أزمة "السترات الصفراء": الحكومة تستجيب لمَطالب الشرطة..والفرنسيون يؤيدون استمرار الحراك

20 ديسمبر 2018
الصورة
هددت الشرطة الفرنسية بإضرابات تشلّ عمل الحكومة(Getty)
+ الخط -

لن تمرّ أزمة "السترات الصفراء"، المتواصلة منذ أكثر من شهر بأشكال مختلفة، دون أن تترك بصماتها على السياسة الفرنسية. فلها، بالضرورة، ما بعدها.

وفي جديد "السترات الصفراء"، أن آخر استطلاع للرأي، لا بد أن يثير قلق الإليزيه والحكومة، إذ يكشف عن دعم 70 في المئة من الفرنسيين للحراك. والأكثر دلالة، هو أن 54 في المئة من المستطلعة آراؤهم يأملون أن تستمر تعبئة "السترات الصفراء"، رغم كل الوعود والقرارات الحكومية.

وإذا كان الحراك قد نجح في فرض إعلانات وقرارات مؤلمة ما كان ماكرون، المنتشي بقوته البرلمانية، والمصرّ على أن الشارع لا يحكم فرنسا، ليتنازل من أجلها، لولا أن للضرورة أحكاما، فالبلد، خصوصاً في هذه الفترة من السنة، لا قدرة له على تحمل إضرابات طويلة.

ولم يتم إلغاء الزيادة في الضرائب على المحروقات خلال سنة 2019، ثم الإعلانات الأربعة، التي تتعلق بخفض الضرائب على المتقاعدين ودعم القوة الشرائية للفرنسيين، بسهولة، خاصة مع اعتراض قوي من قبل رئيس الحكومة إدوار فيليب، ووزيريه القادمين من اليمين، وزير الميزانية جيرار دارمانان، ووزير الاقتصاد برونو لومير، القلقين من تكلفتها الباهظة، والتي تتجاوز 10 مليارات يورو. لكن الرئيس الفرنسي، في ظلّ الجمهورية الخامسة، هو من يقرر، وليس لرئيس الحكومة سوى أن ينفّذ. أصرّ إدوار فيليب على السيطرة على العجز، لكن ماكرون تواجد في منطقٍ آخر، منطق الإنفاق الذي يجلب السلم الاجتماعي، وأيضاً الاستجابة، ولو بشكل متأخر بعض الشيء، لغضب متصاعد من طرف نواب أغلبيته الذين يجدون صعوبة في مواجهة المتظاهرين، أي ناخبيهم الذين أوصلوهم للبرلمان.

إذن آثَر الرئيس الفرنسي الانحياز للتهدئة الاجتماعية، بعد فترة صمتٍ مدوّ توقّع فيها خفوت الحراك، على منوال التحركات النقابية. وما كان له من سبيل آخر، سوى ذلك، خاصة أن الفرنسيين آزروا، بقوة، ومنذ اليوم الأول، "السترات الصفراء"، ولا يزالون، رغم الإعلانات الرئاسية، التي ستدخل حيز التنفيذ يوم غدٍ الجمعة، بعد إقرارها من طرف مجلس النواب والشيوخ.




انصياع لمطالب الشرطة

ولا شك أن تردد الرئيس وحكومته في تلبية مطالب "السترات الصفراء"، رغم شعبيتها، كان مرده الخشية من انفجار حركات اجتماعية أخرى، وهو ما بدأ، وسيستمر.

وعلى رأس هذه الحراكات، انتفاضة رجال الشرطة، الذين بدأوا في إضرابات هددت بشلّ عمل الحكومة وإظهار هشاشتها، أكثر فأكثر، خاصة أن فرنسا لا تزال تعيش تهديدات إرهابية.

ووعياً منها بأن الحكومة ليس لها مناص من الاستجابة لمطالبها، صعّدت نقابات الشرطة، وأصرّت على حلٍّ عاجل، لم يجد وزير الداخلية ورجل ماكرون، كريستوف كاستانير، من بدّ سوى الاستجابة.        

وهكذا لم تنتظر الحكومة طويلاً، كما فعلت مع "السترات الصفراء" وغيرها، فقررت، مساء أمس الأربعاء، وبعد ساعات من النقاشات الصعبة، رفع أجور رجال الشرطة، على ثلاث مراحل، ابتداء من شهر يناير/كانون الثاني المقبل. وفي تفاصيل القرار، سيحصل رجال الشرطة، بعد عام، على 120 يورو صافية، للشرطيين العاديين (حراس الأمن)، و150 يورو، لأصحاب رتب أعلى.

وأما مكافأة 300 يورو، التي وُعد بها رجال الشرطة، بداية هذا الأسبوع، من أجل وضع حد للأزمة، فسيتمّ صرفها على كل الموظفين التقنيين والعلميين والإداريين وعلى موظفي ولايات الأمن التي تعبأت خلال أزمة "السترات الصفراء".

ولا يزال ملف الساعات الإضافية الشائك (27 مليون ساعة)، والذي تصل تعويضاته إلى 275 مليون يورو، من دون حل، وهو ما ستتواصل حوله النقاشات في بداية العام المقبل.

وقد أثارت هذه الاستجابة السريعة للحكومة لمطالب رجال الشرطة، إضافة إلى القرار الذي اتخذه البرلمان في عزّ الليل بمنح مكافآت 300 يورو لـ111 ألف رجل أمن من المستنفَرين في أزمة "السترات الصفراء"، غضب الكثيرين، خاصة من الأوساط المتعاطفة مع الحركة المطلبية الشعبية، ومن مراقبين للوضع الاجتماعي المتأزم في فرنسا. وهنا غرّد باسكال بونيفاس، مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية: "إن بلداً يُرضي مطالبَ الشرطة ويصمّ أذنيه عن طلبات الأساتذة، إنما يعاني من مشكل جدّي".


ولكن لا شيء يمكن أن يطمئن ماكرون وحكومته، بأنه لن تحدث احتجاجات جديدة، في قطاعات أخرى.

              ​


<!--[if !supportLineBreakNewLine]-->
<!--[endif]-->

المساهمون