أربع حكايات مفككة، لا رابط بينها!

15 مارس 2017
+ الخط -


طقم الأسنان

وأنا أغادر البناية التي أسكن إحدى شققها، التقيتُ بالسيدة التي تنظف الدرج ومدخل البناية، فألقيتُ السلام عليها بالفرنسية، لأنها لا تعرف العربية ولا التركية، وقلتُ: بونجور مدام. انتصبت المرأة وكأن سحراً أسود مسها، وقرأتُ عشرات إشارات الاستفهام والتعجب في عينيها وعلى وجهها.

ولما كنت من الأشخاص الخجولين من النساء والجمال، لم أسمح لنفسي بالتدقيق في ملامحها، خوفاً من اتهامي بالتحرش الجنسي والعنصرية، فالمرأة جميلة جداً وسوداء جداً، وأنا أخاف السواد وأشتهيه، لذلك تابعتُ طريقي، محاولاً فك اللغز الذي ارتسم على وجه المرأة بعد أن سلمتُ عليها.

بعد أن أصبحتُ في الشارع، وخرجت من دائرة سطوة الأسود عليّ، رأيتُ علامات التعجب والاستفهام نفسها على وجه الحلاق الذي أزوره مرة في الشهر، بعد أن قلت له بالتركي: مارابا، يعني مرحبا بالعربي، وعاد السؤال بقوة هذه المرة إلى ذهني: ماذا أصاب الناس هذا اليوم؟ هل صعقهم جمالي ووسامتي وأناقتي، أم أنه شبابي المتوثب الذي يكاد يخرج من ثيابي! شعرت أن اللعاب قد تجمّع في فمي وأكاد أن أختنق به، وشعرتُ بنوبة سعال تهجم عليّ، فوضعت يدي على فمي لأمنع آثارها من الخروج، وفجأت اكتشفت سر دهشة المرأة السوداء واستغراب الحلاق: لقد نسيت وضع فك أسناني الاصطناعية قبل أن أغادر المنزل، لذلك كانت مغارة فمي المظلمة تظهر عندما أتكلم!!


البوط

هجم الخريف هذا العام باكراً، وأنا ما زلت في إسطنبول، وبدأت السماء تهددنا بمطرها، ولم أكن مستعداً له. منذ عدة أيام، استغليت وجودي في إسطنبول الآسيوية، فاشتريت بوطاً شتوياً وانتعلته فوراً، ووضعت الآخر في محفظة الظهر، التي لا تفارق ظهري نهاراً وأحملها دائماً، ففيها الكاميرا، ودفتر والآيباد، وبعض الأوراق الأخرى.

أمضيت نهاري كله أشكو ثقل المحفظة. في اليوم الثاني خرجت صباحاً من الشقة لرؤية أصدقاء، وتذكرت وأنا في الطريق أن الحذاء القديم الثقيل ما زال في المحفظة، ولكنني تابعت عملي اليومي. في اليوم الثالث لم أتذكر الحذاء، ولم أشعر بثقل المحفظة، ولكنني في المساء كنت بحاجة له، لأنني لبست بنطالاً رسمياً، وهذا لا يليق على البوط الشتوي، فتذكرت أنه في محفظة الظهر. انتعلته وبي حنين إلى حمله، فقد اعتدت عليه قاعداً فوق أكتافي، رغم عدم ظهوره.

أولاد ضيعتي

كنت أظن أن أولاد ضيعتي متخلفون، وإذ بهم مثل غيرهم. فقد كانوا قبل ستين عاماً، عندما ينشب بينهم خلاف لأي سبب بسيط أم كبير، ينسون تعاليم دينهم السمحة، وأفكارهم المستحدثة في السياسة والاجتماع، وزيجاتهم من بنات العائلات الأخرى، التي لا تربطهم بها رابطة الدم والنسب. وكان أول ما يتناسونه هو "الخبز والملح" الذي كان قاسمهم المشترك في ليالي الجوع والبرد.

كان أولاد ضيعتي، ببساطة، يطلقون زوجاتهم الغريبات، ويعودون سريعاً إلى "حضن العائلة" مع أول كف على خد أحدهم، أو ضربة عصا، أو رمية "عقال" على الأرض. كنت ببساطة، قبل الثورة، أظن أن أولاد ضيعتي، مختلفون بتخلفهم، وإذ بهم، بعد ست سنوات من الثورة، يشبهون كل سكان سورية.

القانون

حدث اليوم في مونتريال، أن إحدى السيدات كانت واقفة على الإشارة الحمراء، رغم عدم وجود حركة سير، فجأة جاءت سيارة وتجاوزت الإشارة الضوئية وهي حمراء، فأخرجت بسرعة قلماً وسجلت نمرة السيارة على يدها، ثم دخلت مخزني وطلبت هاتفاً، فأعطيتها هاتف المحل. اتصلت بالشرطة، وشرحت لهم الحالة، وأعطتهم نمرة السيارة المخالفة، واسمها هي، وعنوانها. قلت لها بعد أن أنهت مكالمتها: ولكن ماذا ستستفيدين أنت من هذا التبليغ؟

قالت مستهجنة: أستفيد أن القانون يجب أن يطبق، حرصاً على حياة الجميع، وأولهم حياة السائق الذي ارتكب المخالفة.

نظرتْ إلى بعد سؤالي وقالت: من أي بلد أنت مهاجر؟ قلت لها: من سورية. هزت رأسها وقالت: ألا تعتقد أن عدم احترام القانون هو ما أوصل السوريين إلى هذه الحالة ؟؟؟

65BA1F44-59A2-4240-B737-8FB8776C9F64
ميخائيل سعد

مدونات أخرى