أزمة تولستوي

08 أكتوبر 2019
الصورة
لا أظنّ أن كاتباً، في العالم، جسّد مثل الأديب الروسي، الكونت ليون تولستوي (1828- 1910)، الأزمة الروحية والمعنوية والأخلاقية التي تعكس التناقض الصارخ بين ما يتوق إليه كائنٌ بشريٌّ راقٍ يريد أن يسمو فوق شرطه الإنساني وما يحيا من واقع يشدّه بقوة في الاتجاه العكسي.
في عزّ شهرته العالمية، وبعد إنجازه أعمالا أدبية رائعة، عانى تولستوي من أزمةٍ مخيفةٍ بدأت في مطلع أربعينياته، ولم تنته إلا بمماته: "فجأة توقّفت حياتي.. لم يعد لدي أي رغبة. أدركت أن لا شيء هناك لأرغب فيه. الحقيقة أن الحياة عبثية. لقد بلغتُ الهاوية، ورأيت أنه لا يوجد أمامي سوى الموت".
لاحقته فكرة العدم بشكل دائم، غير أن مأساته الفعلية كانت تكمن في عجزه عن عيش ما يتوق إليه، وعن مواءمة تطلعاته وقناعاته وفلسفته، مع ما يعيش في واقعه اليومي، فقد أراد الكونت أن يكون متسوّلا، ودعا إلى إلغاء الملكية، لكنه لم يستطع التخلّي عن ممتلكاته وحرمان عائلته منها. نادى بالعفّة، في حين كان شبقاً وشهوانياً (13 ولداً، ما عدا التطريح). ارتدى ملابس الفلاحين الروس عندما توجّه إلى العيش في دير، لكنه جعل أحد خدمه يرافقه. حلم بأن يكون ناسكا، لكن منزله لم يخلُ أبدا من المعجبين والصحافيين والزوار... "فقط لو أمكنني أن أتعذّب من أجل أفكاري، لربما يكون تأثيرها آنذاك مختلفا كلية". هذا ولم يكن تولستوي معجبا بذاته كاتبا، بل كان يكره الفن والأدب. "الفن هو الكذب، وما عاد يمكنني أن أحب كذبة جميلة". أجل، في نظره، الفنانون كذبة وغشاشون ومحتالون، لا فائدة منهم سوى إضاعة وقتنا وخداعنا. أن نحرث حقلا لهو أفضل من كتابة قصيدة، أن نساعد الفقراء أهم من تأليف سوناتا. بيتهوفن هو "مغوٍ حسّي"، وشكسبير "أي شيء"، وأعمال بوشكين "صالحة لتوفير ورق سجائر للشعب".
عام 1891، قرّر تولستوي الهرب من زواجه، ونذر نفسه فعليا للعفّة، فقسّم ممتلكاته على العائلة، زوجته صوفي والأولاد. إلا أن حربا ضارية اشتعلت بين الزوجين، مع منع نشر يوميات الكاتب قبل مماته، شتائم متبادلة، ورد من الزوجة بعنوان "خطأ من هو؟" على "سوناتا كروزر" الذي اعتبرته تهجّما عليها، حيث يدافع تولستوي عن العفّة ويمتدح فضائلها.
الخلاف مع الزوجة، تبعه الخلاف مع الكنيسة، فقد اعتبر تولستوي أن عقيدة الكنيسة الأرثوذكسية لا تطابق الإنجيل، فسعى إلى ابتكار عقيدةٍ شخصيةٍ تدعو إلى إدانة حق المُلكية الذي "هو وسيلة للتمتّع بعمل الغير"، وتمتدح العمل اليدوي، وتشجب المتع التي "تُحَيْوِن" البشر: الكحول، التبغ، وتلك التي تمارس القتل: أكل اللحوم، الصيد، الحرب.
بسبب مواقفه التي ضمّنها كتابيه "سيد وخادم" و"انبعاث"، ألقت الكنيسة الحرم عليه، فردّ بجملته الشهيرة "أنا أؤمن بالرب الذي هو بالنسبة لي، الروح، المحبة ومبدأ كل شيء"، وهي الجملة التي استدعت موجة حماسٍ في روسيا بأسرها، ترجمت بوفود شعبية ومظاهرات طلابية وخطب، حوّلت الأديبَ في سنّه الثالثة والسبعين إلى معبود الشبيبة المثقّفة ومنزلَه إلى محجّةٍ يؤمّها الأتباع الروس والأوروبيون.
عشية ذكرى ميلاده الثمانين، كتب تولستوي المنهك من كل هذا الضجيج من حوله: "لدي رغبة مخيفة في الرحيل"، وإذا به ينهض في ليل 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1910، يوضب حقيبته ثم يوقظ طبيبه، ويأمره بالهرب معه سرّا. "نفسي تتوق بكل قواها إلى الراحة والوحدة كي أحيا بتناغم مع ضميري، أو إذا كان هذا مستحيلا، فلأهربَ من الخلاف الصارخ ما بين إيماني وحياتي الراهنة...".
بعد إقامة وجيزة عند شقيقته الراهبة، يواصل تولستوي سفرته، فيصاب بنزلة بردٍ ويضطر للنزول في إحدى محطات القطار. وما إن يكتشف مدير المحطة هويته السرّية، حتى يقدّم له شقته كي ينزل فيها، فيبدأ توافد أعضاء العائلة، المعجبين، الكهنة، الصحافة، وحتى بعض المصوّرين السينمائيين...
في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، انطفأ تولستوي. لقد حقّق كل ما يحلم به رجل، لا بل أكثر. ومع ذلك، استمرّ يعاني من عذابٍ روحيٍّ لم يفهم هو نفسه مصدره، إلى أن تصالح مع ذاته، حينما ابتكر العقيدة الدينية الخاصة به - مسيحية من دون بعث، والمسيح من غير الكنيسة - قائمة على ثلاثة مبادئ أساسية: اللاعنف، الحياة الفقيرة البسيطة، ورفض الدولة بجيشها وسجونها وظلمها وكذبها. لذا تراه فرّ لملاقاة حتفه، حيث مملكة التخلّي والفقر الأخيرة.