أبو نضال "مات" في "يوم الأرض" ثمّ عاد

أبو نضال "مات" في "يوم الأرض" ثمّ عاد

30 مارس 2014
الصورة
قمع نشاطات "يوم الأرض" بالقدس اليوم (أحمد غربلي، GETTY)
+ الخط -

بصوت خافت حزين، من قلب منفطر، وذاكرة تأبى النسيان، يحدّثك، عبد الكريم خلايلة، أبو سعيد، من مدينة سخنين في الداخل الفلسطيني، وهو يروي قصة استشهاد ابنه خضر في "يوم الأرض"، 30 مارس/آذار 1976.
أبو سعيد، الذي تجاوز الثمانين، لم يتحكم في دموعه المنسابة على وجنتيه المتجعدتين مراراً خلال لقائه "العربي الجديد"، وأقحمت نفسها في الحكاية، لتثبت حضورها من جديد بعد 38 عاماً على ذلك اليوم المشهود بالحرقة نفسها.
أما ابنه، أحمد خلايلة، فلا يزال يعيش على أنفاس شقيقه خضر الأخيرة، التي لفظها على ركبتيه عندما كان يرافقه الى المستشفى بعدما أرداه رصاص الاحتلال.
وداخل منزل آخر في سخنين، التي تشكل أحد أضلاع مثلث "يوم الأرض"، بالإضافة الى قريتي عرابة ودير حنا، التقى "العربي الجديد" جريحاً من "يوم الأرض"، علي شلاعطه (أبو نضال)، الذي حاصرته المجنزرات والدبابات العسكرية الإسرائيلية ليلة خروجه لينتصر فيها للأرض والحق والحرية، ونزف حتى ظن أنه فارق الحياة لا محالة، لكنه عاد إليها من جديد.
وإذا كان، أبونضال، قد نوى، في حينها، بذل روحه في سبيل الوطن، فإن زوجته، دينا شلاعطه، رفضت ملازمة البيت، وانضمت الى النساء اللواتي أمددن الشباب بالعزيمة والحجارة التي واجهوا فيها جنود الاحتلال.

حزين على ابني فخور بما فعل

يقول الوالد، عبد الكريم خلايلة: كان ابني خضر في 28 من العمر يوم استشهد صباح 30 مارس/آذار 1976، في أثناء محاولته مساعدة إحدى السيدات كانت أصيبت بطلق ناري. وقبل استشهاده بدقائق، كان قد نجا من حادثة إطلاق نار سابقة استهدفته في منزله. ويضيف أبوسعيد أنه "في ذلك اليوم، كنتُ في منزلي، وخضر في منزله المجاور.
كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن حظر التجوال. اعتدنا في زمن الانتداب البريطاني أن يقتصر حظر التجوال على عدم الخروج الى الشوارع، لكن بالمفهوم الإسرائيلي كان يمنعنا حتى من فتح النافذة واستنشاق الهواء. أطلّ خضر من شرفة بيته ليرى ما يحدث في الخارج، فتعرض الى إطلاق نار كثيف باتجاهه، لم يترك نقطة في جدران البيت إلا وأصابها، لكنه نجا من الموت في تلك اللحظات".
ويتابع عبد الكريم إنه "بعد دقائق معدودة، ملأ الصراخ الحي، وعلمنا أن معلمة مدرسة من أقاربنا تعرضت الى طلق ناري، فهبّ خضر لمساعدتها مع آخرين ولم يأبه كونه كاد يُقتل من قبل، لكن الجنود استهدفوه فاستقر الرصاص في رأسه".
هنا، يتدخل، أحمد خلايلة، ويقاطع والده قائلاً: دائماً ما كنتُ أرافق شقيقي خضر الذي كان يكبرني سناً. كان ينبهني دائماً إلى أهمية الارض والوطن والانتماء. مساء 29-3-1976، شارك في المواجهات، بعدما شاع خبر وجود اقتتال وشهداء في دير حنا وعرابة المتجاورتين. كان يرى أن من واجبه مساعدة الجرحى، وعدم السكوت على الهوان والذل، وكان يعرف معنى الكرامة، وكان مثلنا جميعاً يرى أن الأرض كالعرض، وأن إعلان مصادرة الأراضي التي أطلقت شرارة يوم الأرض، هو استهداف للوطن الذي لا بد من الدفاع عنه حتى لو لم يكن لنا كعائلة أراض خاصة هناك.
وأردف، أحمد قائلاً إنه "عندما هبّ خضر لمساعدة المعلمة في الثلاثين من آذار، كنت إلى جانبه، ولا يمكن أن أنسى كيف لفظ أنفاسه الأخيرة فوق ركبتيّ ونحن في الطريق الى المستشفى. كانت دماؤه تملأ ملابسي وكنت متشبثاً به. عانقته بشدة وأدركت أنه فارق الحياة".
هنا يستعيد، أبوسعيد، الحديث ليجزم بأنه يشعر "بالفخر والاعتزاز بما قام به، لا يوجد أب يقوى على فراق ابنه، ولكن كما نقول دائماً، بلغتنا المحكية، الموت ولا المذلة".

