أميركا تودّع 2016 وتستقبل ترامب على وقع تحوّلات وسوابق

27 ديسمبر 2016
الصورة
"تايم" اختارت ترامب شخصية العام (جيم واتسون/فرانس برس)
+ الخط -

طبعت الانتخابات الرئاسية الأميركية أحداث عام 2016 بشكل خاص، وحولتها إلى مادة سجالية كان بطلها الرئيس الأميركي المنتخب، دونالد ترامب، الذي اختارته مجلة "تايم" شخصية عام 2016. 

ورغم أن منافسته هيلاري كلينتون سجلت سابقة في الانتخابات، كونها أول إمراة أميركية تنال ترشيح الحزب الديمقراطي لخوض السباق الرئاسي، لم يحمل عام 2016 لها سوى سوء الطالع من لعنة الإيميلات وتحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي، التي لاحقتها حتى آخر يوم من حملتها، إلى لعنة النظام الانتخابي الأميركي، وبدعة "المجمع الانتخابي" التي حرمتها من الفوز بالرئاسة، رغم تفوقها على ترامب بأكثر من مليوني صوت في نتيجة التصويت الشعبي.

وطغى السجال الانتخابي حتى على أداء الرئيس باراك أوباما وزوجته ميشيل، فكان لهما صولات وجولات انتخابية في محاولة أخيرة لإنقاذ كلينتون من الهزيمة والوقوف في وجه الخطاب اليميني المتطرف الذي رافق صعود ظاهرة ترامب السياسية، باعتبارها رد فعل الأميركيين البيض على وجود رئيس أميركي أسود في البيت الأبيض على مدى ولايتين رئاسيتين.




 

ولم يمنع طغيان السجال الانتخابي أوباما من متابعة خططه لإدخال تغييرات جوهرية في السياسات الأميركية، حيث شهد العام المنصرم زيارة تاريخية للرئيس الأميركي إلى هافانا، في إطار إعادة تطبيع العلاقات مع كوبا، بعد أكثر من خمسين عاماً من العداء مع واشنطن. 

واختتم أوباما أحداث العام الأميركي وولايته الرئاسية بموقف تاريخي من القضية الفلسطينية ومن مسألة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعدم استخدام حق النقض (الفيتو) الأميركي في مجلس الأمن لمنع صدور قرار بإدانة إسرائيل.

وفي المجمل، فإن عام 2016 قد يكون الأصعب بين الأعوام الثمانية التي قضاها أوباما في البيت الأبيض، بسبب المواجهة المفتوحة مع الأغلبية الجمهورية في الكونغرس التي شكلت عائقا كبيرا أمام خياراته وقراراته السياسية. 

وبعد معركة الاتفاق النووي مع إيران التي سجل فيها انتصارا على الكونغرس عام 2015، تعرّض أوباما لصفعة سياسية قوية عندما أسقط الكونغرس الفيتو الرئاسي ضد قانون جاستا، الذي يسمح لأهالي ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر بمقاضاة الحكومة السعودية أمام المحاكم الأميركية. 

كما تعرّض أوباما لصفعة أخرى من الكونغرس الذي رفض تحديد جلسة للتصويت على تعيين المرشح الذي اقترحه لاحتلال المقعد التاسع في المحكمة الأميركية العليا، الذي شغر بوفاة القاضي المحافظ أنطونين سكاليا.

عام ترامبي بامتياز 

منذ بداية 2016، كان دونالد ترامب، الذي أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية عن الحزب الجمهوري، قد احتل شاشات التلفزة الأميركية، وتحولت تصريحاته وخطاباته الانتخابية إلى محور الحدث السياسي اليومي في الولايات المتحدة. من دعوته إلى بناء جدار فاصل على الحدود الأميركية المكسيكية للحد من الهجرة غير الشرعية وتهريب المخدرات، ثم مطالبته بمنع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، وإعادة إثارة الجدل حول شهادة ميلاد باراك أوباما والتشكيك في ولادته على الأراضي الأميركية وفي ديانته المسيحية.

ترامب اجتذب اهتمام وسائل الإعلام، لكن اسمه ارتبط بصعود اليمين الأميركي، وانتشار خطابات التحريض العنصري ومعاداة الأجانب والمهاجرين من أصول لاتينية وآسيوية وأفريقية وتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا.

لكن الكراهية بين البيض والسود في أميركا، وتفاقم أزمة المهاجرين غير الشرعيين من دول أميركا اللاتينية، ومخاطر تعرّض الولايات المتحدة لهجمات، لم تنشأ خلال العام المنصرم، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسات اعتمدتها الإدارات الأميركية على مدى عقود. وما لوحظ خلال 2016 هو وصول تلك الأزمات والظواهر السياسية إلى مرحلة متقدمة من التأزم عبرت عن نفسها، ربما لأول مرة في تاريخ الانتخابات الأميركية، من خلال التعبير المباشر عن الرغبة في تغيير النظام السياسي برمته، والتشكيك في التجربة الديمقراطية الأميركية ونزاهة النظام الانتخابي.

واختيار ترامب شخصية عام 2016 هو إقرار بأن ترشحه للانتخابات الرئاسية، وخوض المنافسة ضد المرشحين الجمهوريين، ولاحقا في مواجهة مرشحة الحزب الديمقراطي، هيلاري كلينتون، ولّد ظاهرة سياسية جديدة في الولايات المتحدة وخطابا سياسيا معاديا للطبقة السياسية التقليدية ومؤسسات النظام السياسي في واشنطن.




زعامة شعبوية وتدخل روسي
 

انطلق عام 2016 بمعركة الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وكان من أبرز معالمها ولادة خطاب سياسي يميني متطرف حانق على المؤسسة الحزبية الجمهورية، وتاليا على النظام السياسي برمته، مثلته زعامة دونالد ترامب، الذي خاض المنافسة ضد 16 مرشحا جمهوريا. 

