أميركا - إيران: استراتيجية جديدة في المشرق العربي

22 مايو 2020
الصورة
تميل طهران وواشنطن للتسوية في العراق (أحمد الربيعي/فرانس برس)
منذ اغتيال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، بدأ النظام الايراني يتحول تدريجياً إلى اعتماد استراتيجية جديدة في المشرق العربي، فيها مزيجٌ من المقاربات السياسية والعسكرية، في ظلّ الضغوط الاقتصادية التي تتعرض لها الجمهورية الإيرانية، نتيجة العقوبات الأميركية وانتشار فيروس "كورونا". واشنطن تتفاعل بشكل إيجابي مع هذا التحول، في كلٍّ من لبنان والعراق، لكنها تشجع الضغط المستمر على طهران في سورية.

وعلى الرغم من عدم وجود اختراقٍ متوقع في المحادثات النووية، خففت كلٌّ من واشنطن وطهران حدة التوتر بينهما خلال الأشهر الماضية، وإن مع حصول المناوشات الأخيرة في بحر الخليج العربي والعراق. إدارة ترامب سحبت أخيراً بطاريات صواريخ "باتريوت" من السعودية، التي كان تمّ نشرها بعد سلسلة من الهجمات على منشآت النفط السعودية العام الماضي. تأتي هذه الخطوة بعد تعرّض السفن العسكرية الأميركية لمضايقات من قبل الزوارق الحربية الإيرانية في شهر إبريل/نيسان الماضي للمرة الأولى منذ عام 2018، ما دفع ترامب إلى توجيه البحرية الأميركية بـ"إسقاط وتدمير" الزوارق الحربية الإيرانية، إذا تكرر هذا الأمر. ردُّ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على الرئيس الأميركي عبر "تويتر"، يعكس كيف أصبح ظريف أخيراً المسؤول الإيراني الأكثر تقدماً في الردّ الدبلوماسي على واشنطن، بدلاً من لجوء طهران إلى تقليد التهديدات العسكرية.

أبعد من ذلك، هناك ما يكفي من الأدلة على أن واشنطن وطهران تريدان على الأقل إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة. هناك محادثات جارية لاستكشاف إمكانية تأمين الإفراج عن جندي أميركي متقاعد تحتجزه السلطات الإيرانية، وطبيب أميركي إيراني محتجز من قبل السلطات الأميركية. على هذه الخلفية، يواجه النظام الإيراني أسئلة صعبة حول كيفية التعامل مع التحديات الهائلة في لبنان والعراق وسورية، مع تكتيكات عسكرية وسياسية مختلفة تتكيف مع حيثيات الأمر الواقع في مناطق النزاع هذه.



تهدئة مع إسرائيل واحتواء في لبنان
في لبنان، يواصل "حزب الله" إدارة الدينامية المعقدة للطبقة السياسية. تواجه حكومة رئيس الوزراء حسّان دياب، الذي يشغل منصبه منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي، انهياراً مالياً أدى إلى إعلان خطة انتعاش اقتصادي مدتها خمس سنوات في 30 إبريل/نيسان الماضي، ترتكز على طلب المساعدة المالية الدولية. بعدما قال نائب الأمين العام لـ"حزب الله"، نعيم قاسم، في شهر فبراير/شباط الماضي، إنه "لا نقبل الخضوع لصندوق النقد الدولي لإدارة الأزمة"، هذه المحادثات مع صندوق النقد الدولي قد بدأت رسمياً. قبول "حزب الله" بهذه المحادثات لا يعتمد فقط على نهج النظام الإيراني، لكن أيضاً على اعتبارات داخلية، منها دور حلفاء الحزب، مثل الرئيس ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، للدفع بهذا الاتجاه.

وعندما عقد الرئيس عون اجتماعاً لضمان التفاف الطبقة السياسية حول خطة الانتعاش الاقتصادي التي أقرتها حكومة دياب، شارك حلفاء الولايات المتحدة فيها، مثل رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، فيما التقى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عون بدلاً من حضور الاجتماع الرئاسي، في محاولة لتحسين العلاقة معه. رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري، الذي قاطع الاجتماع في القصر الرئاسي بعد انتقاده للخطة الاقتصادية، له حساباته الخاصة، حيث يتعرض لضغوط سعودية، في ظلّ محاولة شقيقه بهاء منافسته على الإرث السياسي لوالده، رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري.

قد يكون سعد الحريري قلقاً أيضاً من أي محاولات لتحجيم نفوذه داخل الدولة عبر تعيينات إدارية جديدة، لكن ليست هناك مؤشرات في هذا الاتجاه، ولا "حزب الله" سيصادق على عزل الحريري في هذه المرحلة. على المدى القريب على الأقل ونتيجة هذه المعطيات، ليست هناك معارضة جدية في الأفق تتبلور ضد حكومة دياب أو "حزب الله". كما تعرّض محافظ المصرف المركزي في لبنان رياض سلامة، الذي يعمل عن كثب مع واشنطن لتطبيق العقوبات الأميركية على "حزب الله"، لضغوط سياسية بسبب تدهور العملة اللبنانية، لكن بعد الدعم الخارجي لسلامة، تراجع الضغط لإقالته.