أبو نضال "مات" مقاوماً ثم عاد

المحطة الآتية في بيت، علي محمد شلاعطه (أبو نضال)، من سخنين، أحد الذين حملوا لواء الدفاع عن أراضي المل في يوم الأرض، ولا تزال ساقه التي اخترقها الرصاص، شاهدة على حكايته ابتداء من مساء 29 مارس 1976، حتى ساعات فجر اليوم التالي، حين كان أبونضال في وعيه قبل أن يجد نفسه في "المستشفى الإنجليزي" في الناصرة بين الحياة والموت.

ويستعيد الرجل مشاهد ذاك اليوم، على الشكل التالي: كنت في 22 من العمر في ذلك الوقت، متزوجاً وأباً لثلاثة أولاد أكبرهم في الثالثة، وأصغرهم طفلة في الشهر السادس من عمرها. ويضيف أنه في تلك الفترة، "وأنا في ريعان شبابي، كنت متقداً بشعلة الشباب، وشعرتُ أنه لا بد لي من أخذ دور بعد الإعلان عن إضراب يوم الأرض عقب قرارات المصادرة الإسرائيلية أراضي المل وإعلانها منطقة عسكرية، خصوصاً، أنني نشأت في بيت أهلي على حب الأرض والوطن والانتماء".

كان، أبونضال مستقلاً في عمله. عاد مساء 29 مارس 1976 إلى بيته، ركن سيارته وتوجه إلى وسط البلد. ويروي أنه "عندما وصلتُ، وجدتُ أن عدداً كبيراً من سكان البلدة من مختلف الأجيال وفئات المجتمع وقد احتشدوا هناك في ظل تداول الأنباء عن الإضراب وعن وجود أحداث في دير حنا، ومن ثم في عرابة. فجأة في حدود الساعة الثامنة والنصف وصلت سيارة أجرة مسرعة.
توقفت فجأة وصاح من كان في داخلها: يا إخوان عرابة ماتت. يا أهل سخنين بدنا همتكم ودعمكم، يا أهل سخنين عرابة ماتت". عرف أهالي سخنين، أن الأوضاع في قرية عرابة المجاورة مشتعلة، وأن الجيش الاسرائيلي يستهدف القرية وأهلها. ويواصل، أبونضال، سرد شهادته شارحاً، كيف أنه عندما فتحوا باب سيارة التاكسي، كان في داخلها الشهيد، خير ياسين، ابن عرابة، وقد لفظ أنفاسه. يقول أبونضال إنه "كان مشهداً فظيعاً استفزنا، فجرت دماء الثورة في عروقنا. توجهنا شرقاً باتجاه عرابة جرياً على الاقدام، والغضب يتملّكنا، وفي الطريق وجدنا مجنزرات ومصفحات ودبابات تابعة للجيش الإسرائيلي وحرس الحدود تتجه نحونا. بدأ الاشتباك ضدها حوالي الساعة التاسعة من تلك الليلة، كنا نلقي الحجارة وكل ما نجد على الشارع باتجاه الجنود، لكنهم أجبرونا بعتادهم العسكري الثقيل على التراجع مرة أخرى إلى وسط البلد".