وبدرجة أقل، خطاب يساري جديد عبّر عنه سيناتور فرمنت بيرني ساندرز، الذي حاول منافسة كلينتون على نيل ترشيح الحزب الديمقراطي. وتبنى كل من ترامب وساندرز شعارات ضد الاستبلشمنت في واشنطن ببعديها الجمهوري والديمقراطي.

ترامب نجح في مواجهة خصومه الجمهوريين، لكن ساندرز فشل في مواجهة المؤسسة الديمقراطية التي تآمرت لإبعاده حسب إيميلات مقرصنة من البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي نشرها موقع ويكليكس.

وقد وُجهت أصابع الاتهام إلى موسكو بالوقوف وراء عملية القرصنة للعبث بالانتخابات الأميركية.

ومن السوابق التاريخية الأساسية التي شهدها عام 2016، الاتهامات التي وجهتها الإدارة الأميركية الديمقراطية ضد الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وأجهزة استخباراته، بشن هجمات سيبيرية وقرصنة معلومات ورسائل من بريد اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي وجون بوديستا، مدير الحملة الانتخابية لهيلاري كلينتون، والتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لصالح مرشح الحزب الجمهوري ترامب.

حرب الفضائح

مقابل اعتماد حملة ترامب على تحقيقات "إف بي آي" في فضيحة الإيميلات وقضية استخدام كلينتون بريدها الإلكتروني الخاص خلال عملها في وزارة الخارجية كمادة سجالية، بالاضافة إلى الرسائل المسربة إلى ويكليكس، تعرّضت حملة المرشح الجمهوري لسلسلة من الفضائح، أبرزها قضية تهربه من دفع نحو مليار دولار إلى مصلحة الضرائب الأميركية، وهو ما كشفته وثيقة رسمية عن بياناته الضريبية لعام 1995 نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز".

كما نشرت "واشنطن بوست" شريط فيديو يتحدث فيه الملياردير النيويوركي عن مغامراته النسائية بلغة اعتبرت مسيئة للنساء، تلا ذلك توجيه تسعة أميركيات اتهامات ضد المرشح الرئاسي الجمهوري بمحاولة التحرش بهن جنسيا.

المأزق الحزبي 

بموازاة ظاهرة ترامب "الثورية"، التي نمت واتسعت على يمين الحزب الجمهوري، شكل خطاب ساندرز المدافع عن حقوق العمال والداعي إلى تعليم جامعي وتأمين صحي مجاني لجميع الأميركيين، حالة ثورية على يسار الحزب الديمقراطي.

ورغم تبني المرشحة الديمقراطية بنودا أساسية من أجندة ساندرز وأوباما اليسارية، بقيت بعيدة عن التأثير في الشباب المطالب بالتغيير. والأرجح أن كثيرا من هؤلاء صوت لصالح مرشح اليمين الأميركي وشعاراته الثورية الداعية إلى إسقاط نظام الفساد والمصالح الذي يرتبط عضويا بمؤسستي الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

بهذا المعنى تطرح الهزيمة الانتخابية الثقيلة التي تعرّض لها الديمقراطيون في انتخابات 2016 أسئلة حول مستقبل الحزب وقيادته والقوة المؤثرة على قراره. أسئلة مشابهة لتلك المطروحة على الحزب الجمهوري ومستقبله وعلاقته مع الرئيس المنتخب.

لا شك أن كلينتون والحزب الديمقراطي، وكثيرا من الجمهوريين من معارضي ترامب، يحتاجون إلى بعض الوقت لإعادة مراجعة ما جرى في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني لاستيعاب الصدمة التي أحدثها فوزه الكاسح في الانتخابات الرئاسية.

فجميع هؤلاء، وهم كثر في أميركا والعالم، كانوا على ثقة بأن رجل الأعمال وتاجر العقارات الدخيل على السياسة لم يكن جديا في إعلان ترشحه لخوض السباق الرئاسي. لذلك هم أيضا لم يأخذوا الأمر على محمل الجد، واعتبروا أن ترشح ترامب مجرد مغامرة جديدة من مغامرات الملياردير النيويوركي، أو استعراض تلفزيوني آخر يرضي شهوته للشهرة. 

عام التحول الأميركي

تتماهى الظاهرة الترامبية وصعود شعبية اليمين الأميركي مع ظواهر مشابهة شهدتها أوروبا، وأسفرت عن فوز زعماء شعبويين من أحزاب اليمين المتطرف المعادي للأجانب والمهاجرين إلى السلطة في العواصم الأوروبية. 

فالتحول التاريخي الذي تشهده الحياة السياسية الأميركية هو بشكل أو بآخر نتيجة تغييرات هائلة شهدها العالم في السنوات القليلة الماضية، بالإضافة إلى التغييرات العميقة التي شهدتها الولايات المتحدة نفسها، خصوصا في عهد باراك أوباما، أول رئيس أميركي من أصول أفريقية.

ومن المفيد عند قراءة الظاهرة الترامبية رصد العلاقة بينها وبين زعامة الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وظاهرة البوتينية بشكل عام التي تحولت إلى ظاهرة عالمية لها رموزها في العديد من دول العالم.

ويأتي في هذا السياق بروز الدور الروسي في الحياة السياسية الأميركية الداخلية، والكلام عن تدخلات روسية إعلامية واستخباراتية في الانتخابات الأميركية، ساهمت في وصول دونالد إلى البيت الأبيض. وهذا الأمر، أي قيام روسيا بدور سياسي في الصراع على السلطة في الولايات المتحدة، هو واحد من أبرز السوابق التاريخية الكثيرة التي شهدتها أميركا عام 2016.







المساهمون