تواصل الولايات المتحدة تأييد حكومة دياب التي تسهّل المصالح الأميركية في لبنان، بالتزامن مع إيجاد توازن لعلاقتها مع النظام الإيراني و"حزب الله". مقابل ذلك، التصادم الدبلوماسي السنوي في الأمم المتحدة عند تجديد تفويض قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان "اليونيفيل"، لا يؤثر على رغبة كل من إسرائيل و"حزب الله" في تجنب الصراع، كما كان واضحاً الشهر الماضي عندما حذرت القوات الإسرائيلية عناصر "حزب الله" في سورية، قبل قصف قوافلهم لتجنب قتلهم.

تسوية وعدم يقين في العراق
بالنسبة إلى النظام الإيراني، الفراغ الأكثر أهمية الذي تركه مقتل سليماني، كان في العراق، حيث هناك حاجة لإدارة العلاقات المعقدة التي تربط طهران بالمليشيات العراقية. منذ قال الأمين العام لـ"حزب الله" اللبناني حسن نصر الله، في خطابه في يناير/كانون الثاني الماضي، إن الانتقام من مقتل سليماني قد يحدث في "الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة"، بدأ الحزب تنظيم اجتماعات مع قادة هذه المليشيات لحشد قدراتها حول هذا الهدف، وضمان تعاونها في الفلك الايراني. ويبدو أن محمد كوثراني، القائد العسكري في "حزب الله"، والمسؤول عن الملف العراقي، يسعى لملء فراغ سليماني في هذا البلد. على الرغم من أنه لا يوجد تأكيد حاسم للمعلومات والروايات حول تحركاته واجتماعاته، من الواضح بشكل متزايد أن كوثراني يلعب دوراً رئيسياً، وأن إدارة ترامب تتابعه عن كثب، لدرجة عرضها 10 ملايين دولار للحصول على معلومات عنه.

في حين أكد المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، أن "فيلق القدس" بقيادة إسماعيل قاآني سيبقى كما كان عليه سابقاً. من الواضح أن الأخير لا يملك نفوذ سليماني في إدارة السياسة العراقية، حيث اعتذر عن عدم اللقاء معه كل من المرجع العراقي الشيعي علي السيستاني وزعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر. كما قال النائب عن كتلة الحكمة (تيار الحكمة الوطني برئاسة عمار الحكيم) أسعد المرشدي في بيان الشهر الماضي، إن "توقيت زيارة إسماعيل قاآني لبغداد غير لائق، ومحاولة تدخّل واضحة في تشكيل الحكومة الجديدة". لكن زيارة قاآني أثمرت عسكرياً، في ظل استمرار تعرّض القوات الأميركية لضغوط في العراق وهجمات صاروخية دورية ضد منشآتها، ما دفع مسؤولاً أميركياً إلى القول لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، إن الانسحاب الأميركي من العراق "قد يعود في نهاية المطاف إلى مقدار المخاطر التي يكون الرئيس (دونالد ترامب) على استعداد لقبولها في العراق، قبل أن يصبح وجودنا هناك عبئاً كبيراً". كما يلجأ النظام الإيراني إلى تكتيكات جديدة في العراق، عبر تشكيل مجموعات غير معروفة، مثل "عصبة الثائرين"، لتهديد القوات الأميركية.

على الجبهة السياسية، وبعد حوالي خمسة أشهر من الفراغ السياسي، سرّعت تداعيات فيروس "كورونا" مسار تشكيل حكومة عراقية برئاسة مصطفى الكاظمي، الذي شغل سابقاً منصب رئيس جهاز الاستخبارات، ويعتبر شخصية مستقلة غير استفزازية. ويبدو أن الحكومة الجديدة، التي وافق عليها البرلمان العراقي جزئياً في 6 مايو/أيار الحالي، تحاول تكرار حقبة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، مع توقع أن تساعد خلفية الكاظمي الاستخبارية على المناورة بشكل أفضل في السياسة العراقية.

يواجه الكاظمي تحديات كبيرة مع عودة التظاهرات إلى الشارع، في ظلّ ظروف اقتصادية صعبة وتراجع أسعار النفط، المصدر الرئيسي لإيرادات العراق. وبينما وافق البرلمان على معظم حكومته، من بين المناصب الرئيسية التي لا تزال شاغرة وزارتا النفط والشؤون الخارجية بسبب الفشل في الاتفاق على اسمي المرشحين لها، نظراً لأهمية الوزارتين لكل من واشنطن وطهران. كما جددت إدارة ترامب، الشهر الماضي، قرار إعفاء العراق من العقوبات الأميركية ليتمكن من استيراد الكهرباء من إيران، وهو قرار ينتهي مفعوله في 26 مايو/أيار الجاري. تواصل الولايات المتحدة تمديد هذه الإعفاءات للضغط على العراق ليصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي، ويصبح أقل اعتماداً على إيران للحصول على الطاقة.

