أصدقاء لغتنا: مع سهيل عبد الحكيم الوافي

25 نوفمبر 2019
الصورة
(سهيل عبد الحكيم الوافي، تصوير: شعيب علي كالكوت)

تقف هذه الزاوية عند مترجمي الأدب العربي إلى اللغات العالمية المختلفة، ما هي مشاغلهم وأسئلتهم وحكاية صداقتهم مع اللغة العربية. "الترجمة بين لغة عالمية كالعربية وأُخرى محلية كالمالايالامية، قد تشكّل صعوبة أكبر على المترجم"، يقول المترجم الهندي.


■ متى وكيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟
علاقتي مع اللغة العربية لا تزال كحالة عاشق غارق في حب فتاة حسناء، وهو لا يعرفها معرفة حقيقية ولا يرجو أن يظفر بها. لكن، إجابةً على هذا السؤال، يحلو لي أن أسوق إليكم موجز تفاصيل هيامي باللغة العربية، والذي أوردته في مقدّمة كتابي "العربية بين الفصحى والعامية"، الصادر في 2017 عن "دار النفائس" اللبنانية. "لم يدر بخلدي، وأنا على مفترق الطرق قبل الدخول إلى المرحلة الجامعية، أن الله سوف يختار لي اللغة العربية لتكون العمود الفقري لحياتي العلمية والمهنية... ذلك أنّي لم أكن إلّا طالباً هندياً لا يرجو من تعلّم العربية فائدةً في الدنيا، غير أنها لغة دين وعبادات.. لكن نزعاتي الطائشة لم تكن تقوى على تجاوز قرارات والدي الصارمة التي لا يتجلّى لي خيرها أحياناً إلا بعد انتظار طويل، ودعوات أُمّي التي ما أنعم الله عليّ بسلاح أمضى منها في سبيل اقتحام عقبات الحياة، فلم يبق أمامي بعد مقاومة عنيدة إلا ارتداء الملابس البيضاء الخاصة بـ "مطاوعة" بلادنا والالتحاق بعد الثانوية بمركز التربية الإسلامية، مقر "تنسيق الكليات الإسلامية"، (Coordination of Islamic Colleges - CIC) المظلّة الأكاديمية التي تنتسب إليها حوالي 86 كلّية تجمع بين معارف الوحي والعلوم الإنسانية بتخصّصاتها المتنوّعة ومراحلها المختلفة، وتقدّم لطلّابها أيضاً إحدى أفضل الطرق التطبيقية المتاحة لتعلّم اللغة العربية في بلادنا كيرالا، لأتخرّج في النهاية، بعد ثماني سنوات طوال، حاملاً لقب "الوافي" (كما يلقب به المتخرّج من الكليات المنتسبة إلى تنسيق الكليات الإسلامية، بينما تحمل المتخرّجة منها لقب "الوفية"). لم أكن أسمح لنفسي في البداية بالإعجاب باللغة العربية، بعدما فشلت محاولاتي لمراودتها فكرهتها كمن يكره ما يجهله، والناس أعداء ما جهلوا. لكن بعد اجتياز مرحلة التمهيد بصعوبة بالغة، بدأت بالتدريج أفتتن بها وأصبحت أطل على عالم أدبي جميل استوقفتني فيه بدائع أعمال ليلى العثمان وطه حسين ونازك الملائكة وغيرهم... أتذكّر أنني كنت أزور بعض المستشفيات القريبة من كليتنا متحيّناً فرصة التعرّف على العرب المتعالجين فيها بهدف التحدّث معهم باللغة العربية والاستعانة بهم لفهم بعض الأغاني والمقاطع العربية الرائجة، وكنت أكثر فرحاً بالحصول عليها تلك الأيام من طفل لقي لعبته المفقودة باعتبارها أشياء تربطني مباشرة بعالم اللغة العربية".


■ ما أول كتاب ترجمتِه وكيف جرى تلقيه؟


"أيام الماعز"، هي ترجمتي العربية للرواية الهندية المشهورة "آدوجيفيتام" (Goat Days)، لـ بينيامين (Benyamin) الصادرة عن "مكتبة آفاق" الكويتية عام 2014، أوّل تجربة خضتها في سبيل الإسهام في مدّ الجسر الأدبي المباشر بين لغتنا مالايالام واللغة العربية. وهي الرواية الثانية المترجمة إلى العربية مباشرة من اللغة المالايالامية بعد رواية "شمّين" (Anger of the Sea-Goddess) لكاتبها تكازي شيوا شنكارا بلاي (Thakazhi Sivasankara Pillai) وترجمها إلى العربية بنفس العنوان الدكتور محي الدين الآلوائي ونشرتها "دار الفكر" في تريشور بـ كيرالا. وبما أن "أيام الماعز" تروي قصة مستوحاة من أحداث حقيقية وقعت في الرياض بالسعودية، وتحمل في طياتها مشاهد كثيرة تلامس أعماق الإنسانية وحساسيات التركيب الاجتماعي بين الكفيل والمكفول في دول الخليج، لقيت الرواية رواجاً واسعاً لدى أوساط المهتمّين والقرّاء الشباب في الوطن العربي، خاصة بعد انتشار خبر منعها في السعودية والإمارات، وهذا طبعاً إلى جانب مميّزاتها الأدبية وبساطتها لغة ومضموناً. وقد صدرت هذا العام الطبعة الثالثة منها، مما يشير إلى قبولها لدى القرّاء العرب، كما كُتبت عنها مقالات عديدة في مجلات وصحف عربية.


■ ما آخر إصداراتك المترجمة من العربية وما هو إصدارك القادم؟
لم يُنشر لي حتى الآن عمل أدبي مترجم من العربية، ما عدا ترجمة بعض أجزاء كتاب "صور من حياة التابعين"، إلّا أني أسعى حالياً لترجمة بعض الروايات العربية ذات الطابع العربي الأصيل ثقافياً وفكرياً واجتماعياً، وتكون إضافةً جديدة ومفيدة لعالمنا الأدبي، وأتمنى بذلك أيضاً لفت انتباه القرّاء والمترجمين من كيرالا إلى رفوف المكتبات العربية الزاخرة بالأعمال الأدبية والفكرية والتاريخية التي تمثّل شمولية وتنوّع الإنتاج العربي الفكري والإبداعي، خاصّة حين يقتصر اهتمام دور النشر على ترجمة الأعمال الأدبية الحديثة الحائزة على جوائز مرموقة، أو تلك التي تساير ميولهم الفكرية. وكانت رواية "رفيقة الصبا" الصادرة في مستهل هذا العام عن "الدار العربية للعلوم ناشرون" آخر إصداراتي المترجمة. وهي ترجمة لرواية "باليا كالا ساكهي" (Childhood Friend) لكاتبها فايكام محمد بشير (Vaikom Muhammad Basheer) الذي يُلقّب بالأديب الشعبي، ويُعتَبر أكثر من قُرئ له في كيرالا، ولا يكاد يجهله المتحدّث بلغتنا المالايالامية التي كتب بها، والرواية أوّل عمل له يُترجم إلى العربية. وأتوقّع قبل نهاية هذا العام صدور بعض أعمالي المترجمة عن وزارة الثقافة القطرية، وذلك ضمن إطار الاحتفالات بالسنة الثقافية القطرية - الهندية. وهي رواية "إيروت" للكاتبة بي. أم زهراء (BM Zuhra) بعنوان "تحت السماء المظلمة"، ومجموعة قصائد للشاعر فيران كوتي (Veeran Kutty) بعنوان "أصداء الصمت".


■ ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية؟


ليس لي عمل منشور مترجم من العربية. أعمالي المتواضعة كلّها مترجمة إلى العربية كما قلت، إلا أن طريقي لم يكن خالياً من العقبات، بل كان بالعكس حافلاً بالحواجز والمضائق اللغوية والثقافية والسردية. أعتقد أن الترجمة بين لغة عالمية مثل العربية ولغة محلية ضيقة الحدود نسبياً مثل المالايالامية، قد تشكّل صعوبة أكبر على المترجم، نظراً لتعذّر إيجاد نظائر لكلمات وتعابير اصطلاحية ذات الدلالة الموغلة في الثقافة المحلية ونفسيتها الاجتماعية، ولكن، في الوقت نفسه، الترجمة المباشرة دون الاعتماد على لغة وسيطة، رغم صعوبتها، تضمن إنجاز عمل صادق متكامل يتقمّص روح النص الأصل. ثم إن الأعمال التي أعتزم ترجمتها، أختارها بدافع الشغف والإعجاب بها، والشغف، على ما أعتقد، كفيل بإيجاد مخارج مقبولة عند عقبات الترجمة، إن كان مدعوماً بقدر من الجهد والتفاني في البحث والتفكير... ولكني أعترف، مع ذلك كلّه، أنني لست ابن اللغة العربية، فينقص لغتي من عفويتها وانسيابيتها ما ينقصها، ويشكّل الابتعاد عن اللغة القاموسية أكبر عقبة أواجهها وأنا أترجم عملاً إبداعياً يسرد تفاصيل الحياة ببساطتها... وأسعى دائماً لتجاوز هذه العقبات إلى حدّ كبير بالتعرّف على مواضع الألفاظ والتعابير ودلالاتها في كلام الناس، من خلال الاطلاع الموسّع ومتابعة المنتديات والمواقع والمناقشة مع الأصدقاء من أبناء هذه اللغة.


■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
أعتقد أن المنتظَر منّي، وأنا أجيب على هذا السؤال، أن أتكلّم ممثّلاً لغتنا المالايالامية (التي يتحدّث بها حوالي 40 مليون نسمة، يعيش معظمهم في ولاية كيرالا جنوب الهند، ويشكّل الناطقون بها أغلبية الجاليات الهندية الوافدة في دول الخليج العربية، وتربطها بالعربية روابط وطيدة تاريخاً ولغوياً وأدبياً ودينياً وحتى وظيفياً)، حيث أوافق أن الاهتمام يبدو مقتصراً على المنتجات الأدبية في مجال الترجمة من العربية، ولا أرى لذلك سبباً أكبر من قصور النظر والانحياز الفكري من قبل أصحاب دور النشر والمترجمين، وكذلك انبهارهم بشهرة بعض الجوائز الأدبية المتمكّنة من ترويجها خارج الوطن العربي، على أنها الجهة المرجعية لتقييم المنتجات الإبداعية في الوطن العربي برمته. والمشكلة لا تنحصر في العدول عن المنتجات غير الأدبية، بل تتسبّب أيضاً في سوء اختيار الأعمال الأدبية نفسها، فيكتفي الناشر بترجمة الأعمال التي تكرّس الصورة النمطية في ذهن القارئ ليضمن مبيعاته، وإن لم يكن من شأن تلك المترجَمات الإسهام في تعظيم رصيدنا الثقافي والارتقاء بذائقتنا الأدبية، أو تمثيل شمولية الأدب العربي الحديث ورصانته الإبداعية وأصالته الثقافية. هذا كله طبعاً إلى جانب تخلّفنا، نحن المسلمين عامّة والعرب خاصة، فكرياً وثقافياً، إلى درجة أنه قد لا يكون من قبيل المبالغة إن قيل إن التأليفات الدينية ذات المحتوى الجديد والمفيد والمطلوب في الوقت الراهن، أصبحت تُنتج بالإنكليزية بعدد أكبر بكثير منها بالعربية، فضلاً عن منتجات الميادين الأخرى مثل العلوم والفلسفة، مما يجعل المرء يفكّر بأنّ اللغة العربية صارت بشكل متزايد لغةً مترجَماً إليها وليست مترجَماً منها.


■ هل هناك تعاون بينك وبين مؤسسات في العالم العربي أو بين أفراد وما شكل التعاون الذي تتطلع إليه؟
لم أوفّق حتى اليوم لبناء شراكة تعاون دائم مع أي من المؤسسات الراعية للترجمة في الوطن العربي، إلّا أن لي علاقات وروابط شخصية تشجّعني على تطوير الأداء ومواصلة العطاء والمضي قُدُماً في سبيل مدّ الجسور الثقافية والأدبية بين آفاق العربية الرحبة ولغتنا المالايالامية التي كانت ولا تزال تتغذّى من اللغات العالمية، ممّا أسهم في حداثتها وقوّتها وحيويتها.


■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟
أعتقد أنه لا داعي، هنا، لسرد مزايا الأدب العربي الذاتية التي يعرفها ويثمّنها كل من له أدنى إلمام بالعربية. ولكنّي أود أن أذكر شيئاً لا أظن أنه لن يكون جديراً بالذكر في سياق الحديث عن التبادل الأدبي بين العربية واللغات الهندية فحسب، بل تزداد أهميته يوماً بعد يوم، بالنظر إلى أصحاب معظم اللغات في العالم، ألا وهو أن اللغة العربية لغة أصحاب عقيدة وثقافة وحضارة أسيء فهمها وشوّه وجهها، ويجري تناسي فضلها ومجدها وإبراز مثالبها وإخفاء مناقبها. والأدب هو أفضل طريق للاطلاع على نفسية الشعوب الاجتماعية والثقافية والتعرّف عليهم دون تحيّز وتمييز وتحريف.


بطاقة
مترجم هندي من موليد 1986. صدر له كتاب "العربية بين الفصحى واللهجات العامية" (2018) عن "دار النفائس". يُترجم من المالايالامية إلى العربية وقد صدر له: "أيام الماعز" (2014) لـ بينيامين عن "مكتبة آفاق"، و"رفيقة الصبا" (2019) لـ فايكام محمد بشير عن "الدار العربية للعلوم". قريباً، تصدر له ترجمتان: "تحت السماء المظلمة" لـ بي. أم زهراء، ومختارات شعرية لـ فيران كوتي بعنوان "أصداء الصمت" عن وزارة الثقافة القطرية.

دلالات

تعليق: