أصدقاء لغتنا: مع روبن كريسويل

04 يوليو 2020
الصورة
(روبن كريسويل، تصوير: آنيت هورنيشر)

تقف هذه الزاوية عند مترجمي الأدب العربي إلى اللغات العالمية المختلفة، ما هي مشاغلهم وأسئلتهم وحكاية صداقتهم مع اللغة العربية. "تراث الشعر العربي واحد من الكنوز الأدبية العظيمة في العالم"، يقول الناقد والمترجم الأميركي في حديثه لـ "العربي الجديد".


■ متى وكيف بدأت علاقتك باللغة العربية؟

- قضيتُ فصلَ الصّيف قبلَ الجامعة في مدينةٍ مغربيةٍ صغيرةٍ ساحرةٍ في جبالِ الأطلس تُدعى شِفْشَاون. كنّا في معسكرٍ للشباب، وأمّلتُ أن أحسّنَ من لُغتي الفرنسية، ولكنني تعرّفتُ بدلاً من ذلك على عدّة أصدقاء مغاربة، وقرّرتُ تَعَلُّمَ اللغة العربيّة. بدأتُ دراسة اللّغة في الجامعة، ثمّ عشتُ لبضعِ سنينٍ بعد التخرّج في بيروت، حيث عملتُ هناك كمراسلٍ رياضيّ، ثمَّ انتقلتُ إلى القاهرة.

 

■ ما أول كتاب ترجمتَه وكيف جرى تلقيه؟

- كان الكتاب العربي الأول والوحيد الذي ترجمتُه إلى الإنكليزيّة رواية صنع الله إبراهيم الأولى: تلك الرائحة. قرأتُ الكتابَ أثناء إقامتي في القاهرة، ووجدتُ أن تجربة الرّاوي مع المدينة كانت مختلفة عن تجربتي كطالب: فالرّاوي يمشي كثيراً ويتناول طعاماً سيئاً ويراقبُ حركة المرور الخانقة والشوارع المكتظة ولا يشعر بالانتماء إلى أي شيء.

الصورة
تلك الرائحة - صنع الله إبراهيم

كان الرّاوي في رواية صنع الله إبراهيم سجيناً سياسياً سابقاً ولهذا يشعرُ بكلّ هذه العزلة، ولم أكن كذلك بالطبع، لكنني شعرتُ بتضامن غريب معه. وقد أُعجبتُ أيضاً بأسلوب إبراهيم الذي يتّسم بالإيجاز الدقيق وأعجبتُ بصرامته الفكريّة وشجاعته السياسيّة. ترجمتُ مع الرّواية مجموعةً مختارةً من مذكّرات سجن الواحات التي كتبها إبراهيم خلال فترة سجنه في سجن الواحات بين 1959-1964. تخبِرُنا هذه المذكرات عما كان يقرأه إبراهيم ويفكّر فيه قبلَ أن يَشرَعَ في تأليف روايته الأولى والتي لا تزال تبدو لي نصّاً ثوريّاً حتى اليوم.

كان هناك "حظرٌ" سياسي على الأدب العربي وقد تم تجاوزه

 

■ ما آخر إصداراتك المترجمة من العربية؟ وما هو إصدارك القادم؟

- عملتُ لعدّة سنواتٍ على ترجمةِ قصائد إيمان مرسال. وقد منحتني مرسال كل الصبر والمساعدة. انتهينا تقريباً من المخطوطة التي ستتضمّنُ قصائد من جميع مجموعاتها باللغة العربية منذ أوائل التسعينيات حتى اليوم. إيمانُ شاعرةٌ رائعةٌ وسخيّة للغاية في وقتِها، وقد حالَفَني الحظُّ بترجمة أعمالِها.

 

■ ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية؟

- أهم ما واجهني من صعوبات، من الناحية الفنّية، أن اللغة الفصحى لغةٌ رسميّةٌ مكتوبةٌ لا يَسهُلُ إيجاد نظيرٍ لمفرداتها في اللغة الإنكليزيّة، فالبلاغة والمستوى العالي للغة أمران متجذّران وطبيعيان في هذه اللغة على نحو تفتقده اللغة الإنكليزية اليوم.