الكاظمي من جهته يقول إن بلاده "لن تكون ساحة لتصفية الحسابات والاعتداء على أي جارة أو صديقة"، وهو عبّر عن هذا التوازن عبر الدعوة إلى مراجعة الاتفاقية الاستراتيجية مع واشنطن التي تحدد طبيعة دور القوات الأميركية في العراق، في خطوة لمعالجة تداعيات مقتل سليماني على الأراضي العراقية. من ناحية أخرى، أعاد الكاظمي الفريق الركن عبد الوهاب السعدي إلى منصب قائد قوات مكافحة الإرهاب، وهو جهاز من قوات النخبة مقرب من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، ويشكل تحدياً للمليشيات العراقية المقربة من إيران، لكن قد لا يكون هدف إدارة ترامب في أن تضبط حكومة الكاظمي الهجمات المستمرة على المصالح الأميركية في العراق أمراً ممكناً. يبقى أن نرى ما إذا كان بإمكان الكاظمي إرضاء التحالف الشيعي المدعوم من إيران، الذي وافق على صعوده إلى السلطة في ظلّ الانقسامات التي يمر بها هذا التحالف بجناحيه السياسي والعسكري، لكن قرارات الحكومة الجديدة حتى الآن تعكس ميلاً في كل من طهران وواشنطن للتسوية.

ضغط روسي وإسرائيلي في سورية

في سورية، تعزز الأزمة الاقتصادية وانتشار كورونا المنافسة بين طهران وموسكو، بالتزامن مع استمرار الضوء الأخضر لإسرائيل في ردعها لإيران. الانتقادات التي طاولت رئيس النظام السوري بشار الأسد في وسائل الإعلام الروسية، أدت إلى تكهنات في وسائل الإعلام الأميركية بأن موسكو تنقلب على طهران والنظام السوري. في حين هذه التكهنات تبالغ في قراءة تطورات الوضع السوري، من الواضح أن العقوبات الأميركية والتراجع في الإيرادات عوامل ضاغطة على روسيا وإيران، تدفع إلى تكثيف تنافسهما في التأثير على النظام السوري، لكن هذا لا يعني بالضرورة انهيار التحالف بينهما، أو التخلي عن الأسد.

هذه الضغوط أدت إلى خلافات على الموارد بين بشار الأسد وقريبه رامي مخلوف، كما دفعت ماهر الأسد (شقيق بشار) الذي يقود الفرقة الرابعة في جيش النظام السوري، إلى فرض رسوم على التهريب قرب منطقة البوكمال على الحدود السورية - العراقية، ما أدى إلى توتر مع قوات الحشد الشعبي العراقية، كما إلى توسيع أنشطة الفرقة الرابعة في الجنوب على الحدود الأردنية. وفيما يواصل النظام الإيراني تقديم الدعم لنظام الأسد، تعاقدت دمشق مع شركات إيرانية لاستكشاف النفط في منطقة البوكمال بريف دير الزور الشرقي، بعد زيارة قام بها الشهر الماضي إلى سورية وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف.

في هذه الاثناء، ازدادت وتيرة الضربات الإسرائيلية على النظام الايراني وحلفائه في سورية خلال الأسابيع الماضية. وفي هذا السياق، قال وزير الأمن الإسرائيلي نفتالي بينيت، في 28 إبريل/نيسان الماضي، "لقد انتقلنا من منع ترسخ إيران في سورية، إلى إجبارها على الخروج، ولن نتوقف". وردد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو الصدى نفسه، في 7 مايو/أيار، مشيراً إلى أن القوات الإيرانية "تحتاج إلى مغادرة، ليس فقط الزاوية الجنوبية الغربية" من سورية، ولكن مغادرة البلاد "على نطاق أوسع". هناك اعتقاد في القيادة الأمنية الإسرائيلية أن النظام الإيراني يعيد النظر بدوره في سورية بالتخلي عن استثماراته العسكرية. بينما قد تكون هناك بعض الاعتبارات المتعلقة بالميزانية في طهران، أو الحد من الانتشار لتفادي الضربات الإسرائيلية، لا يبدو أن هناك تحولاً كبيراً في النهج العام للنظام الإيراني في سورية.

هناك مجموعة من العوامل تضع إيران في موقف دفاعي. في ظلّ نقص الإيرادات، لا يمكن للنظام الإيراني التعامل مع أو تمويل الأزمات الاقتصادية في المشرق العربي، أو الاستمرار في المستوى ذاته من تمويل الحلفاء. كانت هذه المقاربة واضحة في تشكيل حكومتي لبنان والعراق، فيما تواصل إيران توسعها التدريجي في سورية، على الرغم من الانتكاسات التي تعرضت لها أخيراً. لا يجب على إدارة ترامب وحلفائها اعتبار تنازلات إيران لتقليص خسائرها مؤشر ضعف واستعداداً للتخلي عن النفوذ، فالنظام الإيراني لا يزال في مقعد القيادة، وهذه التنازلات تقع ضمن الأرجحية التي تملكها طهران، على الأقل في العراق ولبنان.

تعليق: