة بيضاء يتحدث عن الجاز بنبرة تحامل، يعلّق: "لا يختلف الأمر كثيرًا عن كولومبوس الذي ادّعى بأنه اكتشف أميركا، في الوقت الذي كان يقطنها الهنود الحمر (السكان الأصليين). ما هذا الهراء يا أخي؟ لن تجد مثل هذا الهراء إلّا عند ذوي البشرة البيضاء".



في حلبة الملاكمة
كانت الملاكمة تمثّل صراعًا سياسيًا بالنسبة للسود في تلك الفترة في الولايات المتحدة. لم تكن رياضة وحسب، بل تعبيرا عن حقّ السود بالمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والرياضية. بهذا، كان ديفيس مُحبًّا لهذه الرياضة. وكان ينظر إليها بوصفها شكلًا من أشكال العزف الدقيق، تتطلّب انضباطًا وتركيزًا، تمامًا كعلاقة العازف مع النوته الموسيقية.

يقول: "الملاكمة قائمة على العلم، ولكم أحب أن أشاهد لعبة ملاكمة بين رجلين يعرفان ما يفعلانه. مثلًا، عندما يلكم مقاتل خصمه لكمة سريعة ودقيقة على جسمه، سيراوغ الخصم اللكمة، ويحرّك رأسه إلى اليمين أو إلى اليسار. هكذا، سيكون عليك أن تعرف إلى أين سيتجه وأن تلكمه من جديد في اللحظة التي يقرر فيها تحريك رأسه. هذا هو العلم والدقة بعينهما، وليس مجرد رياضة فوضوية كما يقول بعض الناس".