تتبدّى هذه الصعوبة على نحو خاص عندما يحاول المرء ترجمة شاعر مثل أدونيس، أو محمود درويش، وهذا ما حدث معي بالضبط. قد تبدو مثل هذه القصائد في اللغة الإنكليزية متكلّفة أو "أدبية" بعكس لغتها الأصلية.

لا يهتم الناشرون الأميركيون عادة بالترجمات من العربية، وقد كان هناك على حد تعبير إدوارد سعيد "حظرٌ" على الأدب العربي. أرى أن هذه العقبة السياسيّة قد تم تجاوزها إلى حد ما لحسن الحظ.


■ نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر؟ وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟

- أعتقد أن هذا حقيقي، على الرغم من أنه ينطبقُ أيضاً على العديد من اللغات الأخرى: فليس هناك ميلٌ لترجمة الأعمال غير الأدبية من الإسبانيّة أو الروسيّة أو اليابانيّة إلى الإنكليزيّة، باستثناء ما تُصدره المطابع الجامعية.

الصورة
عبد الفتاح كيليطو

يمثّلُ عبد الفتاح كيليطو، الذي ترجمتُه من الفرنسية استثناء مثيراً للاهتمام لهذه القاعدة. أعتقد أن هذا يعود إلى أسلوبه المميز بالإضافة إلى كونه مثقفاً كبيراً ويحظى بانتشارٍ واسع.

 

■ هل هناك تعاون بينك وبين مؤسسات في العالم العربي أو أفراد؟ وما شكل التعاون الذي تتطلع إليه؟

- استمتعتُ للغاية بالعمل مع المؤلّفين الذين ترجمتُ أعمالهم، مرسال وأدونيس وكيليطو وصنع الله، وقد تعلمتُ منهم الكثير حول اللغة العربية نفسها. أعمل اليوم في مشاريع علمية مع زملائي في جامعتين أميركيتين، وأتمنى لو كان لديّ المزيد من الزملاء في جامعات أخرى في المنطقة. كنت متحمّساً للغاية لزيارة مؤسسة القطان في رام الله لإلقاء بعض المحاضرات هذا العام، ولكن فيروس كورونا عرقل خططي، كما حصل مع الجميع.

يقدّم الشعر العربي أرشيفاً ضخماً في مسائل الأدب والهويّة

 

■ ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي؟ ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟

- لا توجد إجابة لهذا السؤال، إذ يمكنني قول الكثير في هذا المجال. لقد ركّزتُ في عملي كباحث على الشّعر، وأعتقد أن تراث الشعر العربي واحد من الكنوز الأدبية العظيمة في العالم.

يتضمّن هذا التراث تعبيرات فريدة عن مشاعر الحب والفقدان (فَقدُ الحبيب وفَقدُ الوطن)، وهو تراثٌ معقّدٌ وغنيّ للغاية في ما يتعلّق بالموسيقى والقدرات البلاغية الهائلة.

الصورة
الشعر العربي الحديث

يقدّم الشعر العربي من الناحية التاريخية أرشيفاً ضخماً للتفكير في ما يتعلق بمسائل قوة الأدب وسلطة الدولة، وحول الأساليب الدنيويّة والدينيّة للوجود، وحول الهويّة الفرديّة والجماعيّة. 
لا يزال هذا التراث حيّاً حتى وقتنا الحاضر، كما أرى أن الشعراء المعاصرين العظماء هم الذين تمكّنوا من إعادة تصوّر هذا التراث الشعري القديم والتعبير من خلاله عن قضايانا الحالية الطارئة.

 

بطاقة

Robyn Creswell (نيويورك، 1977)، ناقد ومترجم وأكاديمي أميركي، وأستاذ في جامعة Yale منذ عام 2014. صدر له في الترجمة: "صراع الصور" (2010) "لسان آدم" (2016) لعبد الفتاح كيليطو، و"تلك الرائحة" و"مذكّرات سجن الواحات" (2013) لصُنع الله إبراهيم. وصدر له تأليفاً عام 2019: "مدينة البدايات: الحداثة الشعرية في بيروت" (City of Beginnings: Poetic Modernism in Beirut).