آليات عسكرية من كل صوب

في وسط سخنين، احتدمت المواجهات في ذلك اليوم، وشعرت القوات الإسرائيلية بالضيق وطلبت المساندة، وخصوصاً بعدما أُصيب بعض أفرادها، حسب رواية، أبونضال، الذي وجد نفسه محاصراً لحظات قبل إصابته.

"في ظل هذا الاحتقان وهذه المواجهات، أُصيب اثنان من أبناء بلدي أمام عينيّ. ووسط الكر والفر، وجدتُ نفسي محاصراً قرب مركز البلد من كل الاتجاهات. في تلك اللحظات، قصدتُ مخزناً صغيراً، ثم تخيّلت أن المجنزرات قد تحطمها وأنا داخلها وسأموت حتماً، فخرجت مسرعاً قاصداً غرفتين قريبتين من مكان وجودي، فيهما شرفة صغيرة مع حاجز إسمنتي يرتفع نحو نصف متر".

وأشار أبونضال، إلى أنه شعر كأن شيئاً انفجر فيه، "وأيقنتُ أنني أصبتُ، لكنني لم أعرف مكان الجرح، وتمكنتُ تحت تأثير الإصابة، ووسط اندفاع من يدافع عن روحه، من بلوغ الغرفتين، وعندها أطلق النار باتجاهي مرة أخرى. تمددتُ خلف الحاجز الإسمنتي. كان هناك شابان على مسافة مني، فرفعتُ صوتي وعرّفتهما بنفسي لأنني استسلمتُ في حينها للموت من كثرة الدماء التي خسرتها، وطلبت أن يعلموا أهلي الموضوع".

ظنّ في تلك اللحظات أنه يموت، وكان متيقناً من أن القوات الإسرائيلية ستجهز عليه نهائياً، ويذكر أنه نزف لأكثر من ساعة قبل أن يتمكن أحد من الوصول إليه في ظل محاصرته.

ويواصل، أبونضال، سرد حكاية الموت والعودة إلى الحياة، فهو في البداية لم يشعر بألم الإصابة، ولكن مع الوقت بدأ جسمه يبرد، وبدأ يشعر بحالة من الإغماء التدريجي. وفي حوالي الساعة الثانية فجراً، غيّرت المجنزرات مسارها، وتمكن بعض شباب البلد من الوصول إلى جسده الذي خاله استحال جثّة. نقله الشباب إلى "المستشفى الإنجليزي" في الناصرة. عند باب المستشفى، سحب من السيارة، وعندها صرخ من شدة الألم الذي بدأ يشعر به بقوة في ساقه التي اخترقها الرصاص، وبقي ثلاثة أيام في غيبوبة. في تلك الليلة، كان هو الجريح الوحيد، ولكن لاحقاً، نقل جرحى آخرون إلى المستشفى نفسه.

ينقلن الحجارة فوق رؤوسهن

بدورها، قررت، دينا شلاعطه، (أم نضال)، أن تتحدث في شكل مقتضب عن اليوم الصعب. ومن أكثر ما لا يزال يؤثّر في ذاكرتها، مشهد "النساء اللواتي كنّ شريكات في ذلك النضال، حتى أنهنّ جمعن الحجارة في أوانٍ وأوعية، ونقلنها فوق رؤوسهن إلى الشباب ليستخدموها في مواجهة الجنود"، لأن النساء "لم يتمكنَّ من الوقوف جانباً في ظل ما رأينه في ذلك اليوم". وتختصر شهادتها في القول "لقد رأينا أنه من العار أن نقف جانباً، فهذه بلادنا ولا بد أن ندافع عنها وعن هويتنا، وأن ندعم أزواجنا وأبناءنا".

ومن المشاهد التي لا يمكن نسيانها بالنسبة لأم نضال، كيف أن "شباباً من سخنين تمكنوا من أسر عدد من الجنود وتقييدهم، ثم حصلت مقايضة أطلق سراحهم بموجبها، بعد ضمان إطلاق سراح شباب البلد".

دلالات

المساهمون